الشبيبة الثورية.. ماذا بقي منها بعد حل قسد؟

وكالة أنباء آسيا

2026.08.26 - 23:39
Facebook Share
طباعة

بعد أكثر من عقد على ظهورها في شمال شرقي سوريا، تواجه ما تعرف بـ"الشبيبة الثورية" أو "جوانن شورشكر" مرحلة جديدة مع إعلان حل "قوات سوريا الديمقراطية" وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، وسط تساؤلات حول مصير التنظيم الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالأنشطة الأيديولوجية والشبابية، إلى جانب اتهامات حقوقية متكررة بتجنيد الأطفال وممارسة ضغوط على الخصوم السياسيين.
وتبرز أهمية هذا الملف في محافظة الحسكة خصوصًا، حيث ظهر نشاط "الشبيبة الثورية" بصورة واسعة في القامشلي ومناطق أخرى، في ظل ارتباط الحركة، وفق تقارير حقوقية ودولية، بالمنظومة السياسية والتنظيمية المرتبطة بـ"حزب الاتحاد الديمقراطي" و"قسد".
ومع انتقال "قسد" إلى مرحلة الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، يطرح هذا التحول سؤالًا أساسيًا حول مستقبل الأطر والتنظيمات التي نشأت ونشطت في البيئة السياسية والأمنية التي وفرتها الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضاً: من داعش إلى دمشق.. رحلة صعود قسد


من نشاط شبابي إلى حضور واسع
ظهرت "الشبيبة الثورية" في سياق توسع نفوذ القوى المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني في شمال شرقي سوريا، ولا سيما بعد عام 2011.
وقدمت الحركة نفسها باعتبارها إطارًا شبابيًا يهتم بالأنشطة الثقافية والسياسية والفكرية، ونظمت فعاليات ومسيرات ودورات مختلفة، قبل أن يتوسع حضورها في الحياة العامة، لتصبح طرفًا حاضرًا في عدد من القضايا السياسية والاجتماعية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد".
ومع مرور الوقت، ارتبط اسمها بصورة متزايدة بالخلافات السياسية داخل المجتمع الكردي، ولا سيما بين القوى المؤيدة للإدارة الذاتية والأحزاب المنضوية في "المجلس الوطني الكردي".
وتحدثت تقارير حقوقية عن تورط عناصر من الحركة في اعتداءات ومضايقات استهدفت ناشطين وصحفيين وأعضاء في أحزاب سياسية معارضة، إضافة إلى حوادث مرتبطة باقتحام أو استهداف مكاتب سياسية.
وتقول تقارير حقوقية إن الحركة لا يمكن فصلها بصورة كاملة عن المنظومة السياسية والعسكرية التي نشطت في مناطق الإدارة الذاتية، مشيرة إلى وجود روابط أيديولوجية وتنظيمية بينها وبين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني.

اقرأ أيضاً: الحسكة تختبر وعود ما بعد حل قسد


تجنيد الأطفال.. الملف الأبرز
يبقى ملف تجنيد الأطفال أكثر الملفات حساسية المرتبطة باسم "الشبيبة الثورية".
فقد وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حالات قالت فيها عائلات إن الحركة استقطبت أطفالًا وفتيات وفتيانًا تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا، قبل نقل بعضهم إلى مجموعات مسلحة مرتبطة بـ"قسد".
وأشارت المنظمة إلى أن عمليات الاستقطاب لم تقتصر على الطرق المباشرة، وإنما جرت أحيانًا من خلال المدارس والأنشطة الثقافية والرياضية، إضافة إلى دورات تعليمية ومهنية وأنشطة تستهدف فئات عمرية صغيرة.
كما وثقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، استنادًا إلى بيانات مركز العدالة والمساءلة السوري، عشرات حالات تجنيد الأطفال خلال الفترة الممتدة بين نيسان 2024 ونيسان 2025، مع تسجيل نسبة كبيرة من الحالات بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا.
وسجلت محافظة الحسكة جزءًا مهمًا من هذه الحالات، ونُسبت جميع الحالات التي وثقتها الوكالة في المحافظة ضمن تلك البيانات إلى "الشبيبة الثورية".
ويأتي ذلك رغم توقيع "قسد" خطة عمل مع الأمم المتحدة عام 2019 لإنهاء ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم عسكريًا.
لكن استمرار ورود تقارير عن تجنيد القاصرين بعد توقيع الخطة أبقى الملف مفتوحًا، وأثار انتقادات بشأن مدى التزام القوى المرتبطة بـ"قسد" بالتعهدات التي قطعتها أمام الأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً: بعد قسد.. هل تخسر السويداء رهان الخارج؟


صراع داخل البيت الكردي
لم يقتصر حضور "الشبيبة الثورية" على النشاط الشبابي، إذ دخلت الحركة في قلب التجاذبات السياسية الكردية الداخلية.
وخلال السنوات الماضية، ظهر اسمها في سياق مواجهات واحتكاكات مع فعاليات وأحزاب كردية معارضة للإدارة الذاتية، خصوصًا القوى المرتبطة بالمجلس الوطني الكردي.
وتحدثت تقارير حقوقية عن اعتداءات طالت متظاهرين وصحفيين وناشطين، إضافة إلى حوادث استهدفت مكاتب وأعضاء أحزاب سياسية.
وأدى ذلك إلى ترسيخ صورة الحركة بوصفها جزءًا من الصراع السياسي الداخلي، بدل بقائها ضمن إطار شبابي وثقافي فقط.


اتفاق كانون الثاني يغيّر المشهد
دخل مستقبل "الشبيبة الثورية" مرحلة أكثر تعقيدًا مع الاتفاق الذي أبرم بين الحكومة السورية و"قسد" في كانون الثاني 2026.
وتضمنت التفاهمات ترتيبات لإعادة دمج المؤسسات والقوات التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية، إلى جانب إعادة تنظيم الملفات الأمنية والعسكرية والإدارية في شمال شرقي البلاد.
كما ارتبط الاتفاق بملف إنهاء وجود التشكيلات والقوى المرتبطة بالمنظومة العسكرية السابقة في المنطقة، بما فيها التنظيمات التي كان نشاطها مرتبطًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالإدارة الذاتية.
وبحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، كان من المتوقع خروج "الشبيبة الثورية" من سوريا ضمن ترتيبات الاتفاق، إلا أن تقارير تحدثت عن استمرار ظهورها في محافظة الحسكة خلال الأشهر التالية.
وفي أيار الماضي، عاد اسم الحركة إلى الواجهة على خلفية أحداث مرتبطة بالقصر العدلي في الحسكة، خلال عملية انتقال المؤسسة إلى إدارة الحكومة السورية، وسط اتهامات بممارسة اعتداءات واحتكاكات خلال تلك التطورات.
ومع اقتراب نهاية المرحلة السابقة، ظهرت كذلك مؤشرات على إغلاق عدد من مقرات الحركة في الحسكة والقامشلي، بالتزامن مع تراجع حضورها العلني.


هل تنتهي بانتهاء قسد؟
إعلان مظلوم عبدي في 25 آب 2026 حل "قوات سوريا الديمقراطية" كقوة عسكرية مستقلة، وبدء مرحلة جديدة ضمن مؤسسات الدولة السورية، يضع "الشبيبة الثورية" أمام واقع مختلف تمامًا.
فالحركة، التي استفادت خلال السنوات الماضية من البيئة السياسية والأمنية والإدارية التي نشطت فيها "قسد"، تواجه الآن سؤالًا حول قدرتها على الاستمرار في حال انتهاء تلك البيئة.
وتبدو أمامها عدة احتمالات، أبرزها تفكك التنظيم وتوقف نشاطه مع انتهاء الغطاء السابق، أو انتقال بعض أنشطته إلى أطر مدنية وثقافية وشبابية، أو إعادة تشكيل شبكاته بصورة مختلفة بعيدًا عن الواجهة السياسية والعسكرية السابقة.
أما الملف الأكثر حساسية فيتعلق بالمحاسبة، ولا سيما في الحالات المرتبطة باتهامات خطف الأطفال أو تجنيدهم أو نقلهم إلى تشكيلات مسلحة.
وهنا ستكون عملية دمج مؤسسات "قسد" ضمن الدولة السورية اختبارًا حقيقيًا ليس فقط لمستقبل القوات والتشكيلات العسكرية، وإنما أيضًا لمصير التنظيمات والأطر التي عملت في محيطها خلال السنوات الماضية.


نهاية مرحلة أم تغيير الشكل؟
على مدى سنوات، ارتبطت "الشبيبة الثورية" بمشهد سياسي وأمني معقد في شمال شرقي سوريا، وتجاوز حضورها النشاط الشبابي إلى ملفات سياسية وحقوقية شديدة الحساسية، كان أبرزها تجنيد الأطفال والصراع مع الخصوم السياسيين.
ومع إعلان حل "قسد"، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان التنظيم سينتهي فعليًا بانتهاء البيئة التي احتضنته، أم سيعيد إنتاج نفسه تحت عناوين مدنية وشبابية جديدة.
ويبقى ملف الأطفال تحديدًا من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة واضحة، سواء من خلال منع أي عمليات تجنيد مستقبلية، أو كشف مصير الأطفال الذين جرى استقطابهم خلال السنوات الماضية، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات والجهات القضائية المختصة.
وبذلك، فإن انتهاء "قسد" لا يعني تلقائيًا انتهاء كل البنى التي نشأت في ظلها، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة ستحدد خلالها الدولة السورية مصير هذه التنظيمات، وحدود نشاطها، ومسؤولية المتورطين في الانتهاكات المنسوبة إليها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2