الحسكة تختبر وعود ما بعد حل قسد

2026.08.26 - 23:11
Facebook Share
طباعة

أثار إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، إنهاء عمل القوات والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، تفاعلاً واسعاً في محافظة الحسكة، التي كانت خلال السنوات الماضية مركزاً رئيسياً لنشاط "قسد" والإدارة الذاتية.
ومع انتقال مسار الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد" إلى مرحلة جديدة، تتجه الأنظار إلى كيفية ترجمة الإعلان على الأرض، وما إذا كان سيؤدي فعلياً إلى تغيير في الواقع الأمني والإداري والخدمي، أم سيقتصر في مرحلته الأولى على إعادة ترتيب المؤسسات والقوى القائمة.
وكان عبدي أعلن، الثلاثاء 25 آب، خلال مؤتمر صحفي في قصر الشعب بدمشق، انتهاء مهمة "قسد" كقوة عسكرية مستقلة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من "ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".
وجاء الإعلان بعد أشهر من المفاوضات لتنفيذ الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و"قسد" في 29 كانون الثاني 2026، والذي يتضمن ترتيبات لدمج القوات والمؤسسات التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب ملفات المعابر وحقول النفط والغاز والسجون والمخيمات والمؤسسات المدنية وحقوق الكرد.

اقرأ أيضاً: بعد قسد.. هل تخسر السويداء رهان الخارج؟


الأمن أولاً
في الحسكة، يبدو أن الملف الأمني سيكون أحد أبرز الاختبارات أمام المرحلة الجديدة، خصوصاً بعد سنوات من وجود منظومات أمنية وعسكرية وإدارية متعددة.
وتتجه المطالب إلى أن ينعكس إنهاء "قسد" كقوة مستقلة على طبيعة الحياة الأمنية داخل المدن والبلدات والريف، من خلال توحيد المرجعيات الأمنية، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الازدواجية التي نشأت خلال سنوات الحرب.
كما تبرز الحاجة إلى بناء علاقة جديدة بين المؤسسات الأمنية والمواطنين، بما يضمن احترام القانون والحريات العامة، ويخفف من المخاوف المرتبطة بالاعتقالات والإجراءات الأمنية التي كانت جزءاً من المشهد خلال السنوات الماضية.
وبذلك، فإن نجاح عملية الدمج لن يرتبط فقط بانتقال العناصر والمؤسسات من جهة إلى أخرى، وإنما بمدى قدرة المرحلة الجديدة على إنتاج واقع أمني أكثر استقراراً ووضوحاً.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 25-8-2026


الخدمات والواقع المعيشي
ولا يقل الملف الخدمي أهمية عن الجانب الأمني، إذ تواجه محافظة الحسكة تحديات متراكمة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبلديات والخدمات العامة.
ويترقب السكان أن يؤدي تعزيز حضور مؤسسات الدولة إلى تحسين مستوى الخدمات وإعادة تفعيل الدوائر الحكومية، بما يسمح للمواطنين بإنجاز معاملاتهم بصورة طبيعية، بعد سنوات من تعدد المؤسسات والجهات التي أدارت مختلف جوانب الحياة العامة.
كما تبرز الحاجة إلى دعم البنية التحتية وإعادة تأهيل المؤسسات الخدمية، خصوصاً مع اقتراب العام الدراسي الجديد، وما يرافقه من تحديات تتعلق بالمدارس والكوادر التعليمية والمناهج.


التعليم والحقوق الثقافية
ويُعد ملف التعليم باللغة الكردية والحقوق الثقافية من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، إلى جانب مسألة دمج المؤسسات التعليمية التي كانت تتبع للإدارة الذاتية ضمن المنظومة التعليمية للدولة.
وتحتاج هذه القضية إلى ترتيبات واضحة تضمن استمرار التعليم وعدم إلحاق الضرر بالطلاب، مع معالجة الملفات المرتبطة باللغة والثقافة والخصوصية المحلية ضمن إطار مؤسسات الدولة.
ويشكل الوصول إلى صيغة متوازنة في هذا الملف اختباراً مهماً لقدرة المرحلة الجديدة على طمأنة مختلف مكونات المحافظة، ومنع تحول الملف التعليمي والثقافي إلى مصدر جديد للتوتر.


النفط والمعابر والموارد
ومن الملفات الأساسية أيضاً مستقبل إدارة حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، وهي موارد ومواقع استراتيجية كانت خلال السنوات الماضية تحت إدارة مؤسسات مرتبطة بـ"قسد".
وينص مسار الاتفاق على انتقال هذه الملفات إلى مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل آلية التنفيذ وتوقيته من أبرز القضايا التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في شمال شرقي سوريا.
كما أن توحيد إدارة الموارد يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الإيرادات وتوجيهها نحو الخدمات والتنمية المحلية، شرط أن ترافق ذلك آليات واضحة وفعالة للإدارة والرقابة.


نهاية الازدواجية؟
أحد أبرز العناوين التي تطرح نفسها بعد إعلان حل "قسد" هو مستقبل حالة الازدواجية التي نشأت في المنطقة خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى العسكري أو الأمني أو الإداري.
فإنهاء هذه الحالة لا يتحقق بمجرد تغيير أسماء المؤسسات أو رفع شعارات جديدة، وإنما يحتاج إلى عملية انتقال فعلية تشمل المؤسسات والموارد والسلطات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية.
كما أن نجاح العملية يتطلب تجنب الفراغ الإداري أو الأمني، وضمان استمرار الخدمات والمؤسسات خلال فترة الانتقال، خصوصاً في المناطق التي اعتادت على نمط مختلف من الإدارة خلال السنوات الماضية.


مرحلة جديدة.. واختبار أصعب
ويمثل إعلان حل "قسد" محطة مهمة في مسار بدأ باتفاق 29 كانون الثاني، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الاستحقاقات التي ستحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمنطقة خلال السنوات المقبلة.
وتبرز أمام الحكومة السورية ملفات شائكة تتعلق بالدمج العسكري والأمني، والإدارة المحلية، والتعليم، والحقوق الثقافية، والموارد الطبيعية، والمعابر، وعودة المهجرين، إضافة إلى مستقبل العناصر الذين كانوا ضمن تشكيلات "قسد".
وفي المقابل، سيكون على سكان المنطقة التعامل مع مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من واقع عسكري وإداري استمر لسنوات إلى منظومة مؤسساتية موحدة.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي لا يبدأ مع إعلان حل "قسد"، بل مع اليوم التالي له؛ إذ ستتحدد جدية المرحلة الجديدة من خلال مستوى الأمن، وحضور مؤسسات الدولة، وتحسن الخدمات، وضمان الحقوق، وقدرة جميع الأطراف على تجاوز إرث سنوات الصراع والانقسام. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 6