تحولت مياه البحر الأحمر خلال أسابيع قليلة إلى ساحة ضغط متصاعد على حركة ناقلات النفط السعودية، بعدما أعلنت جماعة أنصار الله الحوثيين استهداف سفن مرتبطة بالسعودية، في إطار ما تصفه بـ«الحصار البحري». ومع توالي الهجمات منذ أواخر يوليو/تموز، بدأت شركات الشحن في تعديل مساراتها بعيداً عن باب المندب، ما أضاف مسافات طويلة وتكاليف جديدة إلى رحلات نقل النفط.
اقرأ أيضاً:باب المندب.. لماذا تزداد معاناة السكان على الساحل؟
وكان أحدث الهجمات المعلنة استهداف الناقلة السعودية «أمزان» قبالة سواحل ينبع، في 24 أغسطس/آب، بحسب ما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع. وقال إن السفينة تعرضت لصاروخ باليستي، بينما تشير بيانات «كبلر» إلى أنها كانت تبحر على بعد نحو 60 ميلاً
بحرياً من الساحل، وكانت خالية من الحمولة النفطية عند وقوع الحادث.
تعود إدارة «أمزان» إلى الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، وفق بيانات سجل السفينة، ما يجعلها أحدث ناقلة تابعة للشركة تدخل دائرة الاستهدافات المعلنة.
البداية مع «إنسيليا» و«ليلى»
بدأ التسلسل المعلن للهجمات في 22 يوليو/تموز، بعد أيام من إعلان الحوثيين بدء تنفيذ ما سموه «الحصار البحري» على السفن المرتبطة بالسعودية.
وأعلنت الجماعة استهداف ناقلتي النفط «إنسيليا» و«ليلى» بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أظهرت بيانات «كبلر» أن الناقلتين كانتا تحملان معاً نحو 2.85 مليون برميل من النفط السعودي.
كانت «إنسيليا» تبحر قرب الساحل السعودي، وأظهر تحليل موقعها الأخير أن الحادث وقع على مسافة تقارب 54 ميلاً بحرياً من سواحل مدينة الشقيق.
أما «ليلى» فقد أخفت موقعها الجغرافي، ما حدّ من إمكانية تحديد مكان تعرضها للحادث بصورة دقيقة.
اقرأ أيضاً:تفاهم عُماني إيراني يمهد لاستعادة الملاحة في هرمز
«إن سي سي ماسا».. حادث بلا تبنٍّ حوثي
بعد يومين فقط، أعلنت وكالة الأنباء السعودية تعرض ناقلة النفط «إن سي سي ماسا» لحادث أثناء إبحارها في البحر الأحمر.
ولم تعلن جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن الواقعة، لكن بيانات الملاحة أظهرت أن السفينة ترفع العلم السعودي وتدار أيضاً من جانب الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري.
أبقى غياب التبني الرسمي للحادث تفاصيل الهجوم أقل وضوحاً مقارنة بالوقائع التي أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنها.
«إن سي سي غزال» تعود أدراجها
في 28 يوليو/تموز، أعلن الحوثيون استهداف الناقلة السعودية «إن سي سي غزال» بصواريخ باليستية، وقالوا إن الهجوم أجبر السفينة على التراجع والعودة بعد مخالفتها قرار الحظر البحري.
تظهر بيانات «مارين ترافيك» أن الناقلة غادرت ميناء ينبع الصناعي في 16 يوليو/تموز، وكانت تحمل أكثر من 196 ألف برميل من النفط، متجهة إلى ميناء جازان.
وبحسب البيانات الملاحية، كانت الرحلة قد بدأت قبل إعلان الحظر الحوثي، بينما جاء الحديث عن استهداف السفينة بعد نحو أسبوعين من مغادرتها ينبع.
«وفاء» و«ديزي».. اتساع دائرة الاستهداف
في 5 أغسطس/آب، أعلن الحوثيون استهداف ناقلتي النفط السعوديتين «وفاء» و«ديزي» في البحر الأحمر.
ولم تكن «وفاء» تظهر موقعها الجغرافي وقت الحادث، بينما سمحت بيانات «كبلر» بتحديد موقع «ديزي» وربطها بحادث أبلغت عنه هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية.
كانت الهيئة البريطانية قد تلقت بلاغاً عن انفجار قرب ناقلة نفط على بعد نحو 95 ميلاً بحرياً جنوب شرقي عدن، وهو الموقع الذي تطابق مع بيانات الناقلة «ديزي» وفق تحليل جغرافي لبيانات الملاحة.
هجمات طالت سفناً غير سعودية
لم تقتصر الهجمات البحرية خلال الفترة نفسها على الناقلات السعودية.
ففي 6 أغسطس/آب، تعرضت سفينة الشحن الهندية «إم إس في فيز نور أوليا» لهجوم قبالة الحديدة، قبل أن تغرق في البحر الأحمر.
وقال وزير الشحن البحري الهندي إن مقذوفاً أصاب السفينة، ما أدى إلى انقلابها وغرقها، مؤكداً نجاة أفراد الطاقم الأربعة عشر.
اتهمت وزارة النقل اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دولياً الحوثيين باستخدام قارب ملغوم في الهجوم، بينما لم تعلن الجماعة مسؤوليتها عنه.
«تهامة» تحت الهجوم قرب باب المندب
بعد أيام، في 11 أغسطس/آب، تعرضت سفينة النقل «تهامة» لهجوم قرب باب المندب.
وقالت وزارة النقل اليمنية إن السفينة، التي كانت تحمل مواد غذائية، تعرضت لثلاث ضربات بصواريخ باليستية، واتهمت الحوثيين بتنفيذ الهجوم.
وأضافت أن مقذوفاً آخر أُطلق خلال محاولة فرق الإنقاذ الوصول إلى أفراد الطاقم وإجلاء المصابين.
نشرت وسائل إعلام تابعة للحوثيين لاحقاً صوراً ومقطع فيديو للأضرار التي لحقت بالسفينة، مدعية أنها كانت تحمل معدات عسكرية.
وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتلقي بلاغ عن إصابة سفينة شحن قرب المخا بمقذوف مجهول وسقوط إصابات، بينما قالت شركة «أمبري» إن السفينة كانت راسية شمال شرقي جزيرة ميون عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
الناقلات تغيّر مساراتها
لم تتوقف آثار التصعيد عند السفن التي تعرضت للهجمات، بل امتدت إلى ناقلات اختارت الابتعاد عن باب المندب تفادياً للمخاطر.
وأظهرت بيانات الملاحة خروج ثلاث ناقلات نفط وناقلة غاز من ميناء ينبع باتجاه آسيا، لكنها عدلت مسارها المعتاد، متجهة شمالاً عبر قناة السويس ثم إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من عبور باب المندب.
ويعني هذا المسار إضافة آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات، مع ارتفاع زمن الإبحار واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين والشحن.
كما أظهرت بيانات التتبع أن ست ناقلات نفط ترفع العلم السعودي، وكانت عائدة من الأسواق الآسيوية، غيرت مسارها بعيداً عن باب المندب في 19 يوليو/تموز، أي قبل يوم واحد من بدء الحظر الذي أعلنته جماعة الحوثيين.
النفط السعودي يسلك طرقاً أطول
انعكست التحولات في مسارات السفن على طريقة وصول الخام السعودي إلى الأسواق الآسيوية.
وقال رئيس شركة التكرير اليابانية «إيديميتسو» لرويترز إن الخام السعودي أصبح يصل عبر قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح، مشيراً إلى ارتفاع مدة بعض الرحلات من نحو 20 يوماً إلى ما بين 50 و60 يوماً.
وتسعى السعودية كذلك إلى استخدام مسارات بديلة لتصدير النفط، إذ عرضت شركة أرامكو شحنات خام إضافية للتحميل من ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط منذ يوليو/تموز.
يُنقل النفط المحمل من ميناء ينبع عبر البحر الأحمر إلى العين السخنة، ثم ينتقل عبر خط أنابيب السويس والبحر المتوسط إلى سيدي كرير، قبل تصديره إلى الأسواق الخارجية.
البحر الأحمر أمام تهديد متواصل
تُظهر سلسلة الحوادث منذ 22 يوليو/تموز انتقال التوتر البحري إلى مستوى أكثر ارتباطاً بقطاع الطاقة السعودي، مع استهداف ناقلات نفط وتهديدات دفعت شركات الشحن إلى إعادة حساب مخاطر العبور عبر باب المندب.
وبين «إنسيليا» و«ليلى» و«غزال» و«ديزي» وصولاً إلى «أمزان»، تتكرر صورة واحدة: سفن سعودية تواجه تهديدات في البحر الأحمر، وشركات النقل تبحث عن طرق أطول وأكثر كلفة لتجنب المنطقة.
ويعني استمرار هذه الهجمات أن تداعياتها لا تقتصر على أمن السفن، بل تمتد إلى حركة صادرات النفط، وأجور الشحن والتأمين، والمدة التي تحتاجها الناقلات للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
مع استمرار الحوثيين في التلويح بمواصلة استهداف السفن المرتبطة بالسعودية، يبقى باب المندب نقطة ضغط رئيسية على حركة الطاقة والتجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.