حلف مكة يقترب من سوريا.. مكاسب وحدود ومخاطر

2026.08.25 - 14:56
Facebook Share
طباعة

تدرس دمشق إمكانية الانضمام إلى اتفاقية «مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة قد تفتح أمام سوريا مسارًا جديدًا في علاقاتها الأمنية والإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام حسابات دقيقة تتعلق بطبيعة التحالفات الجديدة وتوازناتها.
وأعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى باكستان في 21 آب، أن دمشق تدرس الانضمام إلى الاتفاقية، من دون أن يكون قد صدر قرار نهائي بهذا الشأن.
وتنص الاتفاقية، التي وقعتها الدول الثلاث في 7 آب، على تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك، واعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة اعتداءً عليها جميعًا، ما يمنحها بعدًا يتجاوز التعاون العسكري التقليدي نحو بناء إطار أمني إقليمي أكثر تماسكًا.

أقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 24-8-2026


دمشق أمام خيارات متعددة
بالنسبة إلى سوريا، تأتي دراسة الانضمام في مرحلة تسعى خلالها إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية وتثبيت علاقاتها الإقليمية، بالتزامن مع استمرار التوترات على حدودها وتعدد القوى المؤثرة في محيطها.
وقد يوفر التقارب مع الدول الثلاث لدمشق مساحة أوسع للتحرك السياسي والأمني، خصوصًا أن تركيا تمتلك حضورًا مباشرًا ومؤثرًا في الملف السوري، بينما تتمتع السعودية بثقل عربي واقتصادي ودولي، في حين تمتلك باكستان خبرة عسكرية واسعة يمكن أن تشكل مصدرًا للتدريب والتعاون الدفاعي.
لكن الانضمام إلى الاتفاقية لا يعني بالضرورة حصول سوريا تلقائيًا على ضمانة عسكرية مباشرة، إذ إن الالتزامات الواردة في الاتفاقية مرتبطة بالدول الثلاث الموقعة عليها.
ومن هنا، قد يكون أمام دمشق خيار الاستفادة من التعاون الذي يمكن أن ينشأ حول الاتفاقية دون الانتقال سريعًا إلى عضوية كاملة.

اقرأ أيضاً: هل يفتح الخروج من قائمة الإرهاب باب إنعاش الاقتصاد السوري؟


تركيا والسعودية في قلب المعادلة
يشكل الدور التركي أحد أبرز عناصر أي ترتيبات أمنية جديدة تخص سوريا، بحكم الحدود المشتركة والتداخل الأمني والعسكري بين البلدين.
وفي حال توسع التعاون الدفاعي بين أنقرة والرياض، فإن دمشق قد تستفيد من هذا التقارب عبر برامج تدريب وتسليح وتبادل معلومات وتطوير للقدرات العسكرية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال التحالف إلى الأراضي السورية بصورة مباشرة.
أما السعودية، فيمكن أن يكون دورها أكثر اتساعًا من الجانب العسكري، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والاستثمارية وإعادة الإعمار، إضافة إلى قدرتها على دعم إعادة دمج سوريا في محيطها العربي.
وهكذا، فإن أهمية الاتفاق بالنسبة إلى دمشق قد لا تكمن فقط في بند الدفاع المشترك، بل في إمكانية تشكل شبكة علاقات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة حول سوريا.


إعادة بناء الجيش هي الاختبار الأهم
إذا قررت دمشق الاقتراب من هذا الإطار، فإن الفائدة الأكثر مباشرة قد تظهر في ملف إعادة بناء الجيش السوري.
وتحتاج المؤسسة العسكرية إلى إعادة تنظيم واسعة تشمل التدريب والتسليح والاتصالات والاستطلاع والدفاع الجوي، وهي مجالات يمكن أن تستفيد فيها سوريا من التعاون مع أطراف تمتلك خبرات وقدرات مختلفة.
وقد يشكل التعاون التركي عاملًا أساسيًا في التدريب وإعادة التنظيم، بينما يمكن أن توفر باكستان خبرات إضافية في المجالات العسكرية، في حين تستطيع السعودية المساهمة من خلال الدعم الاقتصادي وتمويل بعض المشاريع المرتبطة بإعادة بناء القدرات.
وفي حال تطور التعاون إلى منظومات دفاع جوي وتنسيق استخباراتي أوسع، فإن ذلك يمكن أن ينعكس على قدرة سوريا في حماية مجالها الجوي ورفع مستوى الردع لديها.


إسرائيل تراقب أي تغيير
يبقى العامل الإسرائيلي الأكثر حساسية أمام أي تحول في موقع سوريا الأمني.
فانتقال دمشق من مرحلة إعادة بناء مؤسساتها إلى امتلاك شبكة تعاون دفاعي إقليمية قد يغير تدريجيًا الحسابات المحيطة بها، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع تطوير الجيش والدفاع الجوي ورفع مستوى التعاون العسكري مع تركيا.
ومن المرجح أن تنظر إسرائيل بحذر إلى أي خطوة تؤدي إلى تعزيز القدرات العسكرية السورية أو إلى وجود ترتيبات أمنية جديدة بالقرب من حدودها.
وفي المقابل، فإن دخول سوريا في تحالف دفاعي واسع قد يرفع مستوى المخاطر عليها أيضًا، إذا تحولت أراضيها إلى نقطة تماس مباشرة بين مشاريع إقليمية متنافسة.


العضوية الكاملة ليست الخيار الوحيد
لا تبدو المسألة بالنسبة إلى دمشق محصورة بين الانضمام الكامل إلى الاتفاقية أو الابتعاد عنها، إذ يمكن أن تتجه إلى صيغة تدريجية تقوم على التعاون الأمني والعسكري مع الدول الثلاث، من دون تحمل جميع الالتزامات التي قد تفرضها العضوية.
وقد يشمل ذلك التدريب العسكري، وتبادل المعلومات، وتطوير قدرات الدفاع الجوي، والتعاون في التصنيع العسكري، إلى جانب الدعم السياسي والاقتصادي.
مثل هذا المسار يمنح سوريا فرصة لاختبار حدود التعاون ومدى فائدته قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن العضوية.


حلف جديد أم شبكة مصالح؟
اتفاقية مكة لا تزال في بدايتها، وقد تحتاج إلى وقت حتى تتضح آليات تنفيذها وقدرتها الفعلية على التحول من إعلان سياسي إلى منظومة دفاعية متماسكة.
كما أن الدول الثلاث تمتلك حسابات مختلفة، ما يجعل تطور الاتفاق مرتبطًا بقدرتها على تجاوز الملفات الخلافية وبناء آليات عملية للتعاون.
بالنسبة إلى سوريا، قد تكون القيمة الأساسية في المرحلة المقبلة هي الاستفادة من التقارب السعودي التركي والقدرات العسكرية الباكستانية في إعادة بناء مؤسساتها، مع الحفاظ على مساحة مستقلة في اتخاذ القرار.
وعليه، فإن السؤال الأهم أمام دمشق ليس فقط هل تنضم إلى اتفاقية مكة؟ بل كيف يمكنها تحويل التحالفات الإقليمية الجديدة إلى أدوات لتعزيز أمنها وبناء جيش قادر على حماية حدودها، من دون أن تتحول في الوقت نفسه إلى طرف في صراعات المحاور الإقليمية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8

اقرأ أيضاً