تكشف الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء حجم التحديات التي ما تزال تواجه المحافظة، إذ لم تنجح التحركات السياسية والقضائية حتى الآن في طي صفحة واحدة من أكثر الأزمات دموية في تاريخها الحديث، بينما لا تزال آلاف العائلات تعيش آثار النزوح، وفقدان الأقارب، وتدمير المنازل، في ظل ملفات معلقة تتعلق بالمحاسبة، والمفقودين، وعودة السكان، واستعادة الاستقرار.
ووفق اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، أسفرت المواجهات التي اندلعت في 13 تموز/يوليو 2025 عن مقتل نحو 1760 شخصًا من مختلف الأطراف، إضافة إلى عشرات المفقودين، كما خلّفت دمارًا واسعًا في الممتلكات، وأثرت بصورة عميقة في النسيج الاجتماعي والعلاقات الاقتصادية داخل المحافظة.
تسببت الأحداث في موجات نزوح واسعة، إذ أعلن تجمع عشائر جبل العرب نزوح نحو 150 ألف عائلة من أبناء العشائر إلى خارج السويداء، في حين انتقلت أعداد غير موثقة من أبناء الطائفة الدرزية من القرى الغربية إلى مدينة السويداء، بعد تضرر منازلهم وفقدان مصادر رزقهم.
رغم عودة بعض الأسر إلى قراها عقب ترميم جزء من الأضرار، فإن الواقع المعيشي لا يزال صعبًا، مع استمرار الأعباء الاقتصادية وتراجع النشاط الزراعي والتجاري، إلى جانب الآثار النفسية التي تركتها المواجهات.
لم تكن عشائر المحافظة بمنأى عن الخسائر، إذ فقدت العديد من أبنائها، واضطرت مئات العائلات إلى النزوح نحو درعا وريف دمشق والقنيطرة، بعدما خسرت منازلها وأراضيها الزراعية ومواشيها، الأمر الذي فاقم أوضاعها المعيشية.
ويقول أحد المهجرين من ريف السويداء إلى القنيطرة إنه فقد ابنه خلال الأحداث، إضافة إلى منزله وأرضه الزراعية، مؤكدًا أن جميع الأطراف دفعت ثمن المواجهات، وأن الخسارة طالت الجميع بلا استثناء.
وأضاف أنه لجأ مع عائلته إلى أحد مساجد مدينة السويداء حتى توقفت الاشتباكات، قبل أن يغادر المحافظة مع عشرات العائلات النازحة، ويقيم حاليًا في منزل مستأجر يتقاسم إيجاره مع أسر أخرى.
تجمع شهادات عدد من أبناء المحافظة والناشطين في الشأن المحلي على أن المأساة الإنسانية أصبحت القاسم المشترك بين مختلف المكونات، وأن المدنيين كانوا الأكثر تضررًا، بغض النظر عن انتماءاتهم، وهو ما يجعل معالجة آثار الأحداث مسؤولية تتجاوز الخلافات السياسية.
في الوقت نفسه، يؤكد متابعون أن أي مسار للمصالحة لن يحقق نتائج فعلية من دون استكمال المحاسبة القانونية، وكشف حقيقة ما جرى، وتحديد مصير المفقودين، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة النازحين بصورة آمنة وطوعية، مع ضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وشهد مطلع تموز/يوليو الجاري انطلاق أولى جلسات محكمة الجنايات العسكرية في دمشق للنظر في قضايا متهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث تموز/يوليو 2025، وذلك استنادًا إلى نتائج اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، التي أكدت أن إجراءات المساءلة ستشمل جميع من تثبت مسؤوليتهم، مع الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة.
كانت اللجنة قد أعلنت، خلال مؤتمر صحفي عقد في مارس/آذار الماضي، توثيق مقتل 1760 شخصًا من مختلف الأطراف، إضافة إلى 60 مفقودًا من عشائر السويداء و30 مفقودًا من وزارة الدفاع، مشيرة إلى أن الحصيلة النهائية للمفقودين لا تزال غير مكتملة بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق ونقص المعلومات.