أجرت وكالة أنباء آسيا حوارا مع الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري جورج صبرة ، حيث أعلن جملة من المواقف السياسية التي تتعلق بالشأن السوري والملفات المرتبطة به لا سيما الملف اللبناني، وكان الحوار التالي:
هل سيخضع أحمد الشرع للضغوط الأمريكية ويتدخل في لبنان ضد حزب الله ؟
لا أعتقد ذلك . فقد كان قرار السلطات السورية وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع برفض هذا الشكل من التدخل واضحاً وحاسماً ، بشكل لا يقبل التفسير والتأويل . إذ لا مصلحة لسورية الدولة والشعب في هذا الشكل من التدخل العسكري والمسلح . واحترام
إرادة الدولة اللبنانية وسيادتها واستقلالها يحتل المقام الأول في مسار العلاقات التي تريدها سورية مع لبنان . وقد أعلن ذلك رسمياً أكثر من مرة . والعلاقات السياسية والدبلوماسية والتعاون والحوار في القضايا المشتركة بين البلدين الجارين تبقى القاعدة
الأساس للعمل ، والنهج المعتمد الذي عبر عنه جميع المسؤولين السوريين ، وشرح تفاصيله الرئيس الشرع في حواره الخاص مع قناة المشهد الإماراتية مؤخراً ، ولاقى ترحيباً واستجابة إيجابية من المسؤولين اللبنانيين .
ما مدى صحة الكلام عن ضغط تركي على الشرع لمنعه من التورط في لبنان ؟
أعتقد أن المصلحة الوطنية السورية العليا وإرادة الشعب السوري ، التي عبر عنها بمختلف الأشكال هي التي تحكم هذا القرار وتتحكم به في المقام الأول . أما الحوار والتشاور والتنسيق بين دول الجوار الصديقة والمعنية بالأمر ونتائجه ، فهو أمر ممكن ومطلوب .
لأن الوضع اللبناني وتفاعلاته يعني المنطقة بأكملها . ونتائجه الإيجابية أوالسلبية - لا سمح الله - تعني جميع دولها ، ولا تبقى حبيسة داخل الحدود اللبنانية . من هنا تأتي أهمية التشاور والحوار مع الآخرين المعنيين بهذا الأمر .
هل ستنجح محاولة إحياء مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية وتتوج بتفاهم بين الجانبين ؟
أنا لا أرى مؤشرات إيجابية لهذا المسار ، يمكن أن تثمر على الجبهة السورية ، إذ يبدو أن وجوده وغيابه سيان . لأن إسرائيل لا تريد أن ترى دولة في سورية ، وتعمل من أجل ذلك . فقد باشرت عدوانها وتنفيذ مخططاتها بهذا الاتجاه منذ اليوم الأول بعد سقوط
النظام البائد . وها هو الجنوب السوري بمحافظاته الأربعة ( ريف دمشق – القنيطرة – درعا – السويداء ) يعاني من الاعتداءات الإسرائيلية المتنوعة تحت سمع وبصر قوات المراقبة الدولية للأمم المتحدة ( الإندوف ) ، وبخرق فاجر لاتفاقية فصل القوات بالرعاية
الأممية لعام 1974 . تواجه هذه الاعتداءات شعبياً من أهالي القرى والبلدات بكل أشكال الرفض والاحتجاج والمقاومة المشروعة . ويدفع الأهالي العزل ثمن تحركهم الوطني لحماية مصالحهم عبر كل أعمال التخريب والاعتقال والعدوان المسلح ، الذي يورث
جرحى وشهداء ومصابين وخراب في الأرزاق والممتلكات .
كيف تقيمون الوضع سياسياً وأمنياً في سورية ؟
مازال من المبكر الحديث عن الوضع السياسي وتقييمه في البلاد . مناخ الحرية المتوفر يشكل أرضية مناسبة للحوار والنشاطات الثقافية والسياسية ، وحضور المنتديات التي تم ترخيصها يساهم بذلك . وبدأت بوادر الجماعات السياسية وتنظيماتها الجديدة
والقديمة بالتعبير عن نفسها عبر وسائل التواصل . وكذلك جرى تنظيم التجمعات والاعتصامات والتظاهرات السلمية بموافقات خاصة ، وهي تجري في مختلف مناطق البلاد . لكن السوريين بانتظار شرعنة السياسة كنشاط حر لجميع السوريين وقوننتها عبر قانون
ينظم الحياة الحزبية . وهذا رهن بولادة مجلس الشعب ، الذي تناط به هذه المهمة .
أما الوضع الأمني ، فرغم النجاحات الملموسة ، لكنه مازال موضع قلق للسوريين نتيجة الأعمال الفردية والمتفرقة ، والتي مازالت تورث القلق والخوف والضحايا . والأسباب والدوافع عديدة ومتنوعة . وأعتقد أن التأخر بعملية جمع السلاح المتفلت ضمن هذه
المسببات . فالسلاح المتفلت منتشر في طول البلاد وعرضها ، وهو من تركة النظام البائد . وتبقى مهمة جمعه وقوننة حيازته وتنظيمها مهمة مطلوبة وراهنة بأهميتها وضرورتها . إضافة لاستكمال بناء المؤسسات الأمنية المختصة على قاعدة الخبرة والكفاءة
وليس الولاء وحده ، لمواجهة التحديات الأمنية الداخلية والخارجية ، التي مازالت تؤثر على الوضع السوري وتستمر .
هل سنشهد مجيء العميد مناف طلاس إلى السلطة ؟
لا أعتقد أن أحداً يملك إجابة شافية وافية لهذا السؤال غير أصحاب القرار في دمشق والسيد مناف بالذات .
هل تعتقدون أن تحولات ستحصل في سورية بعد وقف الحرب الأمريكية - الإيرانية ؟
التحولات في الواقع السوري مستمرة ومنتظرة بل مطلوبة أيضاً لأسباب ذاتية . فالبلاد تمر بمرحلة انتقالية ، يفترض أنها تمهد السبيل لتحقيق إرادة الشعب بإزالة بقايا معالم النظام التسلطي الفئوي في كل من الدولة والمجتمع ، الذي صنعه النظام البائد . والعمل
على ولادة سورية الجديدة دولة ديمقراطية تعددية ، تبقى وطناً حراً لجميع أبنائها . وتختم المرحلة الانتقالية بوضع دستور دائم للبلاد حسب الأصول ، وإجراء انتخابات حرة برلمانية ومحلية ورئاسية . لتكتمل الصورة الجديدة للدولة السورية وفق إرادة شعبها .
لكن الحرب الأمريكية - الإيرانية ستترك آثاراً في جميع أنحاء المنطقة . غير أن المجهول في مساراتها ومخططاتها وتطوراتها ونتائجها أكثر من المعلوم ، حتى لأصحاب الشأن المباشر فيها . لكن مما لا شك فيه أنها ستنتج تحولات جديدة على كامل جغرافية الشرق
الأوسط . فهي حرب ذات أبعاد ومؤثرات دولية ، وليست إقليمية فقط . لكن الإقليم هو ساحتها الكبرى والمباشرة .
كيف تنظرون إلى مسألة الحريات العامة والحريات الدينية في سورية بظل النظام المتشدد القائم ؟
ينعم السوريون بظل السلطات الانتقالية بمناخ من الحريات العامة ، طالما افتقدوه لعقود طويلة من الزمن . فما بالك بالحريات الدينية ، التي لا أجد أي مبرر للحديث عنها . فليس هناك ما يشي باعتداءات أو انتهاكات للعقائد والأديان من أي جهة رسمية أو ما شابه .
وبعض الأحداث الفردية لبعض المتشنجين لا تشكل نهجاً معتمداً يدعو للقلق . فاحترام جميع العقائد نهج واضح للسلطة الانتقالية ، والتواصل مع الجميع قائم وفق الأصول . فالتعدد الديني والمذهبي ليس وليد اليوم أو حديث الوجود في سورية .
هل تبقى الجغرافية السورية موحدة . . وما هو مصير الأقليات ؟
سورية ستبقى موحدة . هذا ما يأمله السوريون ، ويعملون من أجله . ففي إطار الوطنية السورية ولدت سورية كدولة قبل قرن من الزمن . وجرت محاولات لتقسيمها على يد الانتداب الفرنسي بمشاريع دويلات ماتت في مهدها بإرادة أهلها . ونهج السلطات الانتقالية
يعمل على ضمان وجود الدولة السورية الموحدة . فقد أحرزت أفعالها السياسية والميدانية نجاحات ملحوظة في هذا المجال . رغم حصول بعض الأخطاء والارتكابات بل الحماقات والجرائم من كل الأطراف في بعض المجريات والوقائع . لكن التصميم والأناة
والصبر والعقلانية في معالجة الأمور ، وخاصة المتعلقة بالتدخلات الخارجية ، يثبت رصيد الأمل والنجاحات ، ويعد بإكمالها بنجاح .
ليس جديداً وجود أكثرية وأقليات في سورية ولا هو أمر طارىء . إنه الحقيقة الكبرى للوجود السوري عبر التاريخ . لذلك قال عنها المؤرخ الكبير فيليب حتي " سورية أكبر بلد صغير على الخريطة " . ودولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، التي يسعى إليها
السوريون ، ويعملون من أجلها ، تجعل السؤال عن مصير الأقليات نافلاً . فالتاريخ السوري مليء بالأمثلة الناصعة . قاد فارس الخوري الدبلوماسية السورية ومؤسسات الدولة الكبرى ( البرلمان والحكومة ) بقرار حر من السوريين جميعاً . وكذلك جلس العديد من
القادة السوريين الكرد على كراسي الحكم الرئاسية والحكومية والبرلمانية بإرادة الشعب السوري الحرة . وسار السوريون جميعاً خلف سلطان باشا الأطرش في الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي . حتى أن دمشق انتخبت نائباً يهودياً في أول برلمان بعد
الاستقلال عام 1947 . ولن يكون السوريون اليوم أقل حصافة وعقلانية ووطنية من آبائهم وأجدادهم .