ضغوط معيشية متصاعدة
تشهد الأسواق السورية تصاعداً حاداً في أسعار السلع الأساسية بالتزامن مع التراجع المستمر لقيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، ما فاقم الضغوط المعيشية على المواطنين وأدى إلى تآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية، وسط تحذيرات اقتصادية من تداعيات أوسع على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فجوة متسعة
ورغم استمرار مصرف سوريا المركزي بتثبيت سعر صرف الدولار رسمياً عند 11 ألف ليرة سورية، ما يعادل 113 ليرة من العملة الجديدة، واصل سعر الدولار ارتفاعه في السوق الموازية متجاوزاً 13 ألف ليرة، مسجلاً نحو 13,900 ليرة للشراء و13,960 للمبيع، في فجوة اتسعت بشكل لافت مقارنة ببداية العام عندما لم تتجاوز الأسعار حدود 11,500 ليرة.
ويرى خبراء في الاقتصاد أن استمرار ارتفاع الدولار يفرض ضغوطاً مباشرة على أسعار المواد الأساسية ويؤثر على توازن العرض والطلب، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لضبط الأسواق ودعم القطاعات الإنتاجية المحلية، وفق ما نقلته صحيفة “الحرية”.
أسعار ملتهبة
تزامناً مع تدهور سعر الصرف، سجلت الأسواق السورية ارتفاعات متسارعة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، إذ ارتفع سعر كيلو السكر الفرط من 78 إلى قرابة 100 ليرة جديدة خلال أسبوع واحد، فيما تجاوز سعر السكر المغلف 120 ليرة لدى بعض التجار.
كما طالت الزيادات أسعار البقوليات والحبوب، حيث وصل سعر كيلو العدس المجروش الفرط إلى نحو 130 ليرة، فيما بلغ العدس المغلف حوالي 150 ليرة، وارتفع البرغل المغلف إلى 130 ليرة، بينما سجل العدس الأسود الفرط نحو 120 ليرة.
ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية، باتت اللحوم خارج متناول شريحة واسعة من الأسر، بعدما وصل سعر كيلو لحم الخروف إلى نحو 3000 ليرة جديدة، في حين أصبحت الفاكهة تُصنف ضمن الكماليات لدى الكثير من المواطنين.
أعباء العيد
ومع اقتراب عيد الأضحى، شهدت المواد المستخدمة في صناعة الحلويات ارتفاعات إضافية، إذ بلغ سعر كيلو العجوة نحو 220 ليرة، بينما وصل سعر الجوز وجوز الهند إلى حوالي 900 ليرة للكيلو الواحد، فيما تراوح سعر السميد بين 100 و120 ليرة بحسب النوع.
أسباب الأزمة
يؤكد خبراء بالاقتصاد أن أزمة ارتفاع الدولار في سوريا لا ترتبط فقط بعوامل العرض والطلب، بل تعكس مجموعة من الأسباب المتشابكة، أبرزها تراجع الاحتياطات النقدية، واستمرار الانكماش الاقتصادي، وضغوط الأسواق العالمية على التجار والقطاع التجاري.
كما أوصى مختصون بضرورة الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المحلية وتقليص الواردات المكلفة، خاصة أن الصناعات المعتمدة على المواد الخام المستوردة تُعد الأكثر تضرراً من تقلبات سعر الصرف، ما يستدعي دعماً حكومياً عبر تخفيض الضرائب أو تقديم قروض ميسرة لدعم الإنتاج المحلي.
حلول مطلوبة
أشار الخبراء إلى أن معالجة أزمة سعر الصرف تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات قصيرة وطويلة الأمد، تبدأ بتشديد الرقابة على السوق السوداء، وضبط فروقات الأسعار بين المناطق، ومنع عمليات الاحتكار والتخزين، إضافة إلى تقديم دعم مؤقت للفئات الأكثر احتياجاً.
أما على المدى البعيد، فيشدد اقتصاديون على ضرورة تعزيز الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في القطاعين الصناعي والزراعي، وتنمية الصادرات لتوفير تدفقات حقيقية من العملات الأجنبية تدعم الاحتياطات النقدية وتخفف الضغط على الليرة السورية.
كما أكدوا أهمية اعتماد سياسات نقدية متوازنة تحمي العملة المحلية دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، مع ضرورة تعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص لتجاوز الأزمة الحالية.
تحذيرات دولية
تتقاطع هذه التقديرات مع تقارير أممية ودولية حديثة حذرت من استمرار تراجع الليرة السورية ما لم تُنفذ إصلاحات هيكلية حقيقية، مؤكدة أن استمرار الضغوط على العملة سيؤدي إلى تعميق أزمة المعيشة واتساع رقعة الفقر.
وأشارت التقارير إلى أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي وضعف النشاط الإنتاجي وتراجع فعالية السياسة النقدية من أبرز العوامل التي تزيد من هشاشة الاقتصاد السوري.
كما أظهرت بيانات حديثة أن كلفة سلة الإنفاق الدنيا في سوريا ارتفعت بنسبة 21 بالمئة خلال عام واحد، وأكثر من ثلاثة أضعاف خلال عامين، في وقت لم يعد الحد الأدنى للأجور يغطي سوى نحو 16 بالمئة من الكلفة الغذائية الأساسية لتلك السلة.
أزمة مفتوحة
في ظل استمرار تراجع الليرة وارتفاع الأسعار بوتيرة متسارعة، تبدو الأزمة المعيشية في سوريا مرشحة لمزيد من التعقيد، وسط مخاوف من اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة، ما لم تُتخذ إجراءات اقتصادية عاجلة تحدّ من انهيار القدرة الشرائية وتعيد بعض الاستقرار إلى الأسواق.