تركيا تعيد طرح ملف البحر السوري.. خلفيات وتداعيات

2026.05.02 - 09:18
Facebook Share
طباعة

تتبدّل معادلات الطاقة الإقليمية مع تصاعد الضغوط على مضيق هرمز وارتفاع المخاطر المرتبطة بأمن الإمدادات، دفع تركيا إلى إعادة إدخال سوريا ضمن حسابات شرق المتوسط، في إطار بحث أوسع عن مسارات بديلة ونقاط نفوذ جديدة.

 

أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار نية أنقرة التوصل إلى اتفاق مع دمشق خلال عام 2026 للتنقيب البحري عن الغاز، مع الاكتفاء في المرحلة الأولى بإجراء مسوحات زلزالية دون الانتقال إلى الحفر، وهو طرح يعكس مقاربة تدريجية تسبق أي التزام تنفيذي.

 

تنبع حساسية الخطوة من طبيعة شرق المتوسط، حيث تتقاطع قضايا الطاقة مع النزاعات البحرية، تتنافس إسرائيل وقبرص واليونان ومصر وتركيا على النفوذ، في ظل غياب انضمام أنقرة ودمشق إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الأمر الذي يترك مساحة واسعة لتفسيرات قانونية متباينة لأي تفاهم محتمل.

 

التحرك التركي يتجاوز البعد التقني، ويرتبط بمحاولة تثبيت موقع في خرائط الطاقة ومنع التهميش ضمن ترتيبات المتوسط، إضافة إلى تعزيز القدرة التفاوضية في مواجهة تحالفات إقليمية قائمة.

 

يرى مراقبون أن الخطوة جاءت في توقيت يتسم باضطراب إقليمي، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، وهو ما أعاد إبراز أهمية الجغرافيا السورية كممر محتمل يربط الخليج والعراق بتركيا وأوروبا.

 

النقاش لم يعد مقتصراً على المسارات البرية، إذ دخل الساحل السوري ضمن حسابات الاستكشاف البحري، بما يشمله ذلك من قضايا تتعلق بمناطق الصلاحية وحدود التنقيب. أعاد المسار طرح فكرة ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة ودمشق، ضمن سياق أوسع لإعادة ترتيب النفوذ في المتوسط.

 

في شباط/فبراير، وقّعت شركة شيفرون مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط وشركة قطرية لتقييم فرص الاستكشاف قبالة الساحل السوري، ما أدخل أطرافاً دولية إلى الملف وربط المنطقة مباشرة بتوازنات الطاقة العالمية.

 

التحرك وضع الساحل السوري ضمن شبكة مصالح تتقاطع فيها حسابات دول وشركات كبرى، في ظل تنافس متزايد على موارد الغاز ومسارات التصدير نحو أوروبا.

 

تعتمد أنقرة في تحركاتها على مفهوم "الوطن الأزرق"، الذي يركز على توسيع الحضور البحري وتعزيز موقعها ممراً رئيسياً للطاقة بين الشرق والغرب. تجربة الاتفاق البحري مع ليبيا عام 2019 تبقى حاضرة، بعدما أثارت اعتراضات من اليونان وقبرص وأعادت رسم خطوط النزاع.

 

أي تفاهم بحري مع دمشق قد يثير اعتراضات مماثلة، في ظل حساسية التوازنات الإقليمية وتداخل المصالح.

 

في موازاة ذلك، تعمل إسرائيل على ترسيخ موقعها في سوق الغاز عبر تطوير الحقول ومسارات التصدير نحو أوروبا، بينما ترى أنقرة أن مشاريع مثل "إيست ميد" ومبادرات الربط الإقليمي تتجاهل مصالحها وحقوق القبارصة الأتراك.

 

تقع سوريا عند تقاطع هذه المسارات، إذ تجمع بين موقع بري يربط الخليج والعراق بتركيا وأوروبا، وساحل يفتح الباب أمام المشاركة في معادلات الطاقة البحرية، ما يمنحها وزناً استراتيجياً في الحسابات الإقليمية.

 

تسعى دمشق إلى استثمار موقعها في تأمين موارد الطاقة وجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار، مع إدراك أن أي انخراط في مشاريع الطاقة يرتبط بتوازنات سياسية تتجاوز البعد الاقتصادي.

 

يكشف المشهد الراهن عودة سوريا إلى مركز التفاعلات الإقليمية والدولية، مع حضور أطراف متعددة تشمل تركيا والولايات المتحدة وقطر إلى جانب إسرائيل وقبرص واليونان، ما يزيد من حدة التنافس حول موقعها.

 

تُظهر المعطيات أن الملف يتجاوز التنقيب عن الغاز، يرتبط بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في شرق المتوسط، حيث تتحول مشاريع الطاقة إلى أدوات تؤثر في موازين القوى الإقليمية.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 10