أزمة هرمز تضع آسيا في قلب اضطراب الطاقة العالمي

2026.04.30 - 19:20
Facebook Share
طباعة

تدخل أسواق الطاقة مرحلة اضطراب حاد مع استمرار إغلاق مضيق هرمز جزئيًا، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. التطورات المتسارعة دفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة، ووضعت الاقتصادات الآسيوية في قلب الأزمة، بوصفها الأكثر اعتمادًا على الإمدادات القادمة عبر هذا الممر الحيوي.

 

يشكّل مضيق هرمز شريانًا أساسيًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من النفط وكمية كبيرة من الغاز المسال. ومع تعطل جزء واسع من حركة الملاحة، بدأت الأسواق تشهد موجة تقلبات، وسط مخاوف من تكرار سيناريوهات الصدمات النفطية التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، حين أدت الزيادات الحادة في الأسعار إلى تحولات هيكلية في أنماط الاستهلاك.

 

يؤكد الكاتب ديفيد فيكلينغ أن الأزمات النفطية لا تظهر آثارها فورًا، بل تتكشف تدريجيًا، مشيرًا إلى أن أوروبا خفّضت استهلاكها النفطي بنحو 20% بحلول منتصف الثمانينيات بعد صدمات السبعينيات، نتيجة التحول إلى الطاقة النووية والغاز.

 

المشهد الحالي يضع آسيا في موقع مشابه، حيث يتجه أكثر من 80% من النفط والغاز المارين عبر المضيق نحو الأسواق الآسيوية. هذا الاعتماد الكبير يجعل القارة الأكثر تأثرًا بأي اضطراب، سواء على مستوى الإمدادات أو الأسعار.

 

الاعتماد على الواردات لم يعد محصورًا في الاقتصادات الصناعية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بل امتد إلى دول كانت تُعد منتجة للطاقة. فيتنام تحولت إلى مستورد صافٍ، وماليزيا أصبحت تعتمد على الاستيراد رغم مواردها، بينما تعتمد إندونيسيا على الواردات منذ أكثر من 20 عامًا.

 

انعكاسات الأزمة بدأت تظهر بوضوح في الحياة اليومية. في سيول، تجاوز سعر طبق "كالغوكسو" الشعبي 10 آلاف وون (نحو 6.7 دولارات)، في سابقة تعكس ارتفاع تكاليف الغذاء. في اليابان، اقترب سعر "الرامن" من 1000 ين (نحو 6.4 دولارات)، مع استمرار الضغوط على أسعار السلع الأساسية. كما تواجه الحمامات العامة التقليدية ارتفاعًا في تكاليف التدفئة، ما يهدد استمراريتها.

 

في الدول الأقل دخلًا، تبدو التداعيات أكثر حدة. لجأت باكستان والفلبين وسريلانكا إلى تقليص أيام العمل الأسبوعية لتقليل استهلاك الوقود، فيما شهدت العاصمة الفلبينية مانيلا احتجاجات لسائقي الحافلات الصغيرة بعد تراجع دخلهم بنسبة تصل إلى 80%. وفي الهند، يواجه المزارعون صعوبات في شراء الأسمدة نتيجة ارتفاع أسعارها، بينما تعاني مدن مثل لاهور من انقطاعات كهربائية يومية بسبب تراجع إمدادات الغاز.

 

قطاع الطيران لم يكن بمنأى عن التأثيرات. ارتفعت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة إلى مستويات قياسية، ما دفع شركات الطيران في جنوب شرق آسيا إلى خفض رحلاتها بنسبة تتراوح بين 10% و15%. الخطوط الجوية التايلاندية ألغت نحو ثلثي رحلاتها اليومية بين بانكوك وسيول، بينما فرضت شركة "كاثي باسيفيك" رسومًا إضافية تصل إلى 200 دولار على الرحلات الطويلة.

 

في المقابل، تسرّع الأزمة التحول نحو الطاقة البديلة. في الهند، أدى نقص غاز الطهي إلى زيادة الاعتماد على المواقد الكهربائية، بينما شهدت أستراليا ارتفاعًا في مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة. كما سجلت دول مثل الفلبين زيادة كبيرة في واردات الألواح الشمسية، ما عزز قدراتها الإنتاجية في مجال الطاقة المتجددة.

 

يرى مراقبون أن هذه التحولات تأتي نتيجة مسار طويل من انخفاض تكاليف الطاقة النظيفة وتقدم الصناعات المرتبطة بها، خاصة في الصين، إلا أن الأزمة الحالية قد تدفع هذا التحول بوتيرة أسرع، على غرار ما حدث في أوروبا خلال العقود الماضية.

 

على المستوى السياسي، يحذر الكاتب نيكولاس كريستوف من تصاعد سوء التقدير بين واشنطن وطهران. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتقد أن الحصار الاقتصادي سيؤدي إلى إضعاف إيران، بينما ترى القيادة الإيرانية أن قدرتها على الصمود تفوق قدرة الإدارة الأميركية على تحمل الضغوط السياسية والانتخابية.

 

هذا التباين في الرهانات يزيد من احتمالات استمرار الأزمة، مع مخاطر إضافية على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، من الأدوية إلى الأسمدة، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وطرق الشحن.

 

تشير تقديرات إلى أن استمرار إغلاق المضيق أو تعطله لفترة طويلة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الأسواق، مع تأثيرات تمتد إلى معدلات النمو والتضخم عالميًا. كما أن أي تصعيد إضافي قد يفاقم الأزمة، في ظل ارتباط وثيق بين استقرار الإمدادات النفطية والتوازنات الاقتصادية الدولية.

 

في ظل هذه المعطيات، تبدو آسيا الأكثر عرضة للصدمة، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة، سواء على مستوى الأسعار أو الاستقرار الاقتصادي، في مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 7