تضع الهجمات الأخيرة التي شهدتها مالي تحالف “دول الساحل” أمام اختبار أمني وسياسي مبكر منذ توقيع ميثاق ليبتاكو غورما أواخر عام 2023، بعد استهداف مواقع في محيط كاتي قرب باماكو، وامتداد الاعتداءات إلى مدن في الشمال والوسط، بينها كيدال وغاو وموبتي وسيفاري، بحسب تقارير إعلامية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت كانت فيه مالي والنيجر وبوركينا فاسو قد أعلنت تشكيل إطار للتنسيق الدفاعي المشترك بهدف مواجهة التهديدات المسلحة والجماعات الإرهابية، ما يجعل التطورات الأخيرة اختبارًا عمليًا لمدى قدرة هذا التفاهم على التحول إلى إجراءات ميدانية فعالة.
وفي موازاة ذلك، برزت تحركات سياسية وعسكرية داخل مالي، مع تأكيدات رسمية بالسيطرة على الوضع الأمني واستمرار العمليات ضد الجماعات المسلحة، إلى جانب لقاءات مع أطراف خارجية، في محاولة لإظهار تماسك الدولة في ظل تصاعد الضغوط الأمنية.
ورغم إعلان ميثاق ليبتاكو غورما كإطار للتعاون بين الدول الثلاث، لا تزال المؤشرات العملية لتفعيل آلياته الدفاعية محدودة حتى الآن، رغم أن مالي تمثل مركز الثقل في هذا التحالف وتتعرض لأكبر موجة من الهجمات.
ويقوم هذا الميثاق على مبدأ الدعم المتبادل وتنسيق الجهود في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتمرد المسلح، في منطقة تعاني من هشاشة حدودية وصعوبة في ضبط التحركات عبر المساحات الصحراوية الواسعة، ما يعقد تنفيذ أي استجابة جماعية فعالة.
وتواجه الدول الثلاث تحديات أمنية متشابهة، تشمل نشاط جماعات مسلحة متعددة في مناطق متفرقة، إلى جانب صعوبات في بسط السيطرة على الأطراف الحدودية، وهو ما يضع قدراتها الدفاعية تحت ضغط متواصل.
في هذا السياق، تدخل مالي هذا الاختبار وهي في قلب المواجهة، حيث أعادت التطورات الأخيرة ربط الوضع الأمني الحالي بجذور أزمة الشمال الممتدة منذ سنوات، وما رافقها من تغيرات ميدانية وصعود جماعات مسلحة في فراغات أمنية متكررة.
كما ينعكس هذا الوضع على بقية أعضاء التحالف، إذ تواجه النيجر وبوركينا فاسو بدورهما تحديات أمنية داخلية معقدة، ما يحد من قدرة كل طرف على تقديم دعم فعلي متبادل في الوقت الراهن.
وبين طموحات التنسيق الأمني والواقع الميداني، يظل تحالف دول الساحل أمام اختبار مباشر لمدى قدرته على تحويل التفاهمات السياسية إلى منظومة دفاع مشترك فعالة قادرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود.