أطلقت هيئة المنافسة التركية تحقيقاً موسعاً يستهدف الكيانات التابعة لشركة "ألفابت"، وفي مقدمتها "غوغل أيرلندا" و"غوغل تركيا"، على خلفية شبهات تتعلق بممارسات قد تشكّل انتهاكاً لقواعد المنافسة، خاصة في ما يرتبط بسياسات الفوترة والتمييز بين المعلنين داخل سوق الإعلانات الرقمية.
يركّز التحقيق على آلية إصدار الفواتير التي تعتمدها الشركة، حيث يتم التعامل مع بعض العملاء عبر الكيان الأيرلندي، بينما تُوجَّه فواتير آخرين عبر الفرع المحلي في تركيا يؤدي هذا التباين إلى اختلاف مباشر في الالتزامات الضريبية، إذ يواجه بعض المعلنين أعباء إضافية نتيجة الضرائب المفروضة على التعاملات الخارجية، في حين يستفيد آخرون من معاملة ضريبية أخف عند التعامل مع الكيان المحلي.
ترى الهيئة أن النموذج المعتمد قد يمنح أفضلية تنافسية غير متكافئة، ويؤدي إلى رفع تكلفة الإعلان على فئات معينة من الشركات، تحديداً الوكالات المستقلة والمعلنين الصغار، ما يخلق بيئة غير متوازنة داخل السوق. لذلك، يشمل التحقيق فحص المعايير التقنية التي تعتمدها الشركة في تصنيف العملاء، ومدى خضوعها لأسس موضوعية أو اعتمادها على اعتبارات تجارية داخلية قد تؤثر على المنافسة.
يمثل المسار الحالي تحولاً نوعياً في طبيعة التدقيق التنظيمي، إذ ينتقل من التركيز التقليدي على الخوارزميات وآليات عرض الإعلانات إلى تحليل البنية المالية للتعاملات، بما في ذلك تدفقات الإيرادات والتكاليف هذا البعد المالي أكثر حساسية، لأنه يحدد بشكل مباشر قدرة الشركات على الوصول إلى السوق بشروط عادلة.
كما يسلّط التحقيق الضوء على طبيعة الدور المركّب الذي تؤديه الشركة داخل منظومة الإعلانات الرقمية، حيث تعمل في آن واحد كمنصة وسيطة ومزود للخدمة ومشارك في السوق الإعلاني يمنح هذا التداخل قدرة واسعة على التأثير في الأسعار وتوزيع الفرص، ما يثير تساؤلات حول تكافؤ المنافسة وإمكانية فرض تكاليف غير مباشرة على أطراف معينة داخل السوق.
ومن بين النقاط التي تخضع للتدقيق مسألة "هندسة الفواتير"، أي الطريقة التي يتم من خلالها تحديد الجهة التي تصدر الفاتورة لكل عميل، وما إذا كانت العملية تعتمد على معايير واضحة ومعلنة، أو تُستخدم كأداة لإعادة توزيع الأعباء المالية بين العملاء.
على الصعيد القانوني، قد يفضي التحقيق إلى فرض إجراءات تصحيحية في حال ثبوت المخالفات، تشمل توحيد نظام الفوترة لجميع العملاء داخل تركيا، وإعادة هيكلة العقود التجارية مع المعلنين ووكالات الإعلان لضمان مبدأ المعاملة المتساوية كما تبقى احتمالية فرض غرامات مالية كبيرة قائمة، قد تصل إلى نسبة مؤثرة من إجمالي الإيرادات السنوية للشركة داخل السوق.
التحرك التركي يأتي ضمن موجة أوسع من الضغوط التنظيمية التي تواجهها الشركة على المستوى الدولي. في أوروبا، تتواصل التحقيقات المرتبطة بسوق الإعلانات الرقمية، مع تركيز على آليات التسعير وإدارة المزادات. وفي الولايات المتحدة، وصلت قضايا الاحتكار في قطاع الإعلان الرقمي إلى مراحل متقدمة، مع طرح خيارات تنظيمية قد تشمل إعادة هيكلة بعض الأنشطة أو فصلها.
على المستوى المحلي، سبق للسلطات التركية أن فتحت ملفات تتعلق بأنظمة التشغيل واتفاقيات تقاسم الإيرادات مع مصنعي الأجهزة، ما يعكس توجهاً متصاعداً نحو تشديد الرقابة على الشركات التكنولوجية الكبرى والحد من نفوذها داخل الاقتصاد الرقمي.
في المحصلة، يكشف التحقيق عن مرحلة جديدة في تنظيم الأسواق الرقمية، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على التكنولوجيا والخوارزميات، بل امتد إلى النماذج المالية وآليات تحقيق الأرباح هذا التحول يعزز دور الجهات التنظيمية في إعادة ضبط قواعد المنافسة، وقد يفرض على الشركات الكبرى مراجعة استراتيجياتها التشغيلية لضمان الامتثال لمتطلبات الأسواق المختلفة.