دخلت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مرحلة أكثر تصعيدا مع وصولها إلى يومها الثامن، حيث شهدت الساعات الأخيرة تبادلا لضربات عنيفة استهدفت للمرة الأولى منشآت نفطية، في تطور يراه مراقبون مؤشرا على احتمال انزلاق الصراع إلى مستوى أخطر قد يطال البنية التحتية الحيوية للطاقة في المنطقة.
ففي خطوة اعتُبرت تصعيدا لافتا، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه نفذ قصفا استهدف مصفاة حيفا النفطية، مؤكدا أن الهجوم جاء ردا مباشرا على ضربة إسرائيلية طالت خزانات وقود في العاصمة الإيرانية طهران. واعتبر الحرس الثوري استهداف خزانات الوقود تطورا خطيرا في مسار المواجهة، متعهدا بالرد بالمثل على أي استهداف مماثل للبنية التحتية داخل إيران.
وبالتزامن مع ذلك، عاشت إسرائيل ساعات متواصلة من التوتر الأمني، إذ دوت صفارات الإنذار في مناطق مختلفة من البلاد منذ عصر السبت وحتى الساعات الأولى من صباح الأحد، بعد إطلاق إيران عدة موجات من الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن إحدى هذه الموجات استهدفت مدينة كريات شمونة، أكبر مدن منطقة الجليل، بأكثر من ثلاثين صاروخا.
ووصفت هذه الموجة بأنها الأكبر منذ اندلاع الحرب قبل نحو تسعة أيام، حيث استهدفت مناطق متعددة على امتداد الشريط الحدودي ووصلت إلى منطقة خليج حيفا المعروفة باسم الكرايوت. كما أعلنت إسرائيل اعتراض صاروخ أطلقه حزب الله اللبناني فوق منطقة الخضيرة الواقعة جنوب حيفا، على مسافة تتجاوز ستين كيلومترا من الحدود اللبنانية.
وامتدت الهجمات الإيرانية لتشمل مناطق في وسط إسرائيل، إضافة إلى تل أبيب الكبرى ومنطقة النقب ومدينة بئر السبع ومحيطها. وفي ظل هذه الضربات، أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية أنها تعاملت مع أكثر من ألف وسبعمئة إصابة منذ اندلاع الحرب.
وقد دفعت هذه الهجمات ملايين الإسرائيليين إلى الاحتماء بالملاجئ، في حين بدت مظاهر الشلل واضحة في أجزاء واسعة من البلاد، خاصة بعد يومين من حديث وسائل الإعلام عن تراجع وتيرة الهجمات الإيرانية. ومع تصاعد القصف مجددا، بدأ بعض الإسرائيليين يتساءلون عن جدوى هذه الحرب وإمكانية تحقيق الهدف المعلن بإسقاط النظام الإيراني.
وفي المقابل، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل قررت توسيع بنك الأهداف داخل إيران ليشمل منشآت الطاقة والنفط، في خطوة قد تعني دخول البنية التحتية الحيوية في دائرة الاستهداف المباشر. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن بلاده تسعى إلى زيادة الضغط على النظام الإيراني من أجل دفع الإيرانيين إلى التحرك ضده.
ويفتح هذا المسار الباب أمام احتمالات استهداف منشآت مدنية حيوية مثل محطات الكهرباء ومستودعات الوقود وشبكات المياه، وهو ما يثير مخاوف واسعة لدى المدنيين داخل إيران الذين يشعرون بأنهم باتوا في قلب هذه الحرب.
وتشير البيانات الرسمية الإيرانية إلى سقوط أكثر من ألف ومئة قتيل منذ بدء المواجهات، من بينهم أكثر من مئة وثمانين طفلا سقطوا نتيجة استهداف مدارس خلال الضربات.
في المقابل، أكد الحرس الثوري الإيراني أن الهجمات التي ينفذها تستهدف عمق إسرائيل، في حين ارتفعت نبرة التهديد في الخطاب السياسي والعسكري داخل طهران، حيث تؤكد القيادة الإيرانية أنها كانت مستعدة لمثل هذه المواجهة، وأن خططها العسكرية لا تعتمد على حسابات الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وبعد تنفيذ سبع وعشرين موجة من القصف، يقول المسؤولون الإيرانيون إنهم يتبعون استراتيجية تقوم على التدرج في استخدام القوة. كما يؤكدون أن طهران لم تستخدم بعد الأجيال الأحدث من صواريخها أو طائراتها المسيّرة في هذه المواجهة.
وتشير التصريحات الإيرانية أيضا إلى استعداد البلاد لخوض حرب طويلة الأمد قد تمتد إلى ستة أشهر بنفس وتيرة القصف الحالية، مع تأكيد المسؤولين أن مخزوناتهم العسكرية كافية لمواصلة العمليات دون القلق من نفادها. كما شددوا على أن الهجمات الإيرانية قد تستهدف القواعد الأمريكية وأي أراضٍ تستخدم لإطلاق ضربات ضد إيران.
وفي خضم هذا التصعيد، يبرز ملف الأكراد كأحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لإيران، حيث وجهت طهران تحذيرات شديدة إلى إقليم كردستان العراق من أي تحركات قد تسمح للأكراد بالتدخل داخل الأراضي الإيرانية. وقد نقلت مصادر أن المسؤولين الإيرانيين أبلغوا نظراءهم في الإقليم بأن طهران مستعدة لتنفيذ هجمات واسعة إذا ما تم فتح المجال أمام أي نشاط معادٍ ينطلق من هناك.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل استهدفت خلال الأيام الماضية مقرات أمنية داخل إيران بهدف خلق حالة من الفوضى الداخلية، كما ضربت مراكز عسكرية تقع على الشريط الحدودي الموازي لإقليم كردستان العراق. وتقول مصادر إيرانية إن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" يعمل على دعم وتجهيز مجموعات كردية انفصالية من أجل التقدم داخل الأراضي الإيرانية.
وقد حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني مرارا من أي تحركات انفصالية، مؤكدا أن إيران لن تتسامح مع أي محاولة من هذا النوع.
وفي هذا السياق، نفذت إيران بالفعل ضربات قوية داخل إقليم كردستان العراق، كان آخرها هجوم وقع مساء السبت قرب مقر الأمم المتحدة والقنصلية التركية في مدينة السليمانية. وأفادت تقارير بأن ثلاث طائرات مسيّرة سقطت في المنطقة، كما تم استهداف موقع لقوات البشمركة على الحدود بين العراق وإيران.
وفي مدينة أربيل، أفادت تقارير محلية بأن نحو خمس عشرة طائرة مسيّرة استهدفت المدينة، حيث تركزت الضربات على مطار أربيل الدولي وقاعدة التحالف الدولي التي تستخدمها القوات الأمريكية بشكل أساسي.
وفي واشنطن، استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دخول الأكراد بشكل مباشر في هذه المواجهة، معتبرا أن الحرب الحالية لا تحتاج إلى مزيد من التعقيد. وفي الوقت نفسه، أكد أن العمليات العسكرية التي نفذت خلال الأيام الماضية حققت ما وصفه بنتائج مذهلة.
وذهب ترمب إلى حد القول إنه لن يقبل إلا باستسلام غير مشروط من إيران، مضيفا أن القيادة الإيرانية لن يبقى منها أحد على قيد الحياة ليعلن مثل هذا الاستسلام إذا استمرت المواجهة.
من جانبها، نفت القيادة المركزية الأمريكية الاتهامات الإيرانية التي تقول إن طهران تستهدف المنشآت العسكرية فقط في دول الخليج، مؤكدة أن الهجمات الإيرانية طالت فنادق ومطارات وأحياء سكنية.
كما نفت القيادة الأمريكية استخدام وسائل خداعية لتحويل مسار الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مؤكدة أنها تعمل بشكل وثيق مع دول الخليج للتصدي لهذه الهجمات وحماية المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير في واشنطن عن غضب الرئيس الأمريكي من رفض إيران إعلان الاستسلام حتى الآن، مشيرة إلى أنه هدد بتوسيع نطاق العمليات العسكرية دون تحديد سقف زمني للحرب، أو توضيح الشروط التي قد تدفعه إلى إرسال قوات برية إلى إيران.
وتشير بعض التقديرات داخل الولايات المتحدة إلى أن أي تدخل بري محتمل قد يهدف إلى تنفيذ مهام محددة، من بينها السيطرة على مخزونات اليورانيوم والنفط داخل إيران.
وعلى صعيد آخر، شهدت بعض دول الخليج أيضا ليلة متوترة نتيجة تداعيات الحرب. ففي السعودية أعلنت وزارة الدفاع اعتراض ثلاث عشرة طائرة مسيّرة في سماء العاصمة الرياض ومناطق شرقها، كما أعلنت إسقاط طائرة مسيّرة كانت تتجه نحو الحي الدبلوماسي في الرياض.
وفي الكويت، دوت صفارات الإنذار خمس مرات خلال الليل، بينما أعلنت السلطات أنها تعاملت مع عدة هجمات استهدفت إحداها خزان وقود وأدت إلى اندلاع حريق كبير. وأكدت وزارة الدفاع الكويتية أنها تعاملت خلال يومين مع أكثر من ثلاثين طائرة مسيّرة إضافة إلى اثني عشر صاروخا باليستيا، في حين سقط صاروخان في مناطق خالية دون تسجيل خسائر بشرية.
أما في قطر، فقد أعلنت وزارة الدفاع أن أنظمة الدفاع الجوي تصدت لستة صواريخ باليستية، سقط اثنان منها في المياه الإقليمية بينما سقط صاروخان آخران في منطقة غير مأهولة دون وقوع خسائر. كما أكدت الوزارة أنها اعترضت أيضا صاروخي كروز كانا قادمين من إيران خلال يوم السبت.