رغم أنف كورونا .. العالم يحتفل بمرور 250 عاما على مولد بيتهوفن

2020.12.16 - 09:35
Facebook Share
طباعة

لم تسمح جائحة كورونا للعالم بالاحتفال بـ "عام بيتهوفن" كما كان مقررا أن يكون العام 2020، لكن البشرية تحتفل يوم غد على أي حال بمرور 250 عاما على مولد لودفيغ فان بيتهوفن (1770-1827).
 
يوافق يوم غد الذكرى الـ 250 لمولد من يمكن تسميته بـ "أشهر مؤلف موسيقي في التاريخ"، لودفيغ فان بيتهوفن، والذي اقترن اسمه بأفكار حركة "فايمر كلاسيك" (1772-1805)، المدرسة الأدبية الكلاسيكية التي كانت تضم غوته، وهيردر، وشيللر، وفيلاند، والتي شاركت أفكار الثورة الفرنسية (1789-1799) أحلامها في قيم إنسانية جديدة، وأفكار رومانسية وكلاسيكية وتنويرية.
لقد كانت أفكار الثورة، ورائحة الثورة، وربما أيضا إحباطات الثورة بمثابة دافع للودفيغ الشاب لتغيير الشكل الموسيقي المتعارف عليه آنذاك، وكسر القوالب الموسيقية لصالح المضمون الموسيقي.
وبينما أطاحت الثورة الفرنسية بالملكية والأرستقراطية وسلطة الكنيسة لصالح شعارات وطنية، ديمقراطية، تنويرية (الحرية، المساواة، الإخاء)، تهدف إلى المواطنة والعدل وحقوق الإنسان، ظهرت في موسيقى بيتهوفن ملامح التغيير، لتصبح الفكرة الموسيقية هي البطل في العمل الموسيقي قبل اللحن، وليصبح القالب الموسيقي طيعا، بحيث يستوعب الفكرة، حتى لو تمددت خارج نطاق الهياكل المعروفة آنذاك في فيينا القرن الثامن عشر (السوناتا، السيمفونية، الكونشيرتو.. إلخ).
لقد تمكّن بيتهوفن من فتح الطريق لمن تلاه من المؤلفين الموسيقيين الرومانسيين مثل شوبرت وشومان وبرامز، كي يتحرروا بالكامل من سلطة الشكل، ليفتح بيتهوفن، الذي يعتبر بمثابة "مفصل موسيقي"، الطريق أمام رومانسية القرن التاسع عشر، ومركزية الإنسان وقضاياه الوجودية على حساب قضايا الدين والمجتمع والدولة، لهذا فإن اللحن عند بيتهوفن لم يعد لحناً بقدر ما أصبح فكرة. والفكرة أضحت تصنع اللحن، لا العكس.
وربما هذا ما جعل موسيقى بيتهوفن صالحة لكل زمان ومكان، وصالحة دائما لإعادة الصياغة والتشكيل وفقا لجميع العصور اللاحقة، حتى وصلت إلى موسيقى "البوب" في القرن العشرين. فموسيقى بيتهوفن لم تعد مرتبطة بالآلة قدر ارتباطها بالفكرة التي تخلق الموسيقى، وتفجر النص الموسيقي من الداخل (مثلما نلمح في مقدمة أشهر سيمفونياته وأشهر ألحان الموسيقى الكلاسيكية على الإطلاق، السيمفونية الخامسة). الفكرة التي تشبه مكعبات الأطفال وناطحات السحاب والانشطار الذري العنقودي، والتي تعتمد بشكل أساسي على فكرة/وحدة بسيطة تتكرر مئات وآلاف المرات لتشكل مبنى ضخما أو طاقة هائلة لا حدود لها، جراء انشطار نواة ذرة واحدة. لقد ابتكر ذلك بيتهوفن من خلال بحثه داخل الوحدة، داخل الواحد الصحيح عن الحلول الفنية في "اللانهاية" المختبئة داخل الوحدة.
ولد لودفيغ فان بيتهوفن في بون، وسمي باسم جده، ووفقا لتقاليد بلاد الراينلاند حيث ولد، فقد تم تعميده غالبا في اليوم التالي لمولده، وبذلك يكون مولده يوم 16 ديسمبر، حيث عرف عن عائلة بيتهوفن احتفالها بيوم مولده في ذلك اليوم، على الرغم من تسجيله في سجلات مواليد اليوم التالي.
درس بيتهوفن على يد والده يوهان، والذي اشتهر بمعاملته الخشنة، حتى قيل أن لودفيغ الطفل كان يعزف باكيا. ثم حظي بالتعلم على يد أساتذة آخرين مقربين من العائلة، وتعلم العزف على البيانو والكمان والفيولا، وخرج بيتهوفن إلى أول أداء علني في السابعة من عمره.
بدأ الدراسة مع عازف الأرغن في أبرشية بون، كريستيان غوتلوب نيفي، الذي علمه أصول الموسيقى، وساعده في تأليف أولى أعماله (بدون تصنيف 63)، ثم عمل بيتهوفن مساعدا لأستاذه في عزف الأرغن، ونشرت له أولى سوناتاته عام 1783.
باءت أولى محاولات بيتهوفن للسفر إلى فيينا بالفشل، حيث سافر عام 1787 لمحاولة الدراسة هناك، إلا أنه تلقى نبأ مرض والدته، فعاد من فوره إلى بون بعد وصوله إلى فيينا بأسبوعين فقط، توفيت الوالدة بعد وقت قصير، ثم عاقر والده الخمر، ليصبح لودفيغ مسؤولا عن رعاية أخويه الصغيرين، وبقي في بون لخمس سنوات لاحقة.
التقى بيتهوفن بالمؤلف الموسيقي جوزيف هايدن نهاية عام 1790، حينما كان في طريقه إلى لندن، وتوقف في بون خلال عطلات عيد الميلاد. وبعد عام ونصف عاد هايدن إلى بون مجددا في طريق العودة إلى فيينا، يوليو 1792، ليرتب مع بيتهوفن إمكانية انتقاله للحياة في فيينا والدراسة على يده، والتي بدأها بيتهوفن في نوفمبر من العام نفسه.
لم يلمع نجم بيتهوفن في البداية كمؤلف موسيقي في معقل الموسيقى الكلاسيكية، فيينا، لكنه ظهر كعازف بارع لآلة البيانو، بينما عمل تحت إشراف هايدن، وتلقى بعض الدروس من أنطونيو سالييري، وبحلول عام 1793 ذاع صيت بيتهوفن بين النبلاء، وعرض عليه بعضهم الدعم المادي، ليشتهر بعدها كعازف بيانو وكمؤلف موسيقي، حيث نشرت أولى مجموعات أعماله بدون تصنيف وثلاث أعمال للبيانو، والتي أهداها لداعمه كارل ليشنوفسكي.
في عام 1796، بدأ بيتهوفن، وقد أتم عامه السادس والعشرين، بفقدان السمع، حيث كان يعاني من طنين حاد في أذنيه، لم يعد في إثره يسمع الموسيقى بشكل جيد، وصار يتجنب المحادثات مع الناس، ويعتقد أن سبب الصمم لديه كان التيفوس الوبائي، أو أحد اضطرابات المناعة الذاتية، مثل مرض الذئبة الحمراء، وبتشريح جثته فيما بعد وجد أن أذنه الداخلية كانت ملتهبة. وبناء على نصيحة الأطباء، انتقل بيتهوفن في عام 1802 للحياة في بلدة هيلنستات على مشارف فيينا، بينما تدهور سمعه لدرجة الصمم الكامل، حيث يقال إن السيمفونية التاسعة (مصنف 125)، آخر سيمفونياته، لم يتمكن من سماعها مطلقا، وألفها فقط في رأسه.
كان ظهوره الأخير في الأمسية التي عزفت فيه السيمفونية التاسعة عام 1824، وكان ذلك أول ظهور له منذ 12 عاما، حيث لوحظ أنه قد بدأ في فقدان السمع تماما ما بين 1812 و1814، وكان الناس يخاطبونه من خلال الكتابة، وقد جمع أصدقاؤه بعض هذه المحادثات في كتاب واحد، ويحوي متحف بيتهوفن في مدينة بون مجموعة كبيرة من أجهزة السمع التي كان يستخدمها.
توفي بيتهوفن في 26 مارس من عام 1827 عن عمر يناهز السادسة والخمسين، وأقيم موكب الجنازة في 29 مارس، وحضره ما يقرب من 20 ألف مواطن، أسدلوا الستار على حياة أشهر مؤلف موسيقي عرفته البشرية.

    

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7