أفخاخ مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل

كتب جورج حايك

2020.10.19 - 01:06
Facebook Share
طباعة

 
تتجه الأنظار محلياً وإقليمياً إلى جولة المفاوضات الثانية لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل التي تستضيفها خيمة لليونيفيل في الناقورة في 28 تشرين الأول الجاري، ومن المتوقع ألا تكون هذه المفاوضات سهلة لأسباب عدة يفنّدها ديبلوماسي لبناني مقرّب من الأمريكيين.
يقول الديبلوماسي"إن لبنان وإسرائيل يخوضان المفاوضات لترسيم الحدود وفق أجندة تتضمن أربع مراحل تدريجية: أولاً، تحديد نقطة مرجعية على الأرض تنطلق منها باتجاه البحر، ثانياً، تحديد الحدود البحرية الجنوبية حيث تقع المنطقة المتنازع عليها، ثالثاً، الموافقة على ترسيم الحدود البرية بعد استكمال الترسيم البحري، ورابعاً، تبادل الوثائق وتسليم نسخ منها إلى الأمم المتحدة".
انطلاقاً من هذه الأجندة تبدو الأولوية لترسيم الحدود البحرية "لكن ذلك لن يكون كافياً لإنهاء ترسيم الحدود البرية"، على ما يقول الديبلوماسي اللبناني.
الأفخاخ
ويضيف:"تبرز الأفخاخ نتيجة الخلاف البحري، وتشكّل قبرص جزءاً منها لأن اتفاقية قانون البحار التي تعود إلى عام 1982 تنص على حقوق سيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة تبلغ مساحتها 200 ميل بحري فيما يتعلق بالموارد الطبيعية، ولا شك أن قبرص القريبة من لبنان وإسرائيل تعقّد مسألة ترسيم الحدود البحرية، وتعتبر نفسها طرفاً فيها. صحيح أن لبنان وقبرص توصلا إلى اتفاق على الحدود البحرية في كانون الثاني 2007، إلا أن هذا الاتفاق نص على أن قبرص لا يمكنها ترسيم حدودها في المنطقة الاقتصادية الخالصة مع دول أخرى قبل إبلاغ لبنان والتشاور معه".
ويوضح الديبلوماسي:"إن لهذه الاتفاقية مشكلتين رئيسيتين: أولاً، لم يصادق لبنان على الاتفاقية، وبالتالي هي غير ملزمة، مما سمح لقبرص بالمضي قدماً والتوقيع على اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع إسرائيل عام 2010. ثانياً، ارتكبت وزارة الأشغال العامة اللبنانية خطأً طوبوغرافياً في اتفاقية عام 2007 مع قبرص، يسمح لإسرائيل في صفقتها البحرية مع قبرص في المطالبة بأجزاء يعتبرها لبنان ضمن مياهه الإقليمية. هذا الأمر دفع لبنان عام 2010 إلى إيداع الإحداثيات الجغرافية للحدود الجنوبية والجنوبية الغربية لتلك المنطقة الاقتصادية الخالصة لدى الأمم المتحدة. وهنا تقع الإشكالية، فلبنان يريد تحديد نقطة التقاء على مسافة متساوية بين لبنان وإسرائيل وقبرص، فيما تريد إسرائيل اعتماد النقطة الخطأ التي تم تحديدها في اتفاقية لبنان وقبرص عام 2007".
ويلفت الديبلوماسي إلى أن "النزاع البحري لا يندرج ضمن التفويض الحالي لليونيفيل، وإسرائيل ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على الرغم من أن قواعد القانون تعتبر بشكل عام ملزمة كقانون دولي عرفي".
ويؤكّد:"حتماً الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها راعية للمفاوضات، عملت على تذليل بعض الصعوبات خلال مفاوضاتها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري طوال عشرة أعوام، وعلى الأقل ضمنت التزاماً ضمنياً بعدم تصعيد التوترات البحرية بين لبنان وإسرائيل خلال المفاوضات الجارية".
إشكاليات الحدود البريّة
ويشير الديبلوماسي إلى أن "لبنان لا يدخل هذه المفاوضات من موقع قوة، وهو في حاجة اقتصادية ماسّة لدعم مالي قد يأتيه من تدفق عائدات الغاز المحتملة، إلا أنه قد تظهر بعض الأفخاخ أيضاً في ترسيم الحدود البرية التي تعتمد على ثلاث وثائق: الأولى، اتفاقية نيوكومب-بوليه التي تعود إلى عام 1923 بفضل تفاهم الانتدابين الإنكليزي والفرنسي آنذاك. الثانية، خط الهدنة بين إسرائيل ولبنان عام 1949، أو ما يسمى الخط الأخضر الذي تم إنشاؤه بين إسرائيل ومصر والأردن ولبنان وسوريا كحدود فعلية بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، وتحديث هذا الخط عام 1950، إلا أنه لا وجود للنسخة المحدثة بعدما اختفت من الأرشيف. ثالثاً، الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 بهدف تحديد انسحاب إسرائيل المفترض من لبنان وليس كترسيم حدودي نهائي".
التوقيت والسيناريوات والسباق الإقليمي
لا يمكن فصل مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل عن ظروف محيطة تعصف بالبلدين، يذكر منها الديبلوماسي اللبناني الأزمة الصحية الناجمة عن وباء كورونا، تراجع شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب إساءة استخدام السلطة، وفجوة ثقة كبيرة بين الشعب اللبناني والمسؤولين، لا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت، وانخفاض قيمة العملة اللبنانية بنسبة 80 في المئة، إضافة إلى سجال علني بين إسرائيل وحزب الله حول مخازن الصواريخ والسلاح، وتصعيد أمريكي في العقوبات على إيران، كل هذه الظروف قد تنعكس على المفاوضات الجارية".
كل هذه الظروف يضعها الديبلوماسي في كفة، والخوف اللبناني؛ وخصوصاً حزب الله من التطبيع في كفة أخرى، ويقول:"لا تظن الإدارة الأمريكية أن هذه المسألة ستعرقل المفاوضات، فحزب الله أكد أن لا علاقة للمفاوضات بأي مصالحة مع إسرائيل أو اتفاقيات التطبيع التي حصلت مع بعض الدول العربية، ولو أبدى تحفظه على الأسماء المشاركة بالوفد اللبناني المفاوض. كذلك، أعرب المبعوث الأمريكي دايفيد شينكر أن المفاوضات لا علاقة لها بإقامة علاقات ديبلوماسية أو تطبيع بين لبنان وإسرائيل. ومن جهته، غرّد وزير الطاقة الإسرائيلي يونال شتاينتس بأنه لا يتحدث عن مفاوضات من أجل السلام والتطبيع، بل محاولة لحل نزاع تقني واقتصادي".
ما هو الموقف الأمريكي؟
لا يخفي الديبلوماسي المقرّب من الولايات المتحدة أن "المواقف الإسرائيلية والأمريكية تهدف إلى تخفيف الضغط عن الوفد الرسمي اللبناني، وحماية المفاوضات من أي عرقلة إيرانية أو من قبل حزب الله. ويبدو أن الهم الأمريكي في الدرجة الأولى هو إمكانية التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية قبل الانتخابات الأمريكية، بدليل أنه بينما كانت فرنسا منشغلة بالمبادرة الفرنسية في لبنان، كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعطي الأولوية للمفاوضات الحدودية مع إسرائيل، ومن جهته، لبنان وحزب الله أدركا أن المواجهة مع إدارة ترامب في هذا الموضوع مكلفة في هذا التوقيت، واختارا امتصاص الضغط الأمريكي والإعلان عن اتفاق إطار، لذلك سوف نشهد المزيد من الضغط الأمريكي للدفع باتجاه تحقيق تقدّم سريع في الجولة الثانية المقرر عقدها في 28 تشرين الأول الجاري".
ترسيم الحدود البحرية أولاً
لكن الديبلوماسي لا يستبعد أن يتواجه الوفدان المفاوضان اللبناني والإسرائيلي حول موضوع النسب المئوية على مساحة 860 كيلومتراً مربعاً متنازع عليها، وهي تشمل بلوكات الغاز البحرية 8 و9 و10. وهناك مشكلة "خط هوف" الذي يمنح لبنان 550 كيلومتراً مربعاً، والسلطات اللبنانية ترفض ذلك وتصر على الحقوق الكاملة. ولا شيء قد يسهّل الموقف اللبناني إلا الحاجة الاقتصادية الماسة، بشكل يسمح لشركة توتال الفرنسية للطاقة بالبدء في التنقيب عن الغاز في بلوك رقم 9 بحلول نهاية هذه السنة، وهذا يعني الاكتفاء بترسيم الحدود البحرية وإرجاء الاتفاق على الحدود البرية التي ربما تتطلب صفقة أمريكية إيرانية أكبر، وهذه الصفقة ليست في متناول اليد حالياً".
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 10