كتب علي حسون .. أيها السوريون: لا حليف لكم سوى أنفسكم..!

2020.10.11 - 03:10
Facebook Share
طباعة

لا يفهم معظم السوريين في الداخل موقف روسيا مما يحصل من كوارث تحيق بهم من كل حدب وصوب، ولا يعرفون تفسيراً منطقياً لتقاعس حلفائهم المفترَضين عن مد يد العون لهم – وهم قادرون على ذلك إن أرادوا- كما يحاجج السوريون المخذولون.

ليست المرة الأولى التي تلحّ الحاجة لعونٍ روسي خلال الأشهر الأخيرة، وتحديداً منذ بدء تطبيق العقوبات الأمريكية (قانون قيصر) على دمشق، حيث تتعرض البلاد المنهكة بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي والحصار لوابل من الأزمات والكوارث الطبيعية والصحية، دون أن تلقى أي رد فعل متعاطِف أو مؤازِر من جانب "حليفها" المفترَض.
في أحدث الأزمات التي واجهها الشعب السوري خلال الأشهر الأخيرة – ولن نعود إلى ما قبلها - شحّت مصادر الطاقة إلى الدرجة التي باتت فيها طوابير السوريين القابعين في صفوف لا نهائية تُرى عبر الأقمار الصناعية، طوابير للحصول على أسطوانة غاز، طوابير للحصول على "بيدون مازوت"، وطوابير ما زالت مستمرة منذ أكثر من شهر للحصول على بضع ليترات من البنزين، وكل ذلك لم يحرك ساكناً في "قلب" الحليف البارد، رغم اعتلائه لعرش البلدان المنتجة والمصدّرة للطاقة .

لاحقاً؛ عاد السوريون إلى طوابيرهم، وهذه المرة من أجل الخبز، وهو الغذاء الوحيد الذي لم يتخيلوا يوماً أن "يتسوّلوه" عبر بطاقة حكومية "غبية"، أو يتعرّضوا للإذلال مقابل الحصول عليه، أولاً لأنه كان محروساً بشعارٍ قديم يقول "الخبز خط أحمر"، فاتضح أنه ليس إلا شعاراً كما كل شيء في هذه البلاد التي تجترّ شعاراتها منذ عقود. وثانياً، والأهم؛ أن أراضي البلاد كانت تنتج ما يكفيها من القمح ، وهي التي كانت تصدّر ما يفيض عن حاجة أهلها قبل الحرب، ولكنها ما لبثت أن خسرت معظم أراضي إنتاج القمح، كما خسرت من قبلها معظم الحقول المنتجة للنفط ، وكلاهما رهينةً لدى ميليشيا انفصالية بغيضة رهنت نفسها وثروات البلاد للأمريكان الذين منعوا النظام من مردود المنطقة الأغنى بحجة معاقبته، والحقيقة هي أنهم لم يعاقبوا إلا الشعب السوري .
في هذا السياق أيضاً، لم تبدِ روسيا "الصديقة" أية نيات لمساعدة الشعب الحليف الذي بات على شفا الجوع "حرفياُ"، لا بل إن الشحنات التي كانت دمشق تستوردها بالعملة الصعبة من حليفها الروسي طيلة السنوات الماضية من عمر الحرب، توقفت أو تقلصت أو تأجل وصولها بدون أسباب مفهومة لدى السوريين!

في آخر الكوارث التي تأبى إلا أن تلاحق السوريين، أكلت النيران منذ شهر غابات سورية من اللاذقية إلى طرطوس وحمص فحماة، فماذا فعل "الحليف الصديق" ؟
لم تتحرك نخوته بإرسال حوامة واحدة للمساعدة في إطفاء حريق من عشرات الحرائق التي التهمت الأخضر واليابس، اللهم إلا حينما اقتربت من بعض النقاط التي تنتشر فيها قواته، وبمساعدة من الطيران المروحي السوري، كما يقول أهالي المناطق المجاورة!

واليوم، تتعرض البلاد لأسوأ محرقة في تاريخها الحديث، محرقة جاءت على ما بقي من أخضر في هذه البلاد، فالنيران التي اندلعت قبل 48 ساعة ما زالت تلتهم بنهمٍ أرزاق السوريين و"شقا عمرهم" و"مستقبل أولادهم وأحفادهم"، وعلى بعد كيلومترات قليلة عن قاعدة حميميم الجوية الروسية، والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لم يرَ أحدٌ – بعد مضي يومين على الحرائق وحصادها لآلاف الهكتارات من بساتين الزيتون والليمون والأشجار المثمرة - أن نجدةً روسيةً من أي نوع قد جاءت للمساعدة بإطفاء حريقٍ واحد من مئات الحرائق التي انتشرت في "الهشيم" قاتلةً كل أمل في نفوس الناس الذين كانوا ينتظرون جني محاصيلهم، لعلها تسد بعض الديون المتراكمة وتعينهم على شقائهم وفقرهم، لكنها تحولت في لمح البصر إلى رماد وشحّار.
لا يفهم السوريون في الداخل حقاً لماذا تتفرج روسيا على محنتهم المستمرة بانفجار المزيد من الأزمات الاقتصادية والصحية والطبيعية، وهي التي أبدت حماساً منقطع النظير في مؤازرة جيشهم طيلة سنوات. يتساءلون اليوم بمرارة وغضب عن موقف "حليفهم" السلبي مما يعانونه من كوارث ومحن لا تقوى الجبال على حملها، في الوقت الذي يتبختر جنوده بدورياتهم في شوارعهم وأوتستراداتهم، ويصادفون عناصره وقواته في مقاهيهم ومطاعمهم، لا بل بات هذا الحليف يزورهم في قراهم وجبالهم لتجنيد أبنائهم في حروبه الخارجية "مرتزقةً" يُرسلون إلى الموت دون أن يعودوا حتى في توابيت تحفظ جثامينهم وكراماتهم، لكنه يمتنع عن رش بعض الماء عليهم وهم يحترقون!

أيها السوريون، يا أبناء بلدي وأخوتي: لا تراهنوا على غريب لإنقاذكم مما أنتم فيه، حتى لو صنف نفسه "حليفاً" لكم أو صديقاً لبلادكم. فالروس أو غيرهم لم يأتوا لنجدتكم "لسواد عيونكم"، وإنما لمصالح لهم في بلادكم، هذه هي السياسة وهذا دينها الذي يعرفه القاصي والداني، لا تتوقعوا رحمةً من أحد إن لم تكونوا رحماء فيما بينكم وعلى بعضكم البعض ، وبالأحرى قبل أن يكون "أولي أمركم" رحماء بكم .

"الصديق" الروسي قاتل معكم لحين، وبشروط، ولأهداف محسوبة ومعروفة، وهو يريد ثمناً لذلك بلا شك، والثمن يُدفع من أموالكم واقتصادكم ومستقبل أبناءكم، سبق أن دفعتم جزءاً منه في مرفأ طرطوس، ومناجم الفوسفات واستثمارات النفط والغاز في المتوسط، وسيستمر الدفع في مواقع أخرى وثروات أخرى واستثمارات أخرى..
أما لماذا يتلكأ "حليفكم" عن نجدتكم اليوم رغم كل هذه الامتيازات التي حصّلها خلال بضعة السنوات الأخيرة، فالجواب أيضاً معروف ومتوقع، فصديقكم الروسي ينتظر المزيد من التنازلات السياسية والعطاءات والامتيازات الاقتصادية، وطريقه إلى ذلك فيما نرى وترون هو المزيد من الضغط على أصحاب القرار "رغم نفي هؤلاء لهذا السيناريو"، ولكن هذا الضغط كما عقوبات الأعداء لا يصيب مباشرةً إلا هذا الشعب الذي تحول إلى حقل تجارب للجميع!

ثمّة مثل شعبي يتداوله الناس في جبال الساحل التي تتعرض اليوم للمحرقة، وأظنّه جواب لكل السوريين العاتبين والغاضبين، ومفاده "ما بيفيي عالشجرة إلا عروقها"، فهل نقتنع بأننا كسوريين ليس لنا إلى أنفسنا وبعضنا؟
ربما بات لزاماً علينا أن نعلّم أنفسنا ألا ننتظر شيئاً من أحد.. أي أحد !

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9