مصر بعد أربعة عقود من كامب دايفيد: الإنجازات والخيبات

كتبت د. نوال بسيوني

2020.10.09 - 02:12
Facebook Share
طباعة

 

 
ما الذي قد يحققه الاستسلام للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية من ازدهار؟
وهل كلفة المواجهة أعلى من كلفة الاستسلام؟
مصر التي تخلت عن مسار المواجهة منذ مفاوضات العام 1974، ووقّعت معاهدة استسلام للأمريكي في صيغة سلام مع إسرائيل، ما الذي كسبته من ذلك، وما الذي كسبه شعبها؟
البطال.. الجريمة والمخدرات
أربعون عاماً على الاستسلام للهيمنة الأمريكية، فلا أضحت مصر ألمانيا الثانية، ولا هي تحولت صناعياً إلى نموذج عربي عن اليابان. ومشروع مارشال الذي وعد به أنور السادات شعب مصر عبر المساعدات الأمريكية تبين أنه سراب بسرا.
فقد أنتجت سياسة الاستسلام تبعية اقتصادية مصرية لكيانات هزيلة مثل الدول الخليجية، فإن منعت عنها المساعدات تضاعف عدد العاطلين عن العمل. وهم الآن في نهاية العام 2020 يعدون بعشرات الملايين إذا ما أضفنا إليهم ملايين من الذين يعملون فيما يمكن تسميته باللامهنة، مثل سائقي التوكتوك والباعة الجوالين وسماسرة المعاملات الحكومية التي تعج بالمئات مهم كل دائرة حكومية.
البطالة.. دوماً توصل الى الجريمة
في تقرير صادر عن موسوعة قاعدة البيانات "نامبيو"، تحتل مصر المركز الثالث عربياً في معدلات العنف والجرائم بعد ليبيا والجزائر، ويشير التقرير إلى أن جرائم القتل ارتفعت بنسبة 130%، بينما ارتفعت جرائم السرقة بالإكراه بنسبة 350 %، ويقول التقرير إن عدد البلطجية في مصر يبلغ 92 ألف بلطجي، بينا ارتفع عدد المسجلين كخطرين في دوائر الأمن العام بنسبة 55% .
كما كشف تقرير لقطاع مصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية المصرية، حول معدلات الجريمة فى مصر، عن ارتفاع معدلات الجرائم بشكل عام فى العام الماضي، خاصةً القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات، إذ سجلت ٥٨١٤ سرقة، كما تصاعدت حوادث الجنح بصفة عامة وسجلت ٤٠٢٢٢ حادثة.
المخدرات .. من الأوكار السرية إلي "الدليفري"
وإذا كنت تتحدث عن الجريمة والعنف فسيقودك الحديث على الفور إلي تجارة المخدرات التي تنوعت أشكالها ومصادرها بشكل غير مسبوق خلال الأعوام الماضية، فلم تعد منطقة "الباطنية" في القاهرة هي المنطقة الوحيدة المشتهرة بتلك التجارة، ولم يعد الحشيش والأفيون والهيروين، هي كل أنواع المواد المخدرة، فقد دخلت السوق وبقوة العقاقير المخدرة التي اصبحت تباع علناً في شوارع المناطق العشوائية، وسراً في بعض الصيدليات، ويأتي على راسها أقراص التريمادول ومخدر الأستروكس.
وتعد مناطق شبرا الخيمة والمثلث الذهبي بالقليوبية والخانكة، أحد معاقل تجارة المخدرات في مصر حالياً، وتُدار هذه التجارة عبر عصابات منظمة تملك السلاح وتتاجرون فيه أيضاً، كما أنهم يعتبرون تلك المناطق مناطق مغلقة لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا أهلها.
ومؤخراً كشف المسح القومي للصحة النفسية وسوء استعمال المواد المخدرة بين طلاب المدارس الثانوية للعام 2020، الصادر عن وزارة الصحة والسكان، أن معدل انتشار إدمان المواد المخدرة بلغ واحداً ونصف بالمئة بين طلاب المدارس الثانوية، أي بين من هم دون السابعة عشر عاماً.
وأوضح التقرير أن 58% من المدمنين يعيشون مع الوالدين، مشيراً إلى الغياب الواضح لدور الأسرة في رعاية الأطفال، مشيراً إلى الصلة الوثيقة بين التدخين وإدمان المخدرات، لافتاً إلى أن 99% من المدمنين يدخنون السجائر من بينهم 18,9% يدخنون أكثر من 40 سيجارة يومياً.
وعن أسباب اللجوء إلى المخدرات، فإن 30,6% من المتعاطين يعتقدون أنها تساعدهم في زيادة القدرة البدنية والعمل لفترات أطول، فيما يعتقد 36,6% أنها تؤدي إلى نسيان الهموم، طبقاً للتقرير.
ويقول اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إن انتشار المخدرات في الفترة الأخيرة في المناطق العشوائية يرجع إلي انشغال رجال الداخلية في مواجهة الإرهاب.
وأكد نور الدين أن الحشيش والبانجو بدأ يلقي تراجعا في الأسواق، وبدأ ينتشر بدلاً منها الترامادول والهيروئين، مما زاد الأمر خطورة، لافتاً إلي أن هناك حملات مكثفة في المناطق العشوائية للتصدي لتجار المخدرات، وتابع الخبير الأمني أن هناك ضرورة لشن حملات بشكل يومي على البؤر الإجرامية، وضبط الخارجين على القانون، مشيراً إلى ضرورة تغليظ العقوبات على تجار المخدرات.
 
البطالة و الإرهاب: الطريق إلي الإرهاب يبدأ من الشوارع الخلفية
منذ بضع سنوات انفجرت عبوة ناسفة داخل إحدى الشقق السكنية بمنطقة المريوطية التابعة لحي الهرم، وقتها كان الذهول يعتري الوجوه، وكان السؤال: كيف تمكنت خلية إرهابية من التواجد في منطقة كثيفة بالسكان بهذا الشكل، وكيف تمكنوا من استئجار شقة والتردد عليها وصناعة المتفجرات دون أن ينتبه إليهم سكان المنطقة؟.
بعد تلك الحادثة سقطت عدة خلايا أخرى منها خلية بشارع العشرين المتفرع من شارع الملك فيصل، والموازي لشارع الأهرام، وخلية أخرى بحي أرض اللواء الموازي لشارع السودان، وخلية بمنطقة حلوان فيما عرف إعلامياً باسم كتائب حلوان.
كانت هذه الخلايا مؤشراً لما جرى خلال العقود الماضية من تغلغل للجماعات المتطرفة في المناطق الشعبية والعشوائية، مستغلةً الظروف الاقتصادية الصعبة، وتدهور الخدمات والأحوال المعيشية بتلك المناطق.
الجماعات المتطرفة بدأت العمل في هذه المناطق مبكراً جداً، وانتبهت إلى غياب الدولة لمد أصابعها في تلك المناطق، خاصةً مع تدني المستوى التعليمي والثقافي لقاطنيها، وهو ما يسهّل من انتشار الخطاب الوهابي المتطرف، بالإضافة إلى تقديم الخدمات الطبية والاجتماعية من خلال لافتات لجمعيات خيرية وهابية حملت كلها أسماء إسلامية يطمئن إليها الفقراء.
والنتيجة أن قاعدة الإرهاب الوهابي في مصر ليست كبيرة جداً فقط، بل إنها تشكل خطراً آنياً ومستقبلياً، وما يجري في سيناء من مواجهات مع أنصار "داعش" والقاعدة يعتبر نموذجاً بسيطاً مقارنةً مع ما يمكن أن يحصل في المدن إذا ما قررت الحركات الإرهابية أن الوقت حان لتخريب مصر، وتلقت دعماً من أعداء الشعب المصري.
وتلك الشعبية للإرهاب هي ما ساهم في تجنيد العديد من الشباب إلى صفوف الجماعات الإرهابية في سوريا أو ليبيا والعراق.
من جانبه أكد اللواء أشرف أمين، مساعد وزير الداخلية السابق، أن المناطق العشوائية بعد أحداث ثورة 25 يناير، والانفلات الأمني في تلك اللحظات، نتج عنه امتلاء تلك المناطق بالأسلحة، ودخول كميات كبيرة من المواد المخدرة لتلك المناطق.
وأضاف أمين أنه من الصعب الوصول إلى تلك المناطق العشوائية نظراً لضيق الطرق بداخلها، لافتاً إلى أنه على الداخلية أن تعمل على توجيه ضربات قاصمة لتجار المخدرات في تلك المناطق.
لماذا لم تزدهر مصر بعد السلام مع العدو الإسرائيلي؟
الدعاية الساداتية، وما يسمى في مصر "نهج أنور السادات" هو أسلوب دعائي – نفسي إعلامي موجه للشعب، تزعم أن السلام حقق الازدهار لمصر.
فأين الازدهار يا ترى وكل المؤشرات الاقتصادية منذ أربعة عقود تتجه
نحو الأسوأ؟
في دراسة حكومية تبنتها الجهات السيادية المصرية، ورفعت مضمونها إلى الرئاسة، يعيد الباحثون أسباب انتشار البطالة والمناطق العشوائية إلى هجرة السكان من المحافظات الطاردة، مثل المنوفية، الغربية، البحيرة، ومحافظات الصعيد.
والسؤال هو " لماذا لا تزال المحافظات المصرية الفقيرة عام 1980، فقيرة جدا عام 2020، وأين هي ثمار السلام مع الصهاينة، واين وعود الأمريكيين بمشروع مارشال مصري؟
كيف ازدادت التجمعات العشوائية على أطراف المدن في هذه المحافظات وازداد النمو العشوائي للأحياء السكنية في المقابر، وتضاعفت عشرات المرات أعداد العاطلين عن العمل، بزيادة غير متناسقة مع ازدياد عدد السكان بل تجاوزتها بكثير؟
ولفتت الدراسة الحكومية إلى أن عملية الهجرة الداخلية في مصر كانت مقترنة بصفة أساسية باعتبارات اقتصادية، من انخفاض الدخل، وانتشار البطالة، ورغبة من الأفراد في تحسين أوضاعهم المعيشية، ولفتت إلى أن مجموعة كبيرة من المحافظات الريفية عانت من انخفاض نصيب الفرد فيها من الاستثمار منها (دمياط، بني سويف، الشرقية، المنيا، أسيوط)، ما اقترن بارتقاع معدلات البطالة والهجرة خارجها، ومن ثم انتشار العشوائيات والأحياء الذين يسكنون المقابر.
إلى ذلك، قسّمت الدراسة قاطني العشوائيات إلى ثمانية أنواع وهي: الإسكان العشوائي أو الفوضوي الذي تم بناؤه بطريقة جيدة داخل الحدود الإدارية للمدن، لكن دون ترخيص وبطريقة عشوائية لم يراعَ فيها تقسيمات المنطقة، ويكون محروماً من المرافق الأساسية والخدمات العامة، والإسكان المشوه (العشش والأكواخ) وتنتشر غالباً على طول خطوط السكك الحديد والقنوات المائية، والإسكان المجازي أو الهامشي مثل مرائرب السيارات، إضافة إلى إسكان الغرفة المستقلة وهو أن تقطن عائلة بأكملها في غرفة واحدة، وإسكان المقابر وأحواشها، وإسكان القوارب؛ وهو السكن في قوارب على امتداد نهر النيل أو فروعه، وتنتشر بين الصيادين، وإسكان الإيواء، وإسكان جامعي القمامة بجوار ما يجمعونه في مناطق وعرة محرومة من المياه والصرف الصحي.
وتقول الدراسة: "لا تعتبر هذه القضية (العشوائيات) فقط مسألة نمو سكني غير صالح فيزيقياً ومعمارياً وبيئياً وسكنياً، وإنما هي قضية نوعية حياة لقطاع كبير من المجتمع المصري، يمثل ما يقرب من الخمس، ويبلغ نحو 46 في المئة من سكان محور العاصمة. وتفرز عدداً من المشكلات منها المخدرات والإدمان، تدهور الحالة الصحية، انخفاض مستوى التعليم وتفشي الأمية وانتشار البطالة، وانهيار الانتماء والولاء والقيم والأخلاق، وارتباط البطالة والعشوائيات بالعنف الاجتماعي، إذ تعتبر العشوائيات من الأماكن التي يجد رجال الأمن فيها صعوبات لضيق شوارعها وعدم قدرة رجال الشرطة على دخولها".
وحول ارتباط البطالة والعشوائيات بالعنف والإرهاب، أكدت الدراسة أن المناطق العشوائية مكمن الخطورة لتهديد الأمن القومي، لأنها من أهم بؤر أصحاب الفكر المتطرف والإرهاب، وينبع الخطر من أن قاطنيها يعيشون حياة اجتماعية متدنية ويسهل التأثير عليهم، في وقت يتأثر دور الأسرة في تلك المناطق، فيصعب تربية الأبناء تربية سوية من دون غلو أو إسراف، فيخضع الأبناء لنزوات خارجية، ويحاول أفراد الأسرة الحصول على المال بأي وسيلة، ما يجعلهم صيداً سهلاً للإرهاب.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7