السلفيَّة في سورية

ياسر عاصي

2020.10.05 - 02:31
Facebook Share
طباعة

 تَعود جذور السلفيَّة السوريَّة للشيخ "محمد ناصر الدين الألباني" 1914-1999م"، ورغم وجود بعض التشكيلات السلفيَّة السابقة على ذلك، إلَّا أنَّ التيار الديني العام للمجتمع السوري كان باتجاه الإسلام الصوفي والإسلام الشعبي، حيثُ هاجر الألباني مع أسرته إلى دمشق عام 1922م قادمًا من ألبانيا، وبدأت رؤيته السلفيَّة تتبلور من خلال اطلاعه على "مجلَّة المنار" التي كان يصدرها السيد "محمد رشيد رضا"، وتتلمذ على يد بعض السلفيِّين الإصلاحيِّين أمثال "محمد بهجة البيطار"، وارتبط الألباني بعلاقة وثيقة مع الأخوان المسلمين، إلا أنَّه لم ينتمِ رسميًا إليهم, وكان مقربًا من الجناح السلفي في الأخوان الدمشقيِّين بزعامة "مصطفى السباعي" و"محمد المبارك"، ثم "عصام العطار" و"زهير الشاويش".
ثمَّة شخصيَّة سوريَّة أخرى كان لها تأثير كبير على السلفيَّة المعاصرة وهو الشيخ "محمد سرور بن نايف زين العابدين" الذي تمكَّن من تأسيس سلفيَّة خاصة به تُعرف بـ"السروريَّة"، غير أنَّ الدعوة السلفيَّة آنذاك لم تنجح في اختراق المجتمع الشامي، المغلق والمسوَّر بآراء المشايخ التقليديِّين، وبقي تأثيرها مقتصراً على فئة من متعلِّمي المناهج الحديثة وبعض مثقفي الطبقة الوسطى المديِّنية, لكن الحال تغيَّر بعد انطلاق الحرب السوريَّة, ما أدى إلى تطور في المشهد السلفي في سورية:
عوامل بزوغ وتطور السلفيَّة بعد انطلاق الحرب في سورية:


1. يدين السلفيُّون السوريون المقيمون في الخليج، في النجاح الأولّي الذي حققوه على الساحة السوريَّة، بالفضل إلى مزيج فريد من العوامل, كارتفاع معدل إجمالي الناتج المحلي للفرد في بلدان إقامتهم، ما زاد من حظوظ إقبال المواطنين الخليجيين على التبرع للمجموعات السلفيَّة, ونظراً إلى الحظر الذي فرضته السعوديَّة على جمع التبرعات الخاصة لمصلحة الفصائل السوريَّة اعتباراً من أيار/مايو 2012م، بدأت هذه التبرعات تتركّز في دولتَي قطر والكويت الأكثر تساهلاً في هذا المجال, وبهذه الأجواء، تمكّن الداعِمون السلفيُّون للقضيَّة السوريَّة من العمل العلني، فاحتكّوا بمجموعة من المانحين أوسع نطاقاً من الشبكات المحجوبة عن الأنظار التي كانت تموِّل عادةً النزعة الجهاديَّة الإسلاميَّة المتشدِّدة.


2. صعود نجم بعض جامعي التبرعات، بحكم إطلالاتهم كدعاة عبر شاشات التلفزة, ما زاد من التمويل, مثل الكويتيين وتبرعهم لمصلحة "أحرار الشام", وهذا ما تحدَّث عنه "ف. هاران"، السفير الهندي في سورية في بداية الانتفاضة، من أنّ "العديد من دول الخليج فتحت أبواب سجونها، وأرسلت جميع أفرادها من القاعدة إلى سورية، وأعطتهم الأسلحة والمال، وقالوا لهم "لا تعودوا قبل الإطاحة بالأسد"، وهذا ما أكّده له مسؤول كبير في الأمم المتحدة, وانقسم المتبرعون بين السلفيَّة العلميَّة "الرسميَّة" في السعوديَّة والخليج التي تدعم "جيش الإسلام" بقيادة زهران علوش لأنَّ نشأته سعوديَّة، ودرس في الجامعة الإسلاميَّة، والمشايخ ورموز السلفيَّة الحركيَّة الذين انحازوا إلى حركة "أحرار الشام" باعتبارها الأقرب إليهم كحركة سلفيَّة معتدلة، وبعضهم تعاطف مع "جبهة النصرة" مع تحفظه على منهج الغلو في بعض اتجاهاتها، وباعتبارها فرعاً للقاعدة في سورية.
3. أفاد السلفيُّون من التوجّه السائد، في البداية، من مرونتهم الإيديولوجيَّة النسبيَّة في الجهود الآيلة إلى تشكيل تحالفات كبيرة من الفصائل السوريَّة.


4. الدعم اللوجستي بالعناصر والقادة السلفيَّة من الدول المجاورة, دون حسيب ولا رقيب, لا سيما الأردن والسعوديَّة, حيث أورد تقرير غربي في صحيفة "المونيتور" أنَّ العديد من السعوديِّين الذين وصلوا إلى سورية للقتال تمكنوا من مغادرة البلاد عبر مطار الرياض, على الرغم من حظر السفر الرسمي الصادر بحقهم من الحكومة السعوديَّة، بسبب الأنشطة الراديكاليَّة السابقة، وأنَّ السعوديَّين الآخرين تمكنوا من السفر إلى سورية للقتال في غضون أسابيع من إطلاق سراحهم من السجن, كذلك أفادت صحيفة "ديلي بيست" حول هذه القضيَّة أيضًا، أنّ "المصادر الاستخباراتيَّة الأمريكيَّة أكَّدت أنّ عشرات الجهاديِّين السعوديِّين سُمح لهم بالسفر جوًّا من الرياض دون أي موانع بعد أن تمّ الإفراج عنهم، وكثيرون منهم كانوا خاضعين لحظر السفر الرسمي، هؤلاء الذاهبون للقتال ليسوا شخصيَّات مجهولة؛ فقد قتل رائد في حرس الحدود السعودي في أوائل كانون الأول/ ديسمبر في دير عطية في سورية، وفي حلب قتل مقاتل "جهادي" سعودي آخر هو نجل اللواء "عبد الله مطلق السديري", وكان رجال الدين السعوديُّون السلفيُّون المتشدِّدون يتوجَّهون إلى سورية دون مكابدة أيَّة مشاكل من السلطات السعوديَّة".


5. استفادت السلفيَّة السوريَّة، في العقود الأخيرة، من العمالة السوريَّة في دول الخليج عامَّة، والسعوديَّة خاصَّة، وكسبت أعضاء ومؤيِّدين، حيث معظم العاملين من أوساط متوسِّطة الثقافة أو شعبيَّة ضعيفة الثقافة، إن لم تكن معدومَتَها, وهذا يفسّر توسّع المدّ السلفي، إبّان الحرب السوريَّة العام 2011م, بالأرياف بشكل خاص، وتفاعل سكان الريف السريع مع كتائب السلفيَّة الجهاديَّة وألويتها, فبعد العام 2011م دفع تصاعد المواجهة، في ظروف نقص الإمكانات، إلى التعاون والتنسيق بين الكتائب المتقاربة فكريَّاً والمتقاربة جغرافيَّاً، ثم إلى تشكيل ألوية من اتحاد مجموعة كتائب "لواء التوحيد في حلب، لواء أحرار الشمال في حلب، لواء الحق في حمص، ولواء الإسلام في دوما"، وجبهات عسكريَّة "الجبهة الإسلاميَّة السوريَّة، والجبهة الإسلاميَّة الموحَّدة، وجبهة تحرير سورية، وحركة الفجر الإسلاميَّة، وحركة الطليعة الإسلاميَّة"، ومن التيارات السلفيَّة التي نشأت في سورية في هذه الفترة:


1. "الجبهة الإسلاميَّة السوريَّة":
وتكونت من أحد عشر لواء، منها "حركة أحرار الشام" وعملت في جميع أنحاء سورية، و"حركة الفجر الإسلاميَّة" في مدينة حلب وحولها، و"كتائب أنصار الشام" في اللاذقيَّة وحولها، و"لواء الحق" في حمص، و"جيش التوحيد" في دير الزور، و"جماعة الطليعة الإسلاميَّة" في المناطق الريفيَّة من إدلب، و"كتيبة مصعب بن عمير" في المناطق الريفيَّة من حلب، وجماعات أخرى مثل "كتيبة صقور الإسلام" و"كتائب الإيمان المقاتلة" و"سرايا المهام الخاصة" و"كتيبة حمزة بن عبد المطلب" التي عملت في منطقة دمشق.


2. "جبهة النصرة":
بينما كانت المظاهرات في أوجها أواخر صيف 2011م، قرر مقاتلون سوريُّون في دولة العراق الإسلاميَّة التوجه نحو الريف الشمالي والجنوبي للاستطلاع، وانتهى الأمر بتقدير المآل إلى عسكرة الثورة، فتشكَّلت مجموعة من الكتائب الصغيرة أطلقت على نفسها اسم "كتائب النصرة لأهل الشام"، كان بين بعض عناصرها مقاتلون أجانب، وذلك بدعم مالي وعسكري من "أمير دولة العراق" أبي بكر البغدادي، وأعلنت عن نفسها في يناير/كانون الثاني 2012م, واستفاد قادة جبهة النصرة من التجربة القتاليَّة للدولة الإسلاميَّة في العراق، والفشل الذي مُنيت به، فحاولوا استقطاب جميع أصحاب التجربة في العراق وأفغانستان أو حتى في لبنان, وقرروا العمل على أساس كسب القاعدة الاجتماعيَّة أولاً، تلك القاعدة التي كانوا قد خسروها بالصحوات، فتميز خطاب جبهة النصرة بمعالم عسكريَّة تتمثل في إسقاط "النظام" ومواجهة الأقليَّات, وإيران، لكن لم يكن لدى النصرة أيَّة إشارة واضحة إلى مرحلة ما بعد النظام، ولم يكن بوسع المعارضة السياسيَّة ولا العسكريَّة أن ترفض مساندة جبهة النصرة رغم شكوكها في علاقتها بـ"القاعدة" وبالتالي دخلت جبهة النصرة بانعطافين؛ الأوَّل عند إعلان الولايات المتحدة في 5 ديسمبر/كانون الأول 2012م وضعها على قائمة "الإرهاب", والثاني عند إعلان "أبي بكر البغدادي" تبعية جبهة النصرة له، وإعلان "الدولة الإسلاميَّة في العراق والشام", واعتبر قادة "الجهاد السوريُّون" القدماء من أعضاء تنظيم الطليعة المقاتلة الذين لحقوا بالجهاد الأفغاني مثل أبي بصير الطرطوسي، إعلان البيعة للظواهري خطأ وخطراً جسيماً على العمل الجهادي في سورية.
جبهة النصرة تمثل الجيل الثالث للقاعدة (الجهاد العالمي)، إذا ما اعتبرنا أن مجاهدي أفغانستان يمثلون الجيل الأول، ومقاتلي العراق يمثلون الجيل الثاني، وفي الجيل الثالث ثمة ميل مدني واضح، وتحول في القناعة بات منتشرًا بين قادة جبهة النصرة يتمثل في توجه قادتها "بمن فيهم أبو محمد الجولاني" إلى العمل التدريجي من القاعدة إلى القمة، والانتقال من العمل المدني إلى العمل العسكري, أما قيادات النصرة فهم من السوريين، وفي الغالب من المراكز الحضريَّة ولكن قواعدها ريفيَّة في الغالب.


3. "مجلس شورى المجاهدين":
ظهر تنظيم جديد في مدينة حلب وشرق سورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012م باسم "مجلس شورى المجاهدين" يحاكي تنظيمًا ظهر في العراق عام 2006م, ويحمل فكر السلفيَّة الجهاديَّة العالميَّة، وتنظيمًا مماثلاً في غزة ظهر في 2010م, وعلى عكس جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، لا يرتبط تنظيم "مجلس شورى المجاهدين" بالقاعدة، وهو لا يعكس أي تطورات فكريَّة كتلك التي لاحظناها في الجبهة، وهو واحد من التنظيمات المتوسِّطة التي لا تزال فاعلة حتى الآن, ويمثِّل المهاجرون نموذج التفكير "القاعدي" الصلب في شكله الجهادي في دولة العراق، فبالرغم من روح التضحية المميزة التي يتمتَّعون بها, إلَّا أنَّه مع ذلك لم يتم تقبل توجُّهاتهم الأيديولوجيَّة من قبل عموم السوريين.


4. "جهاديو الخلافة العالميَّة المؤجَّلة":
بالرغم من أنَّ جميع الحركات الجهاديَّة السلفيَّة تشترك فيما بينها في فكرة الخلافة الإسلاميَّة العالميَّة، إلا أنَّ "القوى السلفيَّة الجهاديَّة" في سورية تمايزت بملامح مختلفة هي حصيلة خبراتها في الصراع مع "النظام" والصراع مع الكتائب والبيئة السوريَّة، فقد وُلدت سلفيَّة جهاديَّة تؤمن بضرورة قيام دولة سوريَّة ولكن إسلاميَّة توقف العمل بالحدود مؤقتًا وتعمل على تطبيق الحدود بشكل تدريجي، مع إبقاء فكرة الخلافة العالميَّة مؤجلة, ومن بين تلك الكتائب "كتائب أحرار الشام" التي تكونت أساسًا في ريف إدلب الشمالي في 25 يوليو/تموز 2012م, والتي تحولت في نهاية فبراير/شباط 2013 إلى "حركة أحرار الشام الإسلاميَّة"، و"كتائب نور الدين الزنكي" في ريف حلب الغربي التي أُعلن عن تشكيلها في أكتوبر/تشرين الأول 2012م، و"كتائب الطليعة المقاتلة" التي أُعلن عن تشكيلها في آب/أغسطس 2012م، و"حركة فجر الإسلاميَّة" في ريف إدلب الشرقي التي تشكّلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012م.


5. "جهاديو السلفيَّة التقليديّّة":
تشكَّل في ريف دمشق الشرقي تنظيم سلفي بقيادة "زهران علوش"، خريج الجامعة الإسلاميَّة في المدينة المنورة، باسم "لواء الإسلام" الذي ظهر في مارس/آذار 2012م، ويعتمد أساسًا على الفكر "السلفي الوهابي" المستند إلى الفقه الحنبلي، وقادته يحملون سلفيَّة كلاسيكيَّة عمومًا، وتصوراتهم السياسيَّة لا تتجاوز الدولة الإسلاميَّة في حدود الدولة الوطنيَّة، مؤقتًا على الأقل، وإنَّ كان عدد من قادته يمتلكون خبرة في القتال في العراق.
كان هذا التنظيم يمثِّل أكبر التنظيمات السوريَّة المقاتلة في محيط العاصمة دمشق، ومعظم الكتائب الحليفة لهذا اللواء منضوية تحت مظلَّة "تجمع أنصار الإسلام في بلاد الشام" الذي تشكّل في أغسطس/آب 2012م, مثل "كتائب الصحابة"، و"أحفاد الرسول".


6. "كتائب الأنصار":
مثَّلت "كتائب الأنصار" في ريف حمص التي ظهرت في يناير/كانون الثاني 2012م، نموذجًا مثاليَّاً للفكر السلفي التقليدي؛ إذ تتبنى خطاباً يُركِّز على العقائد والسلوك وفق منظور سلفي، وتظهر ميولاً دعوية بجانب مهمتها الجهاديَّة، وبشكل خاص في العلاقة بين الكتائب وتوجيه سلوك المقاتلين في الكتائب الأخرى.
لكن العديد من الكتائب بدأت تُظهر ميلاً سلفيًا لأغراض التمويل، تجلّى ذلك في الاسم أحيانًا، وفي الخطاب أحيانًا أخرى، لكن ذلك لا يعني أن الكثير من الكتائب التي تعتنق السلفيَّة التقليدية نجحت في الظهور والتمويل، بما في ذلك أهم ألوية الجيش الحر "لواء التوحيد" الذي تشكَّل في الريف الشمالي لمدينة حلب ويتزعمه عبد القادر الصالح، وعبد العزيز سلامة، اللذان يميلان نحو الفكر السلفي, أما "لواء صقور الشام" الذي أُعلن في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011م، والذي يتزعمه أحمد الشيخ، فقد حرص في بداية تشكيله على الإشارة إلى أنَّه من الجيش الحر، إلَّا أنَّه لاحقًا تجنب ذلك وأظهر ميلاً متزايدًا نحو السلفيَّة.


7. "السلفيَّة الجهاديَّة الديمقراطيَّة":
وتشكل معظم الكتائب المشكَّلة من متطوعين مدنيين ذات ميول سلفيَّة وتنطوي تحت مظلة "الجيش الحر", "الَّذي يُمَثِّل مظلَّة رمزيَّة لا تنظيميَّة" غير أنَّ سلفيَّة معظم هؤلاء سلفيَّة رخوة، بمعنى أنَّها لا تُشكّل منظومة فكريَّة متماسكة بقدر ما هي أفكار متناثرة وقناعات تشكَّلت من ردَّات الفعل أثناء القتال، ذلك أنَّ معظمها ديمقراطي حريص على بناء دولة ديمقراطيَّة حديثة، ينطبق هذا على العديد من الكتائب التي تشكلت من أبناء متعلمي أبناء المدن ذاتها، مثل "كتائب أبي عمارة" في حلب.


8. "جبهة الأصالة والتنمية":
انجذبت نحو الفصائل القبليَّة شرق سورية, ولم يكن السبب أنَّ السلفيَّة العلميَّة كانت قويَّة هناك، بل يعود ذلك إلى الروابط الشخصيَّة، مثل الروابط المتعلقة بأمين عام جبهة الأصالة والتنمية، "خالد الحماد" بمحافظة دير الزور حيث مسقط رأسه.
وتجاوزت جبهة الأصالة والتنمية المتواضعة نسبياً أعمار عدد من المتنافسين الآخرين، على الرغم من أنّها تقلّصت أيضاً بسبب تقلّبات الحرب, فقد عانى التحالف السلفي العلمي من ضربة قوية في صيف العام 2014م، عندما طرد تنظيم الدولة الإسلاميَّة الفصائل المتنافسة من شرق سورية, وهكذا، شكّل أعضاء محليون من الجبهة جيش "أسود الشرقيَّة"، ثم قادوا عمليات ضدّ الدولة الإسلاميَّة في البادية "الصحراء السوريَّة الوسطى" بدعم من قيادة العمليَّات العسكريَّة التي تخضع إلى إشراف وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأميركيَّة، التي افتتحت مقراً لها في الأردن, وفي العام 2016م، فقدت جبهة الأصالة والتنمية ركائزها الشرقيَّة بعد إنشاء جيش سورية الجديد "أُعيدت تسميته لاحقًا بجيش مغاوير الثورة"، الذي أبرم شراكة مع البنتاغون, حسبما تشير المعلومات.
أمَّا حال السلفيَّة في سورية في الوضع الحالي, فهو متأرجح بين الجمعيَّات الخيريَّة, بعد شح الدعم والتمويل لها, مثل "جمعيَّة إحياء التراث الإسلامي"، والعمل على لعب دور سياسي تُمَثِّلَه بعض الفصائل مثل "هيئة الشام الإسلاميَّة" في المجلس الإسلامي السوري, الذي يتخذ من إسطنبول مقرّاً له، وهو المرجع الديني الأوّل في صفوف المعارضة السائدة والفصائل غير الجهاديَّة, وإلى جانب التلقين الديني الذي تقدّمه الفصائل المسلّحة السلفيَّة نفسها، ويشير مراقبون أنَّه من المرجَّح أن يستمر ازدياد النفوذ السلفي لفترة طويلة, لكنَّ هذا النفوذ يوجهه عدة عوامل خارجيَّة بتوقف وشح التمويل, خاصة بعد الإجراءات المتعلِّقة بتمويل الإرهاب, والقرارات الصادرة عن الأمم المتَّحدة والدول الغربيَّة, والعقوبات التي فُرضت على بعض الشخصيَّات, وعوامل داخليَّة متعلِّقة بالوضع الميداني وطبيعة المجتمع السوري، حيث سيطرت تاريخياً مدارس فقهية اعتمدت مفكرين ومشايخ انتموا لأحد المذهبين الحنفي أو الشافعي، في سورية, وكان للتأصيل الفكري عند المشايخ الشوام الأشعريين أثرٌ عميقٌ في صد التمدد السلفي، وكل هذه العوامل وغيرها أدى إلى نشوب صراع دموي بين "إخوة السلاح السلفي", خاصة منذ نهاية 2013م, صراع حول قيادة المشروع الإسلامي والسلفي, كان فيها للتيار السلفي الشامي نزعة نحو السيطرة الكاملة، مماثلةٌ لتلك النزعة لدى التنظيمات السلفيَّة الجهاديَّة في توحيد كافة القوى الإسلاميَّة تحت قيادتها, كالصراع بين "جبهة النصرة" و"جيش الإسلام"، هذا الصراع على تزعم التيار الإسلامي في سورية، ومن خلف هذا التيار شبكات تمويله وزعاماته الفكرية، شكل أحد الانقسامات الأساسيَّة التي نبني عليها التمايز الواضح بين تيار السلفيَّة الجهاديَّة الذي نما وتشكل في بيئة غريبة هي أفغانستان ومن ثم العراق، وتيار السلفيَّة الشاميَّة الذي تأسس تنظيميَّاً وفكريَّاً على الأرض السوريَّة كجزء من تيار إسلامي سوري.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5