أبناء الكرامة .."مرتزقة" للإيجار !

كتب علي حسون

2020.09.28 - 11:50
Facebook Share
طباعة

كيف تحول السوريون إلى مرتزقة يموتون في معارك غيرهم؟.. سؤال يؤرّق كل سوري ما زال يحافظ على الحد الأدنى من الكرامة والغيرة الوطنية.

سوريون ينتمون إلى طرفي الصراع ( مؤيدون ومعارضون) يتحولون إلى مرتزقة في أكثر بؤر الصراع اشتعالاً عبر القارات، من ليبيا إلى "ناغورني قاراباغ".. فيما يستعدون اليوم للوصول إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إلى فنزويلا!
هل هو الجوع أم اليأس أم ضياع البوصلة؛ ما يدفع السوريين إلى هذا المصير، بعد عشر سنوات على المقتلة السورية؟

بالتأكيد، هو كل تلك الأسباب مجتمعةً، يُضاف إليها التخندق الذي أوصل السوريين إلى ما هم عليه اليوم من انقسام وتباغض، مدفوعاً بدعاية تزكّي هذا الانقسام وتؤجج ناره بين الأشقاء لصالح الأطراف التي تتحكم بهم. فبعد نحو عشر سنوات على انطلاق "الثورة" أو "الأزمة"، وتحولها إلى حرب طاحنة بين الأخوة "الأعداء"، وسقوط ما يزيد عن 600 ألف سوري في هذه الحرب - على أقل تقدير- وفرار الملايين من بيوتهم ومدنهم إلى مدن أخرى داخل البلاد، وهجرة ملايين آخرين إلى مختلف بلدان العالم، وبعد تدمير البنية التحتية لمعظم مدن البلاد وقراها، وانهيار الاقتصاد السوري والعملة الوطنية، وبعد الحصارات والعقوبات التي لم تصب مفاعيلها إلا الشعب، بعد كل ذلك؛ تحول السوري على امتداد الجغرافيا السورية إلى إنسان جائع ومقهور ومُبتلى بالفقد والمصائب والنوائب، تتراكم فوق رأسه إلى الدرجة التي لم يعد لديه ما يخسره أكثر، فقرر كثيرون، من طرفي الصراع؛ وبينهم مراهقون وشبان في مقتبل العمر، وكهول لا يقوون حتى على حمل سلاح، الهرب من مستنقع الموت والذل والفاقة، للسقوط من جديد في مستنقع الموت والارتزاق والارتهان لقوى سبق أن كانت جزءاً من الحرب في وعلى بلدهم.
بداية عهد الارتزاق السوري افتتحها "السلطان" و"حامي حمى الإسلام والمسلمين المقهورين" رجب طيب إردوغان، الذي ما فتىء يبحث عن إحياء سلطنة العثمانيين، وضم المزيد من "الولايات" إلى نفوذه، في مواجهة مع صديقه اللدود قيصر روسيا ومن معه ووراءه.

إردوغان قرر دعم حكومة فايز السراج في ليبيا ضد قوات الجنرال خليفة حفتر، فاستجلب لهذا الغرض المئات من السوريين المصابين بلوثة عشق السلطان والحنين إلى السلطنة، والمنضوين في التشكيلات المسلحة السورية التي شكّلتها ودعمتها أنقرة خلال سنوات الحرب السورية، لمحاربة الجيش السوري طيلة سنوات، وحتى هدوء الجبهات في معظم المناطق السورية، فتم الزج بهؤلاء في أتون حرب جديدة، تم إغراؤهم بالمال والجنسية، فيما اعترف بعضهم بأنه اختار الذهاب إلى ليبيا هرباً من مستنقع الموت السوري والإتجار التركي، إلى رغد الحياة الأوروبية، حتى لو كانت بطاقة العبور وصمة "مرتزق" في بلاد عمر المختار، وليتهم استطاعوا العبور!

واليوم، يعيد إردوغان الكرّة من جديد؛ مئات "المرتزقة" السوريين يتوافدون عند انطلاق أول رصاصة، إلى الحدود بين أذربيجان وأرمينيا لدعم إلهام علييف، الحليف العرقي لتركيا، في مواجهة العدو الأرمني الأزلي، وبدأت تتوارد الأخبار بالفعل عن مقتل "المرتزقة" السوريين حتى قبل تثبيت أقدامهم في ساحة المعركة الجديدة!

في المقلب الآخر، وعن طريق مشغّل آخر له مصالحه وأهدافه التي لا تختلف كثيراً عن أهداف صديقه اللدود، انطلق مئات "المرتزقة" المحسوبين على السلطة باتجاه ليبيا، لدعم الجنرال خليفة حفتر، سوريون من اللاذقية وطرطوس والسويداء وحمص، برفقة أعداء الأمس، أصدقاء المصير الجديد من "جماعة المصالحات" في درعا والقنيطرة وريف دمشق، وجدوا أنفسهم معاً ووجهاً لوجه مع أشقائهم من الطرف الآخر في الصفوف الأمامية للمعارك، قتلوا بعضهم هناك في ليبيا كما قتلوا بعضهم هنا .

يؤكد بعض العائدين بأن جثث رفاقهم تُركت في العراء، في صحراء ليبيا الشاسعة، دون أن يتكبد مشغّليهم عناء نقل جثامينهم وإعادتها إلى مسقط رأسها، أو حتى منحهم دفناً إنسانياً لائقاً. يقول أحد المتطوعين للقتال هناك إن ثمة جولات قام بها وسطاء على القرى الفقيرة في الساحل والسويداء لإغراء الشباب بالذهاب إلى ليبيا، يوقعون عقوداً لا يُسمح لهم حتى بالاحتفاظ بنسخة منها، يقال لهم بأن وظيفتهم هي "حماية المنشآت النفطية في ليبيا"، ويتضمن العقد راتباً لا يتجاوز 800 دولار ولمدة ثلاثة أشهر، قد تُجدّد إذا رغب المقاتل بذلك، وعند الوصول إلى "الفردوس الموعود" يتم زج معظمهم في معارك طاحنة انتهت ببعضهم بالموت، وبعاهات لدى البعض الآخر، من بينها خسارة أحد الأطراف أو أكثر، فيما الخسارة الأكبر كما يقول محدّثنا هي "خسارتنا لشرفنا.. منذ اللحظة التي قبلنا فيها أن نكون مرتزقة لدى الغير، حتى لو كان الدافع، السعي وراء لقمة العيش".

بالطبع، ثمة أسباب أخرى دفعت آخرين لاختيار هذا الطريق، من بينها تخلفهم عن الالتحاق بالجيش، والرغبة في تسوية أوضاعهم، كما وعدهم الوسيط والمشغّل، ولكنها تبقى عاملاً ثانوياً أمام هذا الدفق الهائل من الجائعين، الساعين لسد رمق عائلاتهم بأي ثمن.

نعم، يتوافد شباب سوريا إلى بلادٍ غريبة، يخرجون من مقتلة إلى أخرى ، وهذه المرة طمعاً بأجرٍ زهيد لا يوازي وصمة "مرتزقة" التي سيوصمون بها هم وبلادهم لأجيال.

لا يمكن بالتأكيد نكران الظروف التي دفعت بهؤلاء الشباب إلى هذا المستنقع الآسن، واليأس والإحباط الذي يجعل شاباً سورياً يترك عائلته وأطفاله وكرامته، للتوجه إلى ساحات معارك جديدة لا تعنيه بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن تغطيتها بأية شعارات أو أهداف أومصالح وطنية أو قومية أو حتى دينية أو إنسانية، فالمصلحة الوحيدة هنا هي مصلحة المشغّلين، الذين يستخدمون هؤلاء بيادق في حروبهم ومصالحهم وإضافة "مستعمرات" و"ولايات" جديدة إلى مناطق نفوذهم..

إذاً، إنه اليأس والإحباط وفقدان الأمل، فهذه الآفات عندما تفتك بالإنسان، تدفعه لاتخاذ قرارات لا يمكن لإنسان عاقل يتمتع بأقل قدر من المحاكمة واحترام الذات اتخاذها.

لكن الشعور بالقيمة والأهمية واحترام الذات، والحكمة والاتزان، هي صفات تبدو محض هراء في بلاد استُبيح فيها كل شيء، وخصوصاً كرامة أبنائها وشعورهم بقيمتهم، حتى فقدوا توازنهم وحكمتهم وعزة نفسهم، وهم الذين يجدون أنفسهم عالقين في بلاد لا أفق لحل أزمتها المزمنة، ولا إشارات لقرب نهاية محنتها المستعصية، فيما هم في طوابيرهم اللامتناهية، يصطفون للحصول على أساسيات حياتهم بدءاً بلقمة الخبز، مروراً بفُتات الإعاشة، وصولاً إلى البنزين والغاز والمازوت..ووو

في حوارات جمعتني مع بعض هؤلاء الشبان، يشيرون إلى كل ما سبق كأسباب لاتخاذهم قرار "الارتزاق"، يقول أحدهم بأن "كل المنافذ أغلقت في وجهنا في هذه البلاد، بتنا مُجبرين لا مُخيّرين في سلوك الطريق الوحيد المفتوح أمامنا" ، ورغم محاولات إقناعهم بخطورة القرار على سمعتهم، وبشكل أساسي على حياتهم، إلا أن ذلك لم يفلح في ثنيهم عن قرارهم، وهذه المرة بالسفر إلى فنزويلا، في الطرف الآخر من الكوكب، في رحلة لا يعرفون عنها شيئاً، أو على الأقل، ما سيواجهونه هناك، في قرار أشبه بالانتحار و"رمي النفس في التهلكة" عن سابق تصميم وإصرار!

خلال عقود طويلة، عُرف عن السوري في بلاد الاغتراب أنَفَته وعزة نفسه وأمانته والحفاظ على كرامته، كان مفضّلاً لدى أرباب العمل على غيره من الجنسيات بسبب هذه الصفات النبيلة، لكن بضع سنوات كانت كفيلة بنسف كل هذه الميزات المتراكمة، فانهارت سمعة السوري وتحول إلى "مرتزق مأجور" - ولا تعميم في ذلك بالتأكيد - لكنها سمعة مستجدّة طغت على كل ما قبلها، وبلغ صداها أرجاء المعمورة .

نعم .. هكذا كنا وهكذا نحن اليوم "مرتزقة للإيجار" .. ولا غرابة .. فلن تتخيلوا ما يمكن للامتهان والذل والجوع، لفقدان الأمل وغياب الأفق.. أن يفعله في أكثر الشعوب عزةً وكرامة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 10