ماذا بقي من سوريا؟

كتبَ علي حسون

2020.09.07 - 08:02
Facebook Share
طباعة

 "ماذا بقي من سوريا"؟.. هذه العبارة كانت ربما الأكثر تداولاً على لسان السوريين خلال السنوات الأخيرة، لكنها تحولت إلى السؤال الوحيد لكل السوريين الذين تابعوا خلال الأيام الماضية بحرقة و"عجز"مشاهد النيران وهي تلتهم بلا هوادة آخر الجيوب الخضراء الناجية من حرب التسع سنوات، وقد باتت أثراً بعد عين.


العجز .. ثم العجز!

"يعيش" السوريون اليوم بصحبة العجز، ذلك النوع من الشعور الخانق بعدم القدرة على فعل شيء حيال كل ما يحيط بهم، عجزٌ باتوا يُشهرونه "مجبرين" أمام كل أزمة يواجهونها، وهي أكثر من أن تحصى؛ عجزٌ يبدو كتحصيل حاصل لعقد من الموت والدمار، وعقود سابقة من الخيبات.

الأسوأ هذه المرة، أنّ عجزٍ السوريين مستَمد أو متلازم مع عجزٍ أكثر مرارةً تبديه سلطات بلادهم، التي تتفنن في "تقطيع الوقت" كما تتفنن في هدر كل فرصة ممكنة للملمة جراح البلاد، وتمعن أكثر في سياسات يعجز عن فهمها الجميع، حتى باتت هذه البلاد بشعبها ومسؤوليها عاجزة عن أي فعلٍ من شأنه فتح ثغرة في هذا العتم المقيم، نحو ضوءٍ على شكل مستقبل باتت ملامحه مبهمة وغامضة. باختصار، يعيش المجتمع والحكم في سوريا حالة من "العجز" الجماعي تجاه كل القضايا السياسية والاقتصادية والمعيشية .


منبع العجز..

بعد تسع سنوات ونصف على اشتعال الاحتجاجات، وبدء ما يعرف هنا بـ"الأزمة السورية" والحرب الدامية التي أفرزتها، تغير الكثير.

وعلى الرغم من هدوء معظم الجبهات قبل نحو عامين، وخمود البؤر الملتهبة فيها منذ أكثر من ستة أشهر، تعيش البلاد حالةً من المراوحة بالمكان تبدو مفتعَلة، فيما تتقهقر كل مؤشرات الحياة نحو القاع، ربما بانتظار الوصول إلى استحقاق حاسم، يبدو كل صغير وكبير مرتبطاً به أو مسخراً لأجله!

سياسياً، ورغم التصريحات المتفائلة حول الاجتماع الأخير لاجتماع اللجنة الدستورية في جنيف، إلا أن خرقاً حقيقياً لم يتحقق، لتذهب البلاد إلى المزيد من "تضييع الوقت" بانتظار نضوج توافق دولي يقسّم الحصص على اللاعبين الأساسيين في الأزمة السورية ، وهذا "الستاتيكو" والمراوحة في المكان هي منبع معظم العجز الذي يشعر به السوريون اليوم، والذين يراقبون كيف تحوّل بلدهم إلى ساحة صراع لقوى دولية وإقليمية، فيما هم عاجزون عن المشاركة في تقرير مصيره ومصيرهم، رغم كل الأحاديث التي يتشدق فيها جميع اللاعبين عن "سيادة سورية وحق السوريين في تقرير مستقبل بلادهم".

وكدليل على حالة الاستخفاف بإرادة السوريين، وانعدام الوزن "السوري" يتداول الناشطون اليوم كيف تعامل "الصديق والحليف" سيرغي لافروف مع معاون وزير الخارجية السوري الذي كان في استقباله في مطار دمشق، حيث تجاهله لافروف ومشى أمامه بصحبة السفير الروسي، في خرقٍ لأبسط الأصول الديبلوماسية وبروتوكولات المراسم.


عجز.. أمام حيتان الحرب..

وإذا كان المسار السياسي، أبعد من أن يستطيع السوريون المشاركة في رسمه، أو التأثير الحقيقي في مجرياته، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، فإن المسارات الأخرى ليست في وضعٍ أفضل، لارتباطها به وبنتائجه، فالاقتصاد في أسوأ حالاته منذ عام 2011. ورغم أن الحرب والعقوبات الغربية لعبت وما زالت تلعب دوراً كبيراً فيما وصل إليه الاقتصاد السوري من انهيار في شتى قطاعاته، إلا أن السوريين يدركون أن ثمة سبب آخر قد يكون حاسماً أكثر من السببين السابقين، وهو تحكم أثرياء الحرب وحيتان المال بمقدرات هذا الاقتصاد، وغياب أي خطط حقيقية للنهوض به رغم وجود الإمكانية لذلك، وخاصةً أن البلاد تمتلك موارد ومقومات قد تساعد السوريين على الصمود فيما لو تمت إدارتها واستثمارها بشكل صحيح، لكنها تشترط صدور قراراتٍ من نوع مختلف عما نشهده اليوم من قرارات تبدو في تعارض حقيقي مع المنطق الاقتصادي، ومع مصلحة الناس والدولة.

القرارات المطلوبة ممنوعة من الصرف كما يبدو، كرمى عيون حفنة من تجار الحرب المتحالفين مع مراكز القرار، والقادرين على إصدار القرارات المفصلة على قياس مصالحهم، وليس مصلحة الشعب والدولة والاقتصاد الوطني، فيما يحول هؤلاء بكل ما يملكون من قوة ونفوذ وتحالفات دون استصدار أي قرار يتعارض مع هيمنتهم واحتكارهم، فيسارعون إلى "وضع العصي في العجلات" منعاً لدوران عجلة الاقتصاد السوري، فيما يعجز السوريون عن فرض مصلحتهم، و يعجزون حتى عن تسيير أمور حياتهم، وإنشاء مشروعاتهم وأعمالهم الصغيرة، حيث ما زالت السياسات الضريبية تشلّ قدرتهم على الحركة، وتئد أي عمل خاص مهما كان نوعه، فيما تحابي أصحاب المليارات الذين ينعمون في بحر من التسهيلات والمزايا والإعفاءات، وفوق ذلك يتهربون من الضرائب، ما يفوّت على خزينة الدولة عشرات مليارات الليرات سنوياً.

ونكتفي هنا بالتذكير بـ"كذبة" تجميع السيارات التي كانت برمتها تحايلاً على قرارات منع الاستيراد، وتهرباً من الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة، والتي أفقدت الخزينة مليارات الليرات، وبمباركة أصحاب القرار الذين هللوا لـ"صناعة وطنية" لم تبصر النور منذ أكثر من عشر سنوات على انطلاق "كذبة" التجميع المحلي، التي امتطاها رجال الأعمال الجدد، حتى وصل عددها إلى ثماني شركات تستورد أسوأ أنواع السيارات، وأقلها أماناً وموثوقيةً وجودةً، ولكن لتبيعها بأسعار خيالية تتجاوز قدرة معظم السوريين على اقتنائها، وتوازي أسعارها قيمة السيارات الفارهة في دول الجوار.


عجز أمام .. أسوأ القرارات

كل هذا، فيما تمعن السلطات الحكومية بإذلال الشعب وتجويعه، عبر قرارات لا تبدو بريئةً لعموم السوريين، بدءاً بفرض "البطاقة الذكية" على المواد الأساسية (خبز وسكر ورز وبنزين ومازوت) بحجة وصول الدعم لمستحقيه، ومنع الهدر، فيما حصل المستحقون على الذل واستبيحت كرامتهم قبل أن يحصلوا على هذا الفتات.

الحكومة نفسها، وفي سابقة لا مثيل لها في مكان آخر من هذا العالم، أصدرت قرارات مخالفة للدستور أيضاً، وهو ما حدث في القرار الذي صدر عن حكومة عرنوس "السابقة" بفرض صرف مئة دولار على السوريين الراغبين بالقدوم إلى البلاد، وفقاً لسعر الصرف الرسمي، وهو ما أشعل موجة من الجدل الذي لم ينته حتى اليوم، عقب الأخبار الواردة عن وجود عشرات السوريين العالقين على الحدود مع لبنان، والذين تقطّعت بهم السبل، فهم ممنوعون من دخول بلادهم، إلا بعد تنفيذ القرار "القراقوشي"، وغير قادرين على العودة إلى لبنان الذي منع من جهته إعادتهم.

يعلّق سوريون على هذا القرار بوصفه أحد أكبر الانتهاكات لحقوق السوريين التي يكفلها الدستور، وذلك عبر منعهم من العودة إلى وطنهم إلا بشروط، ويقولون بأنه يكشف بشكلٍ جليّ عن زيف الشعارات التي ترفعها السلطات عبر تشدقها طيلة عقود بـ"حق العودة" للشعب الفلسطيني، فيما تمنعه هي عن أبناء البلد. ويتساءل أحد الناشطين: "ما الفرق بين حق عودة الفلسطيني الذي تطالبون به، و بين حق عودة السوري الذي تقفلون باب بيته في وجهه يا أمة الصمود و التصدي؟".

ورغم كل الاحتجاجات على هذا القرار الغريب، عجز السوريون عن ثني حكومتهم عن إصداره، أو حثها على التراجع عنه، فزاد شعورهم المزمن بالعجز درجةً إضافية على سلم القهر.


سوريا تحترق.. عجزٌ آخر لا أخير!

أما أكثر وأبشع أنواع العجز التي عبّر عنها السوريون، فكانت في موجة الحرائق التي التهمت رئة بلادهم، حيث جاءت النيران على آلاف الهكتارات من الغابات والحراج، بعضها مصنفة كمحميات فريدة في الشرق الأوسط، مخلفةً مساحات هائلة من الرماد، ومساحات أكثر امتداداً من الحرقة والألم في نفوس السوريين الذين أيقنوا مع هذه الكارثة أنهم متروكون لقدرهم، فلا سلطات بلدهم قادرة على لجم النيران العابرة للمحافظات، ولا الحلفاء بادروا إلى تقديم المساعدة، وهم على مرمى حجر ! حيث أشعل هذا الموقف غضباً كبيراً في نفوس السوريين الذين قارنوا بين "سرعة الاستجابة الروسية على الحرائق التي طالت كلاً من إسرائيل وتركيا في أوقات سابقة، وبين "التجاهل المتعمّد" للحرائق التي أكلت آلاف الهكتارات على بعد عشرات الكيلومترات وأقل عن حميميم وطرطوس التي تتموضع فيهما قواتهم!

حالة العجز إياها، أطبقت على السلطات التي فشلت في وضع حدٍّ لمفتعلي الحرائق من المتنفذين وتجار الحطب والفحم والطامعين بأملاك الدولة، فيما تتوحد نشرات الأخبار المحلية بتبني اتهام لمزارع مسكين هنا وآخر هناك، محملةً إياه مسؤولية حرق البلاد، ومتغاضيةً عن تجار ومتنفذين يعرفهم القاصي والداني، ما زالوا منذ سنوات يمارسون هواياتهم بحرق كل ما هو أخضر في هذه البلاد الآيلة إلى التصحر في كل شيء.

نعم، شعور السوريين بالعجز لا يوازيه شعور آخر، فهم مجبرون على مراقبة كل ما سبق دون القدرة على الفعل، بالأحرى؛ هم يراقبون كيف تضيع بلادهم منهم، كيف تفقد آخر مقوماتها، جمالها، كرامتها، ولكنهم محرومون من حقهم حتى في الصراخ على من يسرقونها أو يتاجرون بها، وهكذا تنهار في كل يوم قطعة من سوريا أمام عجز السوريين عن التقاطها أو ترميمها أو حتى استبدالها بقطعة من قلوبهم التي تنفطر على بلادهم مع كل يومٍ جديد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7