ثورات "الربيع العربي".. الحصاد المرّ لم يقتل الحلم بالتغيير

أحمد عبد الحميد – كمال شاهين – لبنى دالاتي _ وكالة أنباء آسيا

2020.08.18 - 04:37
Facebook Share
طباعة

 عندما اشتعلت تونس وياسمينها في ثورة بيضاء، كان لابدّ للحلم القادم من غرب اﻹقليم هذه المرة أن يصل إلى الشرق، وكان لابدّ لنا أن نتورط مرةً أخرى في هاجس التغيير بهذا الشكل أو ذاك، ولكن الأحلام التي تبنى على الرمل، سرعان ما تنتهي على الرمل عند أهون موجة. لم تكن مشكلة العالم العربي في ثوراته التي كانت بتصورنا واجبة الحدوث، بقدر ما كانت في حواملها المجتمعية وفي أدواتها الجديدة ـ القديمة، وفي جانبها اﻵخر مرتبطة، أشدّ الترابط، بالجانب الجيوسياسي للمنطقة، أي بالتوازنات الدولية واﻹقليمية التي حكمت دون تحول تلك الثورات إلى بناء جديد في هيكل الدولة والبشر سويةً.

مضت عشر سنوات فظيعة من الحلم بالتغيير، دون أن تحقق سوى النذر اليسير من تلك الوعود التي صدحت بها حناجر ملايين البشر على امتداد اﻹقليم، لا بل على العكس، فإنها فجّرت قيعان المجتمعات وذهبت ببعض منها إلى ما وراء التاريخ، فظهرت حركات كنا نظنّ أن ثقوب التاريخ ابتلعتها ومحت وجودها من الفعل، ولكن ذلك لم يحدث.

لم تكن نتائج الثورات، في بلدان "الربيع العربي" بالنتيجة المرضية ولو في حدها اﻷدنى، لا بل على العكس، أفقدت الناس جلّ ما تملك، وحوّلت حياتهم إلى جحيم، فمن تدهور العملة في كل تلك البلدان دون استثناء، إلى التهجير واللجوء والسجون والموت المجاني، دون تحقيق أمر بسيط مثل نشوء صحيفة معارضة في بعض هذه البلدان (سوريا نموذجاً)، إضافة إلى أن اللعبة الديمقراطية، بأشكالها التقليدية، تحوّلت إلى مهزلة كبرى، وأتت على نتائج ثورة يناير في مصر مثلاً، وفي سورية تضاءلت حصة اﻷحزاب الموجودة في فلك "الجبهة الوطنية التقدمية" مقابل البعث الحاكم، أما في ليبيا فقد ذهبت البلاد أدراج الحرب، وفي لبنان تضخم الفساد بشكل وقح كما شاهدنا في جريمة تفجير مرفأ بيروت.

في هذا الملف تحاول "آسيا" قراءة محصلة عشر سنوات على ثورة مصر، وتسعة أعوام ونصف على ثورة سورية، وما يقارب السنة على انطلاق ثورة 17 تشرين في لبنان: ما الذي تغيّر، وإلى أين تسير بلدان "الربيع العربي"، وماذا تريد الشعوب اليوم؟

*عشرة أعوام على الثورة المصرية.. مزيد من تقويض حرية الرأي والتعبير

أحمد عبد الحميد – القاهرة

عشرة أعوام مرت على ثورة يناير/كانون الثاني المصرية، دارت خلالها أحداث لا تحصى، وتطورات في المشهد السياسي ربما لم يكن في حسبان من غامروا بحياتهم ووقفوا صامدين أمام نظام "مبارك" العتيق ورجاله حتى نزلوا جميعًا من على كراسيهم، تبعتها، بعد أقل من عامين على انطلاق ثورة يناير، وبعد عام واحد فقط من صعود جماعة الإخوان المسلمين على رأس السلطة في مصر، ما أطلق عليه البعض "ثورة 30 يونيو"، في حين رآه البعض الآخر "انقلاب عسكري" على سلطة منتخبة، لتأتي بعدها أعوام طويلة بها ما بها من أحداث، انتهت إلى اعتلاء وزير الدفاع الأسبق عبد الفتاح السيسي رأس السلطة في مصر، في ظل مناخ سياسي متوتر على الصعيد الداخلي.

بعد مرور كل هذا الوقت، مازالت آراء أطياف الشعب المصري مختلفة حول هاتين "الثورتين"، فمنهم من يراها أثرت سلبًا على كافة الأوضاع في مصر، سواء السياسية أو الاقتصادية، فكفروا بها وبما آلت إليه الأحداث بسببها، ومنهم من يرى أنها ثورة مجيدة جاءت لتحقيق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بدأت ب 25 يناير ثم اكتملت ب 30 يونيو بعدما قفز عليها جماعة الإخوان المسلمين لإفشالها، وآخرون شعروا بعدها بضيق الحريات في كافة المؤسسات والمنصات.

الدكتور عمرو هاشم ربيع، الباحث السياسي المعروف في مصر، يقول، في تصريحات خاصة لوكالة "آسيا"، إن الثورات التي شهدتها المنطقة العربية، ومن بينها مصر، كانت ناتجة عن حالة الكبت التي كان يعاني منها الناس، وعلى الحكومات الحالية أن تعي أن مواجهة ذلك بمزيد من الكبت ومزيد من ضغط الحريات لا يعد علاجًا صحيحًا للأزمة، وإنما يكمن العلاج في أن يكون لديك متنفس للناس بأن تعبر عن رأيها بحرية، والبحث عن مشكلاتهم ومحاولة حلها.

تطورات المشهد في مصر ما بين "ثورتي" يناير ويونيو كان كبيرًا، بدأ، بحسب قول "عمرو" بمناخ من حرية الرأي والتعبير في أعقاب ثورة يناير، إلى أن انتهى الأمر بتقويض هذا المناخ بصورة كبيرة في أعقاب ثورة يونيو، مدللا على ذلك بأن "شباب الثورة من القوى المدنية هم في السجون الآن، مثلهم مثل الإخوان المسلمين"، بالإضافة إلى القيود التي تم وضعها على الانتخابات، فضلا عن صناعة قوانين ضد حرية الرأي والتعبير، والعمل بنظام القوائم المطلقة التي لم تعد تأخذ بها دول العالم باستثناء 4 دول فقط، مصر واحدة منها.

ويضيف ربيع "في 30 يونيو كنا نقول كدولة أننا حددنا أعدائنا وما دونهم هم أصدقائنا، فكان دائما ما يتردد أن الأعداء في الداخل هم الإخوان المسلمين، بينما الأعداء في الخارج هم قطر وتركيا، ولكن مع الأسف الشديد انتهى بنا الحال إلى أن أصبحنا نحدد أصدقائنا فقط، وأصبح معظم من حولنا أعداء لنا، وهو أمر خاطئ بالطبع".

أزمات متعددة تعانيها مصر على رأسها "أزمة الأولويات" بحسب تصريحات ربيع، الذي تحدث عنها قائلا: نحن الآن لدينا أزمات في الأولويات، وأصبحنا نهتم بأمور ليست على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للدولة، فمن الجيد أن ننشئ عاصمة إدارية مثلا، ولكن النجاحات التي كان لدينا أهداف بها في التعليم أو في الصحة على سبيل المثال أصبحت محدودة، مشيرًا إلى أن ترديد الجمل من نوعية "ما حدث في يناير لن يتكرر مرة ثانية"، أو "غير مسموح تكرارها"، يعد أمرًا مخالفًا للدستور، خاصةً وأن الدستور يمجد في "ثورتي يناير ويونيو" الأمر الذي يعد مناقضًا لما يقره قانون ودستور الدولة.

ويرى عمرو هاشم ربيع، أن تكرار النموذجين السوري والليبي في مصر أمرٌ يكاد يكون مستحيلا في ظل طبيعة المجتمع المصري الذي لا يعد مجتمعًا قبليًا أو منفصلا عن جيشه، وهو الأمر الذي يشير إلى استحالة مواجهة الشعب بأكمله، في الوقت الذي لن يقف فيه الجيش المصري في وجه المصريين مهما حدث، وهو الأمر الذي يجب أن يعيه الناس، وفق قوله، ويضيف "حرية الرأي والتعبير عامل أساسي يجب أن تعيه الدولة المصرية بشكل كبير، وعدم الاكتفاء بـ "الأكل والشرب"، وإنما توفير قدر كافٍ من مناخ الحريات، خاصةً وأننا لا نوفر الأكل والشرب بشكل جاد، فحتى الأمر الذي تستند عليه الدولة لا تؤديه كما يجب أن يكون".
ومن ناحية أخرى يقول المؤرخ المصري عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، في تصريح خاص لوكالة "آسيا" إن هذه الثورات العربية كان وراءها الولايات المتحدة الأمريكية، وكان هدفها تقسيم البلاد العربية وتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، بحيث تصبح ال 22 دولة عربية 73 دولة على أسس طائفية، عن طريق صعود الجماعات الإسلامية إلى الحكم، وبالتالي فإن ما حدث بعيد عن مفهوم الثورة، دليل ذلك ما حدث بالفعل في ديسمبر 2010 في تونس ثم يناير إلى مارس من عام 2011 في مصر وليبيا واليمن وسورية.

ويضيف "عاصم": في مصر لم ينجحوا في تحقيق ذلك عام 2011 وإنما نجحوا في عام 2012 بعد صعود جماعة الإخوان على الحكم، وكادوا أن يشعلوا الحرب الأهلية لولا وعي الشعب المصري وتدخل القوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، وتمكنوا من إزاحة مرسي.

ويتابع "عاصم": حرية التعبير مفهوم مطلق وهذا خطأ، فلا يوجد ما يسمى بالحرية المطلقة في أي دولة بالعالم، فالحريات نسبية وتحدد حسب الوضع القائم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لا يمكن لأي شخص أن يتحدث في السياسة، على حد قوله.

*سورية.. معنى الثورة الذي ارتبط في أذهان الناس بالخراب

دمشق – كمال شاهين

ربما كانت سورية صاحبَة الحظ اﻷسوأ من بلدان "الربيع العربي" فيما أنتجه هذا الربيع بعد عشر سنوات على اندلاعه من تونس البوعزيزي، فحتى مع المقارنة باﻷسوأ عربياً تحتل المركز اﻷول دون منازع، بما في ذلك ليبيا واليمن.

بالقياس العام، فإن عشر سنوات من "الثورة" في سورية، أنتجت خراباً عميماً في كل شيء، في النفوس كما في الماديات، في الحياة كما في الممات، ولديها اﻵن سجّلُ أوّل بلد مصدّر للمهاجّرين والكبتاجون، وربما قريباً ستحتل موقعاً متقدّماً في ترتيب بلدان جائحة كورونا.
مضت عشر سنوات فظيعة على الحلم بالتغيير في بلاد الأبدية، دون تحقيق حتى النذر اليسير من تلك اﻷحلام التي صدحت بها حناجر السوريين على امتداد البلاد، لا بل إنها فجّرت أسوأ ما في المجتمع السوري، وذهبت به ما وراء التاريخ، فظهرت فيه حركات وأحزاب وميليشيات وجماعات كنا نظنّ أن ثقوب التاريخ ابتلعتها ومحت وجودها من الفعل، ولكن ذلك لم يحدث.

لو بقيت سلّمية..

يحتج الدكتور منذر خدّام عضو هيئة التنسيق السوريّة المعارضة على تسميتها ثورات، ويعني ثورات الربيع العربي ككل وليس فقط السورية، ويقول: "إن تسميتها ثورات ليس بالمعنى الدقيق للمصطلح، فالثورة لا تكون بدون رؤية وبرنامج وقيادة، ما حصل في سورية هو نوع من التمرد المجتمعي تحوّل إلى انتفاضة جماهيرية، وكان يمكن أن تتحول إلى ثورة لو بقيت سلمية".
من الملاحظ أن النتيجة اﻷولى لما حدث في سورية (وغيرها بدرجة أقل) كانت فقدان الناس عوامل اﻷمان في حياتها، من المأكل إلى المشرب والمسكن، وتوضح الحالة السورية الأعداد الهائلة من الناس التي فقدت كل شيء بالمعنى الدقيق للكلمة، وهي تقدّر بالملايين، وهذا ما جعل كلمة الثورة ومفرداتها هاجساً ودافعاً للتغيير الإنساني في السياق العمومي للناس، مرتبطة لدى السوريين بالخراب للأسف، وحسب الدكتور خدّام فقد "ساهم العنف في قتل كلّ قيم الثورة في النفوس، وتحول إلى صراع بين شكلين للاستبداد، وكلاهما على تفارق حقيقي مع الرايات السياسية والأيديولوجية التي يرفعانها من أجل الصراع على السلطة وحسب".

هاجس التغيير ...

لم تكن مشكلة سوريا (كما العالم العربي) في ثوراتها التي كانت بتصورنا واجبة الحدوث، بقدر ما كانت في حواملها المجتمعية وفي أدواتها الجديدة ـ القديمة، وفي جانبها اﻵخر مرتبطة، أشدّ الترابط، بالجانب الجيوسياسي للمنطقة، أي بالتوازنات الدولية واﻹقلمية التي حكمت دون تحول تلك الثورات إلى بناء جديد في هيكل الدولة والبشر سويةً.

في هذا السياق يقول الدكتور "زيدون الزعبي" خبير المجتمع المدني السوري ولديه تجربة ثرية مع الحالة السورية: "إن هاجس التغيير ليس باﻷمر السهل، مع ملاحظة تفاوت اﻷمر بين بلد وآخر، وخصوصاً بوجود موجة ثورية العام الماضي في لبنان والعراق، وحدث كذلك في تونس والجزائر ، والسودان، والشعوب اليوم باعتقادي لا تفكر بالتغيير بقدر ما تفكر بأنها وصلت إلى مرحلة لم تعد تطيق فيها الحال الذي تعيشه على مختلف الصعد، بمعنى آخر، إن طريق التغيير لم يعد واضحاً، كما لم تعد قادرة هذه الشعوب أن تراه وأن ترى الحلم الحقيقي".
يكمل الدكتور الزعبي: "اختلطت اﻷمور بين الحلم الحقيقي وواقعها الذي لم لم يعد مقبولاً، ولا هي قادرة على العيش فيه، كذلك لا يمكن معرفة احتمالات المستقبل بوجود فقدان ثقة هائل بإمكانات التغيير الديمقراطي، وسببه أداء الربيع العربي عموماً، وهناك إحساس بعدم جدوى الحياة، واﻷفضل للجميع التفكير بالهجرة، حلم الجميع يأساً من أي تغيير محتمل، وهو ما نراه في ارتفاع أعداد الراغبين والمهاجرين والذاهبين في قلب البحر، أخشى أن يكون حلم البوعزيزي قد انتهى إلى غير رجعة أقله حالياً".

سيستمر الناس بالحلم بالتغيير دون شك، لكن هذا الحلم أضحى بعيداً أكثر فأكثر، بحكم العوامل السابقة التي تداخلت بين بعضها محلياً وإقليمياً، ففي الداخل كانت القوى الحاملة للتغيير ذات سمة شعبوية فوضوية لم تتمكن من إنجاز تحولها إلى بنيان سياسي (حزبي أو غير ذلك)، ولا إلى هيئات قانونية أو مدنية قادرة على تغيير الواقع بالتدريج.

التركيبة الطائفية .. مانع التغيير حقيقة؟

واحدة من أهم إشكاليات الحراك السوري أنه تلبّس لبوساً طائفياً ﻷسباب كثيرة، تتعلق بتركيبته وطريقة نشأته المحلية من جانب، ومن جانب ثان يتعلق الأمر بالسلطة الحاكمة فيها، وكيفية تشكّلها التاريخي وتمددها في المجتمع وانتهاك بنيته. ويشير الصحفي السوري "عهد مراد" إلى أن التركيبة اﻹثنية والعرقية والطائفية في المنطقة (وأولها سورية) تساعد على توجيه الثورات أو الحراكات، وبالعكس، كما "تترك بيئات خصبة لحصول الفوضى، خاصّةً في ظل تعامل اﻷنظمة معها على أساس المكوّنات والطوائف وليس على أساس المجتمعات المحلية واﻷهلية، وهذا تاريخياً يعمل على تحريض اجتماعي، أي حراكات قد ينتج عنها في النهاية ثورات" وبالتالي تغييراً.

يكمل الصحفي السوري: "بوجود كيان مثل إسرائيل يحمل الهوية الطائفية، والعالم على ما يبدو يريد للمنطقة أن تكون لها هوية طائفية، فإن الاختلاف والتنوع الطائفي يراد له أن يتحوّل إلى حل، بحيث تصبح المنطقة فدراليات طائفية تجعل المكون اليهودي ينصهر ضمن شرق أوسط يشبهه عموماً، لكن القوى الوطنية والليبرالية قادرة على إنتاج خارطة جديدة، وتفكيك الواقع السياسي الراهن، ولكن ذلك يحتاج إلى أمد سياسي طويل".

إلى أين المسير؟

"من الغبن القول إن الشعوب، ومنها السوريين بالطبع، رأت في الثورات وبالاً على حياتها، ولا أحد مخوّل بالحديث نيابة عن الشعوب"، هذا ما ينوّه الصحفي السوري صهيب عنجريني إلى ضرورة الانتباه إليه في التعامل مع المسألة، متابعاً: "ما سيرد وجهة نظر شخصية مدعمة بما نسمعه ونشاهده، وعلاقاتنا مع أصدقاء ومعارف ومن ضمنهم نخب سورية ولبنانية، من الصحيح أن ثورات الربيع العربي لم تحقق غاياتها ولم تكن ناجحة، وهذا شبه مسلّم به من قبل الجميع بمختلف الاتجاهات واﻷمزجة السياسية، لكن حسب ظني لم تكن النتيجة أن الشعوب وصلت إلى قناعة أنه لم يكن هناك حاجة للتغيير، والواضح أن الأحداث المؤسفة مثل الدمار في سورية وليبيا واليمن تركت انعكاسات سلبية على كل الجهات، ونجم عنها انحسار شعبية الأنظمة ضمن بيئتها الحاضنة، ثم قبول أنظمة أشد وطأةً من سابقاتها، وهذا جاء على قاعدة أهون الشرين، ولكنه لا يعني أن الشعوب التي يقول بعض منها بأنها "ياريتها ما كانت" كما هو الحال في سورية، لا تحمل حسرة وتحسراً على ما آلت إليه الظروف.

يضيف عنجريني: "داخلياً تعززت القناعات بالتغيير، قد تختلف اﻷدوات والوسائل، إذا لم تغيّر اﻷنظمة العربية وسائل تعاملها مع شعوبها - وهو المرجح – وبالتالي فإننا على اﻷرجح سنكون أمام موجات جديدة، متزامنة أو غير متزامنة، كل بلد قد يحدث فيه حراك بمعزل عن اﻵخر، بعد أن تنتهي الحروب المفتوحة في العالم العربي، ومن المبكر الحديث عما بعدها، فهناك عدد منها من سورية إلى لبنان والعراق واليمن وليبيا، ولكن أياً تكن النهايات، فإن عدم تغيير الوسائل في التعامل مع الشعوب سوف يقود إلى مشهد سوف يعاد ويكرر، ربما بطرق أخرى لكنه سوف يتكرر".
*ثورة 17 تشرين في لبنان.. "باقية طالما بقيت أسبابها"

طرابلس – لبنى دالاتي

في لبنان، بدأت الثورة متأخرةً عن شقيقاتها، سلسلة من الاحتجاجات الشعبية بدأت في 17 تشرين-أكتوبر 2019 وكان أهم أسبابها الفساد السياسي، والوضع الاقتصادي المتردي، إضافة إلى انعدام وجود أهم أركان الحياة اليومية الاقتصادية.

بدأت الاحتجاجات الشعبية بشكل مباشر، إثر الإعلان عن قرارات حكومية جديدة، لفرض المزيد من الضرائب على البنزين والتبغ، إضافة إلى استحداث ضريبة على استخدام الـ" واتساب"، ثم توسعت الاحتجاجات، حيث بدأ المتظاهرون بالمطالبة باستقالة جماعية للسياسيين وتغيير نظام الحكم.

سعت بعض الأحزاب للانخراط في ساحات الثورات، وتحديدا قبل استقالة حكومة الرئيس الحريري، كما حاولت الانخراط في مناخ الثورة، وبالرغم من الضغط الذي فرضته السلطة، لم تتراجع هذه التحركات، بل اتخذت العديد من الأوجه، وظلت المعنويات في الشارع عالية، وارتفعت وتيرة التحرك، وتزايد زخم التظاهرات، وتضاعفت الأعداد حتى غدا حراكاً شعبياً مهيباً يجمع مختلف المحافظات اللبنانية المتنوعة جغرافياً وطائفيا.

أصبح الوضع العام مقلقاً بالنسبة للطبقة السياسية التي جربت الضغط بالقوة، لكن الشعب كان على قدر من الوعي، وكان مقتنعا بأن لا شارع مقابل شارع، وأن أي حزب يحاول الخرق أو اختراع هذه المواجهة سيفشل.

ورغم محاولة الكثيرين للترويج إلى تراجع حدة الاحتجاجات في لبنان، بسبب تشكيل الحكومة بدايةً، ثم انتشار وباء "كورونا"، أثبتت تحركات اليوم عدم صحتها.

تعالت أصوات تقول بأن مطالب الحراك أصبحت ضبابية ومتناقضة، وأن المطلب الاقتصادي بدأ يزول لتحل مكانه الأهداف الحزبية.

يقول أحد قياديي الثورة (فؤاد ج) لوكالة أنباء آسيا: "تعاظمت احتجاجاتنا، واستطعنا كسر حاجز الخوف مما أربك السلطة الفاسدة، ووجدت الحكومة نفسها مرغمةً على تقديم التنازلات، لذلك وضعت حلولاً اقتصادية ضمن ما سمته بالورقة الإصلاحية، لكننا فقدنا الثقة بقرارات الحكومة، واستمرينا في احتجاجاتنا مطالبين السلطة بحلول جذرية تضمن معالجة حقيقية للوضع الاقتصادي المتردي الذي نعيشه".
ويشير فؤاد إلى أن الثورة لن تقف هنا، خاصةً بعد الأحداث الأخيرة التي أدت إلى اندلاع تفجير المرفأ، والخسائر التي نجمت عنه، خصوصاً في ظل السياسيين والحكام الذين كانوا غائبين كلياً عن مساعدة الناس المتضررين، ويستطرد "من راهن على أن ثورتنا ستجهض، نقول له إننا باقون في الساحات حتى إسقاط الرئاسات الثلاث ".
ويضيف "لن تنتهي الثورة إلا بعد إحراز أجزاء كبيرة من أهدافنا، ولن نصاب بالخيبة. نحن عازمون على تحقّيق أهدافنا ولن نقبل بالحلول الوسط ".

المحلل السياسي الدكتور" توفيق شومان" يرى من جانبه، أنه من الصعب إعطاء أية أحكام مسبقة حول ما سيجري في المستقبل، فالحديث عن نجاج الثورة أو فشلها متعلق بالوضع السياسي اللبناني وبالتأثيرات الخارجية.

ويشير شومان في حديثه لآسيا، إلى أن هناك مشكلتان أساسيتان أدتا لاندلاع الثورة، وهما، الفساد والانهيار المالي، اللذان سيحافظان دوماً على استمرارية الثورة وديمومتها.

ويقول إن الدولة ومنذ 17 أكتوبر لم تقم بأية إصلاحات جدية، لذلك فمن المستحيل، بالنسبة له، أن تضمحل الثورة أوتنتهي، خاصةً بعد الأحداث العنيفة التي حصلت مؤخراً، في الرابع من آب، وهي وحدها كفيلة بإشعال فتيل ثورة عارمة، على حد قوله.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 5