كتب عامر ملاعب: لبنان القديم انتهى واحلام البطريرك غير واقعية

عامر ملاعب

2020.07.23 - 01:52
Facebook Share
طباعة

 

خلال الاسبوعين الأخيرين سجّلت أميركا رقماً قياسياً جديداً تجاه لبنان بسرعة تغيير موقفها وتناقضه، ومن يستمع لمسلسل التصريحات من الخارجية الى السفيرة الى أزلامها في الداخل، لا يصدق انها قد صدرت من ذات الأشخاص ومن ممثلي امبراطورية العصر، فما هي الأسباب؟ وما دواعي الانكفاء الشكلي السريع دون اي تجميل للموقف بغض النظر عن الرؤوس الحامية ممن يراهنون دوماً على الاندفاعة الاميركية لتعديل موازين القوى داخلياً؟.
في معرض البحث بعيداً عن البروباغاندا الهوليودية المسيطرة، يمكن تجميع وتركيب نتف من كواليس الأسابيع او الاشهر الماضية لفهم ما حصل. ورغم الشح في المعلومات والأخبار تروي شخصية متابعة أخباراً مثيرة عن أحداث الأسابيع الأخيرة، وإن كانت تختصر المشهد بجملة واحدة: كي تعرفوا أسباب التراجع الاميركي فتشوا عن الاندفاعة الصينية.
وفي معلومات "الشخصية المراقبة" أن "فريق الممانعة بفرعيه اللبناني والاقليمي قد عمل منذ فترة طويلة على درس كل الخيارات والاحتمالات والمخاطر، ووضع مسودات خطط المواجهة الأفضل. ولم يكن بعيداً عن احتمال لجوء الولايات المتحدة الاميركية الى خيار الحصار المباشر او المتدرج على لبنان، كما يحصل مع ايران وسوريا وفنزويلا وغيرها، لكن الفارق ان لبنان ذات حساسية عاليه نظراً لتنوع قواه السياسية وارتباط فئاته بأكثر من طرف خارجي، ما يزيد من الأزمة ويدفع الامور نحو المزيد من الانهيار، فكيف يمكن المواجهة؟ او بصريح العبارة يستوجب على هذه القوى وضع بدائل مقبولة وعملية.
الخطط التي وُضعت كانت عبارة عن مجموعة احتمالات تتوزع على عدة درجات، ولكل درجة مجموعة أفكار ونقاط، وإن كان الاحتمال الأخطر هو الحصار التام الذي يوازي اللجوء للخيارات العسكرية الكبيرة، فإنه يبقى الخيار الأفضل للمحور كونه سيصيب بالضرر حلفاء اميركا في الداخل اللبناني كما خصومها، لا بل أكثر.
وانطلاقاً من ذلك كان من الطبيعي الاستعانة بالأصدقاء وما يستطيعون تقديمه من مساعدات آنية وبعيدة المدى، فكانت لقاءات ثنائية وثلاثية مع الحليفين السوري والايراني. وتقول المعلومات ان "الأخ الأكبر" قد اقترح التواصل مع "الرفاق" في الصين كي نسمع الجواب.
في الاسابيع الاولى جاء جواب الصين بارداً تجاه اي خطوة دعم كبرى، وهذا مفهوم كي يتجنب "التنين" استفزاز الاميركي والاسرائيلي مباشرةً، ولكن بعد تدهور العلاقات بين الجبارين والخطوات الاميركية التصعيدية تجاه بلاد "المليار والنصف"، الى حدود وضع عدد من مسؤولي الصين على لائحة العقوبات، عاد التواصل الصيني باهتمام كبير وابدى استعداده للبحث بكل الوسائل والطرق الممكنة للدعم.
هنا تشكلت ما يشبه خلية أزمة من ممثلي المحور (حزب الله – سوريا – ايران) وبعد المشاورات واللقاءات زارت بكين وأجرت سلسلة لقاءات عملية وأبحاث معمقة عن كيفية العمل سوياً، ثم عادت اللجنة وأجرت لقاءات مشتركة في كل من دمشق وطهران.
يمكن القول أن ذروة الاعلان عن التنسيق كان لحظة خطاب السيد حسن نصرالله ودعوته اللبنانيين للاتجاه شرقاً، وهو الرجل الذي لا يتحدث عبثاً، وبعيداً عن الانشاء كان في كلامه اقتراحات عملية وخطط تنفيذية مباشرة يمكن ان تخرج الاقتصاد اللبناني من ورطته، لا بل ستمتد تأثيرات هذه المشاريع على كل المحيط والخروج من دوامة العبث التاريخي المرتبط باقتصاد الغرب بشكلٍ مطلق.
بعد الخطاب بأقل من 24 ساعة حل السفير الصيني ضيفاً "فوق العادة" عبر هواء قناة المنار ويتحدث عن استعداد بلاده لكل دعم، ولتكر السبحة بعدها وتتحول السفارة الى خلية عمل واتصالات وطلب مواعيد.
وعلى الضفة اللبنانية بدت شخصية رئيس الحكومة حسان دياب ثابته وجسوره في مواجهة الهجمة الاميركية وقد تجرأ على تحدي أميركا والمنظومة اللبنانية العميقة الحاكمة التابعة لها بمعظمها، وهو بذلك قد لاقى موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ما جعل الموقف اللبناني قوي ومتمسك بسيادة البلاد والقرار اللبناني الوطني المستقل وعدم الخضوع للضغوطات.
المفاجأة الاميركية
بدت ردة الفعل الاميركية مربكة، فهي قد بدأت بالتصعيد وبتهديد رئيس الحكومة مباشرةً لتتحول التهديدات بعد يومين الى لغة دبلوماسية وتدوير زوايا لا بل السفيرة تحل ضيفة في السراي على مائدة دياب، ومن خلال هذا السلوك الغريب والسريع تقول المعلومات أن "الدولة العظمى لم تكن على دراية كافية بخطوات فريق الممانعة مع الصينيين وهذا التنسيق لم تضعه في الحسبان، ويبدو انها قد وضعت معادلة حسابية ساذجة: الضغط الاقتصادي الشديد سيولد انفجاراً اجتماعياً كبيراً ضد حزب الله وحلفاءه، تتفكك قاعدته الشعبية ويبتعد عنه فئات من الشعب اللبناني عليه، والنتيجة كسب سياسي وتقليم أظافر وربما تمرير صفقة القرن وحماية اسرائيل على المدى المنظور".


تقريش الفكرة
جاء التجاوب الصيني سريع وعالي السقف، وهو ما لم يكن محسوباً إلى هذا الحد، وان كانت الحسابات الصينية ذات طابع استراتيجي بالدخول الى شرق المتوسط بسقف سياسي وليس اقتصادي كما هي العادة، ولكن ذلك قد شكل دفعة معنوية كبيرة حتى الآن للفريق الذي يواجه الاميركي، وربما تأتي الترجمة فيما بعد.
فالصين ترغب بشدة في بناء جسر تواصل متين مع ضفة المتوسط الشرقية (مشروع طريق الحرير ومرفأ طرابلس)، وهي تساند الحكومة السورية بقوة منذ بداية الصراع وتعمق علاقاتها يومياً مع ايران على كل الصعد. وبالتالي هي قادرة على تنفيذ مشاريع لبنانية بعروض مغرية ومنتجة يمكن ان تساهم في الحد من تدهور الاقتصاد اللبناني، وستضخ هذه المشاريع مليارات الدولارات في تنمية البنى التحتية دون حواجز فساد تطيح بمعظم المبالغ المقدمة.
ماذا يعني هذا الكلام؟
من يقرأ ويعرف تاريخ لبنان الحديث وبتعقيدات التشكيلة الداخلية وارتباطاتها الخارجية، يعرف حجم التغيير الكبير الذي وقع حتى الآن. الكيان اللبناني بُني على مجموعة مصالح تديرها مافيات منظمة سخّرت كل امكانيات الدولة لخدمة مآرب طبقة محلية مستفيدة وهي على ارتباط وثيق بماكينة الغرب وملحقة بمصالح المحور الأميركي، وهي من الطبيعي ان ترفض أو تتقبل المس بمكتسباتها التاريخية ورعاتها الغربيين.
وبناءً عليه فإن المسألة معقدة جداً والطبقة الحاكمة لا تستسلم بسهولة وهي ربيبة الاستعمار الغربي تاريخياً، والمؤكد أن كلام السيد نصرالله بالاتجاه شرقاً شكل سابقة بتاريخ لبنان الحديث، ولم يجرؤ أي من المسؤولين سابقاً بطرح مثل هذه الأفكار بجدية، حتى في عز صعود اليسار وتحالفه مع المنظومة الاشتراكية سابقاً، فهل ستكون النتيجة أننا على ابواب تغيير استراتيجي؟ وهل يمثل مشروع البطريرك الحيادي المستجد محاولة استدراك لبقايا لبنان القديم عله يحفظ جزءً من كيان أضحى من الماضي كما تُحفظ القطع الأثرية في خزائن الزجاج؟.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9