كتب باسل الحاج جاسم: رسائل قمة شنغهاي في أوزبكستان

2022.09.26 - 02:32
Facebook Share
طباعة

في الذكرى العشرين لتأسيسها، استضافت مدينة سمرقند التاريخية في أوزبكستان قمة منظمة شنغهاي للتعاون منتصف سبتمبر/ أيلول الجاري، والتي كانت استثنائية في توقيتها ومكانها وعدد الدول التي شاركت فيها، وتضم أربع دول نووية، الصين وروسيا والهند وباكستان، هي أعضاء في هذه المنظمة التي تنتقل رويداً رويداً من الإقليمية إلى العالمية، مع استمرار جهود روسيا والصين وغيرهما من أعضاء تكتل شنغهاي، لإيجاد بدائل للمؤسسات الغربية، في إطار المنظمة التي تضم دولاً تمثل نصف سكان الأرض.


وتكمن قوة المنظمة في أنها جغرافياً تمتد من الشمال إلى الجنوب، من القطب الشمالي إلى المحيط الهندي، ومن الشرق إلى الغرب، من ليانيونغانغ في الصين إلى كالينينغراد في روسيا. ومن الناحية الاقتصادية، تضم شنغهاي ثلاثاً من أكبر القوى الصناعية في العالم. وثاني أقوى اقتصاد، الصيني الذي بلغ ناتجه المحلي سنة 2021 ما يقارب 20 تريليون دولار.


وبالنظر إلى الحضور الاقتصادي والسياسي البارز، باتت تُثار تساؤلات من قبيل ما إذا كانت "شنغهاي للتعاون" ستصبح منافساً للسبع الكبار... لا تتفوّق المنظمة بشكل كبير على مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، من حيث المساحة الجغرافية وعدد السكان فحسب، بل أيضاً من حيث الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً للمؤشّرات الاقتصادية الرئيسية، تجاوزت دول المنظمة بالفعل مشاركي مجموعة السبع من حيث إجمالي الناتج المحلي، الذي يزيد على 44 تريليون دولار، بعد توسّع اتحاد شنغهاي يمكن أن يبلغ هذا الرقم حسب الخبراء، 53 تريليوناً، مقارنة بـ42 تريليوناً من حيث إجمالي الناتج المحلي لدول مجموعة السبع حالياً.

 

لا عقيدة عسكرية موحّدة، كما لا تجمع أعضاء تجمع شنغهاي تحالفاتٌ عسكرية ذات تأثير

 

ولعل الأبرز أن "شنغهاي للتعاون" تعمل على ألا تكون فقط منظمة معنيَّة بالاقتصاد، بل أيضاً بالسياسة، من خلال رفض بعض أعضائها مجاراة واشنطن في قضايا إقليمية ودولية عديدة، في محاولة لإثبات عدم تبعيتهم للولايات المتحدة، لا سيما الصين وروسيا وإيران وتركيا، التي منحت عام 2012 صفة شريك الحوار، وهي دولة عضو في حلف الناتو. ولكن أكبر تحدٍّ أمام المنظمة مدى قدرة دولها على تقديم تنازلاتٍ لضمان تحقيق المصالح المشتركة، والتركيز على المشتركات التي تجمعهم، بدل المشكلات التي تفرّقهم، إلا أنه لا يمكننا الحديث عن تكتل سياسي، على غرار الاتحاد الأوروبي.


وعلى الرغم من كل الأحاديث حول تشكّل محور أو قطب جديد، فإنه لا يمكن مقارنة تجمع شنغهاي مع حلف الناتو، فلا عقيدة عسكرية موحّدة، كما لا تجمع أعضاءه تحالفاتٌ عسكرية ذات تأثير، والخلافات بين بعض أطرافه لا يمكن إخفاؤها، كما هو الحال بين الصين والهند، الهند وباكستان، أذربيجان وأرمينيا، وهي دول شريكة للمنظمة.


ويُذكر أنه بعد غياب الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى (كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان)، بدأت الصين تواجه مشكلة حركة تركستان الشرقية، والخطر الشديد الذي شكّله الإيغور الموجودون في جمهوريات آسيا الوسطى الناطقة باللغة التركية (يقدّر عددهم فيها آنذاك بقرابه 700 ألف إيغوري)، وكانت حكومات آسيا الوسطى قد أوقفت، بضغط من الصين، نشاط الإيغور في دولها.


ومن أجل مكافحة الحركة الانفصالية والتطرّف، وبمبادرة من بكين في 1996 تشكلت منظمة "خمسة شنغهاي" (الصين وروسيا وطاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان) الساعية إلى تعزيز الثقة والأمن في مناطقها الحدودية، وبانضمام أوزبكستان إلى المنظمة في عام 2001 تغير وضع المنظمة واسمها، وأعلن قادة الدول الست تشكيل "منظمة شنغهاي للتعاون".

 

أمن منطقة آسيا الوسطى واستقرارها مرتبطان بمستوى التوافق بين قطبي المنطقة موسكو وبكين

 

ومؤكّد أن الصين تريد استخدام المنظمة لإحكام سيطرتها الاقتصادية على منطقة آسيا الوسطى، كما أنه من الواضح أن دول آسيا الوسطى مهتمة بتنامي النفوذ الصيني في المنطقة، بهدف الموازنة بين هذا الدور وبين روسيا والولايات المتحدة اللاعبين العملاقين الآخرين في المنطقة.
الأبرز في قيام منظمة شنغهاي التي يقطن بلدانها نصف سكان الأرض، تمثل في التقارب الصيني الروسي الذي يفسّر بمحاولة بكين وموسكو الاهتمام بمصالحهما في آسيا الوسطى، في حين يُشار أيضاً إلى دور "التطرّف الإسلامي" و"الانفصالية" في تسريع قيام هذه المنظمة، ولكن ما يجمع عليه المراقبون أن أمن منطقة آسيا الوسطى واستقرارها مرتبطان بمستوى التوافق بين قطبي المنطقة موسكو بثقلها السياسي الكبير وخلفيتها التاريخية، وبكين العملاق الإقليمي.


وتوسّعت المنظمة في 2017 بعد انضمام الهند وباكستان، وكذلك إيران التي أصبحت عضواً كامل العضوية في 2021، وباتت "مساحة تأثير" مهمة بالنسبة للعملاقين، الصين وروسيا، في خضم المواجهة ضد التحالف الغربي، في إطار رغبة دول عديدة تشكيل عالم متعدّد الأقطاب، وهو ما انعكس بالاهتمام المتزايد في القمة، من الدول الأعضاء أو الدول الراغبة بالانضمام.


ولعل الرسالة الأهم في قمة سمرقند مشاركة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوج الأزمة التي أشعلت الحرب الأوكرانية، وكذلك الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في ظل تصاعد التوتر مع الغرب بشأن تايوان.

 

المقال لا يعبر عن رأي الوكالة وانما عن رأي كاتبه فقط

 

المصدر: العربي الجديد 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1