كتب عمر كوش: السياسة الخارجية التركية.. التحالفات والرهانات

2022.01.18 - 07:07
Facebook Share
طباعة

يستند الباحث عماد قدورة في كتابه "السياسة الخارجية التركية: الاتجاهات، التحالفات المرنة، سياسة القوة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الدوحة، 2021) إلى النظرية الواقعية في العلاقات الدولية التي تتميّز بالتركيز على سياسة القوة وتعظيم القدرات المادية وبناء التحالفات، لكنها لا تولي أهميةً لتأثيرات العوامل المحلية على العلاقات بين الدول، لذلك يلجأ إلى الواقعية الكلاسيكية الجديدة التي تبحث في تأثير القدرات المادية والتحالفات إلى جانب العوامل المحلية في السياسات الخارجية للدول، وذلك كي يقدّم دراسته عن السياسة الخارجية التركية وتطورها منذ نشأة الجمهورية التركية، مع التركيز على اتجاهاتها الجديدة الساعية إلى تقوية العلاقات مع القوى الكبرى في الغرب والشرق معاً، ضمن تحالفاتٍ مرنةٍ تتجنّب الاعتماد على حليف مُهيمن، وتستفيد من مزايا الاتجاهين، وتُوازِن أحدهما بالآخر في حال التوتر، إضافة إلى اعتمادها في سلوكها الإقليمي على سياسة القوة الخشنة وعلى الدبلوماسية أيضاً بوصفها قوة ناعمة. وهذا يتطلب دراسة جملة الأحداث والمتغيرات المحلية والخارجية 2010 - 2021، التي أثّرت في بلورتها، وتبيان مدى ارتباطها بسياسات تركيا منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، وتلمّس ما أصابها من انقطاع وتواصل.


ويضع قدورة ثلاثة أهداف لكتابه، يتحدّد أولها في التعرف على أهم معالم السياسة الخارجية التركية منذ الاستقلال وإلى عامنا الحالي، وعلى اتجاهاتها بين الشرق والغرب مع تقييم مدى التغير في اتجاهات السياسة الحالية في عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم والرئيس رجب طيب أردوغان، وثانيهما يتمحور حول تحليل العوامل المحلية والخارجية والتحالفات بين القوى الداخلية خلال العقد الأخير، مع تقييم تأثير ذلك على اتجاهات السياسة الخارجية، والتركيز على الاستقلالية، إضافة إلى تحليل محاولات السلطة الحاكمة موازنة العلاقات بين الغرب والشرق، وثالثها يخصّ دراسة التغير في السياسة الخارجية الحالية مقارنة بالسياسات السابقة، واعتمادها على سياسة القوة والتدخل الخارجي بعد عام 2016.


وسعياً إلى بلوغ أهداف الكتاب، يضع قدورة أربع فرضيات يحاول اختبارها عبر صفحاته، تنهض الأولى على اعتبار اتجاه السياسة الخارجية الحالية نحو التوازن في العلاقات مع الشرق والغرب هي سياسة متجددة، وسبق أن اتبعتها تركيا نتيجة شعورها السلبي حيال القوى العالمية، بأنها تسعى إلى إضعافها، الأمر الذي عزّز رغبة قادتها في الاستقلالية منذ تأسيس الجمهورية. وتحيل ثانية الفرضيات إلى اعتبار أن للعوامل والمتغيرات الداخلية دورا مؤثرا في السياسة الخارجية الحالية وسلوكها. وترى ثالثة الفرضيات أن سلوك السياسة الخارجية الحالي ليس جديداً، بل يمزج بين عناصر سابقة مع التفرّد في بعض السياسات. وتركّز رابعة الفرضيات على أن السلوك والاتجاهات الحالية القائمة على تحقيق المصالح القومية عبر سياسة القوة ومحاولة الاستقلالية تزيد من فرص التنافس مع القوى الإقليمية والدولية، ما يستلزم بناء تحالفاتٍ مرنة مع عدة قوى في الغرب والشرق في الوقت نفسه.


ويظهر تتبع جذور السياسة الخارجية التركية ومبادئها والقوى والاتجاهات المؤثرة في تشكيلها خلال الفترة (1923 – 2011) أن مبادئها في (1923 – 1945) تحدّدت في التشديد على مبدأ "سلام في الداخل، سلام في العالم"، الذي وضعه مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، إلى جانب احترام سيادة جميع الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتعاون في حل النزاعات الإقليمية والدولية. وكانت تلك المبادئ تهدف إلى الحفاظ على كيان دولة موحدة للأتراك وتعزيز الاستقلال، لذلك ساد خلال تلك الفترة الجنوح نحو العزلة الإقليمية والحياد الدولي، لكن تركيا تحالفت، خلال فترة الحرب الباردة (1946 - 1991)، مع الغرب في مواجهة الطموحات السوفياتية، وقامت بالتدخل العسكري في قبرص. وبدأت منذ 1991 بالتطلع للقيام بدور إقليمي خلال فترة رئاسة تورغوت أوزال، وبعدها أفضى الحراك السياسي والاجتماعي الداخلي إلى نشوء حركات إسلامية، مثل حركة "الخدمة" التي يتزعمها فتح الله غولن، وحركة "الرؤية الوطنية" التي انشقّت مجموعة منها لتؤسّس حزب العدالة والتنمية، الذي تعاون مع حركة غولن منذ وصوله إلى الحكم عام 2002 حتى بداية الصراع بينهما عام 2013. وأثر ذلك كله في توجهات السياسة الخارجية التركية، حيث اعتمد حزب العدالة والتنمية (الحاكم) على الفاعلية الإقليمية بدلاً من العزلة، وعلى المشاركة الدولية وبناء تحالفات متعدّدة، لكنه حافظ على المبدأ الأساسي التقليدي "سلام في الداخل، سلام في العالم"، واشتملت سياسة الحزب الخارجية على مبادئ وسياسات جديدة راجت في العقد الأول من حكمه، كالتوازن بين الأمن والديمقراطية في الدولة من أجل تأسيس مجال للتأثير في البيئة المجاورة، وسياسة "صفر مشكلات" مع دول الجوار، وتطوير العلاقات الجيدة مع المناطق المجاورة وما وراءها، وتأسيس علاقات متعدّدة التوجهات مع الأطراف الدولية على أساس التوافقات والدبلوماسية المتناغمة من خلال الوجود والمشاركة في كل المنظمات الدولية والإقليمية.


وخلال الفترة (2010 - 2021)، أثّرت جملة من التغيرات والتطورات الداخلية، سواء على صعيد العلاقات في قيادة حزب العدالة والتنمية، أم على صعيد العلاقة مع حركة غولن وأحزاب المعارضة، وأفضت إلى بروز علاقات تنافسٍ وصراع مع انسحاب شخصياتٍ من الحزب، وإعادة تشكيل التحالفات مع الأحزاب والقوى الأخرى، إضافة إلى إعادة تشكيل العلاقات مع المؤسستين، العسكرية والأمنية، والأهم هو تغير طبيعة نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي. وتزامنت تلك التغيرات مع اندلاع الثورات العربية وتوتر علاقات تركيا مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وقوى دولية وإقليمية أخرى. لذلك يتناول المؤلف حيثيات توتر علاقات تركيا مع إسرائيل وارتباطها بحادثة سفينة "مافي مرمرة"، وتأزمها مع كل من الاتحاد الأوروبي، والذي أفضى إلى إغلاق الاتحاد ملف انضمام تركيا إليه، حيث يعزو بداية تأزّمها إلى تعامل السلطات التركية مع احتجاجات حديقة غيزي بارك في إسطنبول صيف 2013. كما يتناول موقف الحكومة التركية من ثورات الربيع العربي، والذي اتسم بالتردّد، في البداية، ثم تحول إلى تأييدها ودعمها، لكن مع تحول الأوضاع في بعض بلدان الثورات إلى صراعات وحروب، وخصوصا في سورية المجاورة وتأثيرها الأمني والاجتماعي على تركيا، بدأت تظهر انتقاداتٌ من أحزاب وحركات داخل تركيا للسياسة الخارجية وللحزب الحاكم في تعامله مع الثورات.


أما العلاقة مع الولايات المتحدة، والتي توطّدت وتوثقت خلال العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، فقد شهدت في العقد الثاني من حكمه توتراتٍ وأزماتٍ عديدة، أسهمت في تعزيز وجهة السياسة الخارجية التركية نحو بناء (وتوطيد) علاقات وشراكات مع دول أخرى، وارتبط تلك التوترات بقضايا عديدة، منها: محاكمة القس أندرو برونسون في تركيا، والدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية في سورية، وشراء تركيا منظومة صواريخ إس 400 من روسيا، وقابلته الولايات المتحدة بوقف تسليم طائرات إف 35 إلى تركيا وإقرارها عقوبات اقتصادية عليها، إلى جانب موقف الولايات المتحدة من المحاولة الانقلابية الفاشلة في عام 2016، لكن الأهم قضية محاكمة "خلق بنك" التركي في الولايات المتحدة، بتهمة الاحتيال وغسيل الأموال والمشاركة في جرائم التهرّب من العقوبات الأميركية على إيران، إضافة إلى رفض تسليم فتح الله غولن إلى تركيا، والذي تتهمه السلطات التركية بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة التي يعتبرها المؤلف أهم متغير على صعيد السياستين، الداخلية والخارجية، كونها أتاحت التخلص مما تبقى من معيقاتٍ كانت تقيد حزب العدالة والتنمية من تنفيذ سياساته الداخلية والخارجية، حيث تمكّن من توجيه ضربة قاضية لجماعة غولن واجتثاثها في الداخل، كما أفضت إلى حدوث تقاربٍ مع حزب الحركة القومية بقيادة دولة بهجلي، الذي بات حليفاً لحزب العدالة والتنمية في الحكم، الأمر الذي مهّد إلى التحول نحو النظام الرئاسي، وإلى تعزيز مكانة الرئيس وسلطاته في البنية الجديدة لاتخاذ القرار الخارجي، وإعادة تأسيس العلاقات بين السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، والتي أثرت بدورها على حشد التأييد الداخلي للنهج الجديد للسياسة الخارجية.


ويعتبر المؤلف أن دخول تركيا مرحلة النظام الرئاسي في عام 2017 التي عزّزت سلطات الرئيس أردوغان أفضى إلى صعود الدبلوماسية الشخصية في السياسة الخارجية التركية بشكل واضح في السنوات القليلة الماضية، لكن بروز شخصية أردوغان وتأثيره في العقدين الماضيين أثارا جدلاً سياسياً لم يقتصر على الشأن الخارجي، بل على مجمل السياسة التركية المعاصرة، حيث يستمر نقاش بشأن سمات شخصيته وكيفية تأثيرها في خيارات تركيا وتوجهاتها السياسية. ويرى المؤلف أن أردوغان يمتلك سمات شخصية دفعته إلى المقدمة، تتحدّد في اعتقاده الجازم بأن في إمكانه التأثير فيما يحدث في البيئة السياسية في تركيا والعالم، وكونه أكثر اهتماماً ونشاطاً وانخراطاً في عملية صنع السياسة، إلى جانب اعتقاده بامتلاك القدرة على السيطرة على الأحداث، بما يفضي إلى توجّه سياسي استباقي، وإلى إدراك أن الحواجز التي تحول دون عمله الناجح يمكن التغلب عليها، إضافة إلى الشعور العام لدى أردوغان بالشك في دوافع الآخرين وأفعالهم.


وفي معرض تناوله التحالفات المرنة والاتجاهات في السياسة الخارجية التركية، يحدّد المؤلف ثلاث سمات رئيسية لها، تتجسّد الأولى في النزعة الاستقلالية، والثانية في اعتبار اتجاهاتها نحو الشرق أو الغرب متجدّدة، وليست جديدة، كونها تمتلك جذوراً منذ نشأة الجمهورية التركية، أما الثالثة فتنتج عن السمتين السابقتين، حيث تميل السياسة الخارجية التركية الجديدة إلى تقليص دورها الوظيفي التابع من خلال بناء تحالفاتٍ مرنة، بدلاً من الاعتماد على حليفٍ مُهيمن، ومن ثم تسعى إلى موازنة علاقاتها بالقوى الخارجية الفاعلة، على أساس المصالح القومية التركية. وعليه، يسعى الاتجاه الجديد في السياسة الخارجية التركية إلى الجمع بين اتجاهي الغرب والشرق معاً، ضمن تحالفاتٍ مرنة، قابلة للاستفادة من كليهما، وقادرة على إحداث التوازن بما يخدم المصالح القومية، والاستفادة من الاتجاهين: حليفها الغربي الأطلسي الضروري، والشراكة الاستراتيجية مع روسيا والصين وإيران، بمنافعها الدفاعية والاقتصادية، من دون التخلي عن أحدهما. وقد بدأت الحكومة التركية، بدعم من الجيش وحزب الحركة القومية، تنفيذ أجندتها بنفسها منذ العام 2016 عبر سياسة القوة والتدخل العسكري في الخارج، اعتماداً على موافقة روسيا أحياناً كما في شمال سورية، وأحياناً بموافقة أميركية كما في ليبيا، وأحياناً أخرى من منطلق ذاتي كما في شرقي البحر المتوسط وفي أذربيجان، والانتشار العسكري وتأسيس القواعد في الخارج كما في قطر والصومال وغيرهما.


وتكمن أهمية الكتاب في تقديمه دراسة علمية واسعة للسياسة الخارجية التركية منذ نشأة الجمهورية، مع التركيز على السنوات العشر الأخيرة، لكنه لا يعير اهتماماً لدبلوماسية المساعدات الإنسانية التي تنتهجها تركيا في سياستها الخارجية، إذ تعتبر هذه المساعدات إحدى أدوات السياسة الخارجية للدول الهادفة إلى تحسين وتعزيز صورتها، وتستخدمها من أجل تعزيز النفوذ وبناء العلاقات بين الدول لضمان الدعم السياسي، خصوصا أن تركيا تعدّ الدولة الأكثر منحاً للمساعدات الإنسانية في العالم مقارنة مع دخلها القومي، حيث تفيد تقارير دولية بأن تركيا قدّمت بين عامي 2002 - 2019 مساعدات إنسانية لـ 140 دولة، قيمتها 49 مليار دولار، الأمر الذي يظهر اعتمادها على المساعدات الإنسانية بوصفها إحدى أدوات قوتها الناعمة في سياستها الخارجية.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3