كتب مالك ونوس: العالم سنة ثالثة كورونا

2022.01.18 - 07:05
Facebook Share
طباعة

 كما في كلّ مرة يظهر فيها وباءٌ أو تقع مصيبة تطاول أبناء الكوكب، وضع فيروس كورونا الذي ظهر قبل سنتين، وانتشر كما النار في الهشيم، العالمَ أمام نفسه وأجبره أن يستكين قليلاً من أجل التفكير بعقل باردٍ، ليرى ما الذي عليه فعله إزاء عدوٍّ مجهري بدا هزيل البنية، لكنه من القوة إلى درجة أنه شكّل تهديداً جدّياً لوجود البشرية، وما زال يشكِّل. تفكيرُ عقلٍ باردٍ عكَّرته ثرثرةٌ وصخب وتسطيح للأفكار، كانت تخرج هنا وهناك لتجعل التخبّط سمة العمل، في ظل التحدّي الوجودي الذي فرضته هذه المشكلة. ومع ولوج العالم سنته الثالثة من المعاناة مع كورونا ومتحوّراته التي تظهر كل فترة، كان واضحاً أن الجهد الذي بذلته الدول التي تنطّعت لمواجهة الفيروس انحصر في التركيز على التخلص منه، من دون التركيز على التخلص من مسبّباته، المسبّبات التي توافق كثيرون على أنها إذا بدأت من مشكلات التغير المناخي والتلوث البيئي لا تنتهي مع واقع تعدُّد أشكال استغلال قوى النظام الاقتصادي الدولي المسيطرة الإنسان لتحقيق أرباح لا تعرف حداً، وإنهاكه وإجهاده بالعمل والفقر، حتى جعلت جسده هزيلاً طيِّعاً أمام أي مرض يستجد فينهكه ليصرعه من حيث لا يحتسب.


وفي لحظات التأمل في هذا الوباء، يطرأ في البال دائماً ما كشفه ظهوره وانتشاره من حقائق ومن ضربٍ للبديهيات، على القدر نفسه الذي يجري فيه التفكير بما يمكن أن تفعله الحكومات والقوى المتحكّمة مستقبلاً مستفيدةً من هذا الدرس. فإذا ما بَرَح الفيروس واختفى، هل يمكن أن تعود هذه الحكومات إلى مطالعة الدرس من أجل الثبات على ما اتخذته من إجراءات، وتنفيذ ما قالت إنه يجب فعله من أجل التخلص من مسبباته؟


أما بالنسبة إلى ما كشفه ظهور الفيروس، فقد أماط اللثام عن حجم التخلف والجهل المقيم لدى كثيرين من أبناء شعوبنا العربية، والذين أثبت جهلهم أنّ عقوداً من التعليم الذي مارسته الحكومات العربية لم يكن هدفه القضاء على الجهل والارتقاء بالعقول، بقدر ما كان الهدف منه إعداد كوادر وظيفية لتشغل مناصب تساعد في استمرار سلطة أنظمة حاكمة. ولعلّ هذا الأمر من أهم الأشياء التي كشفها بسبب ما يمكن اعتباره مصيبة أوجدتها الحكومات والأنظمة، وتبدّت في خطاب النخب الذي جانَبَ الحقائق، وفي تفكيرها وأسلوب حياتها، وهي التي كان مأمولاً أن يكون لها خطاب فارق عن بقية فئات المجتمع.


حين كان الفيروس يتغلغل بين الناس، ويعْبر الحدود حاصداً أرواح أبناء من بعض الدول العربية، كان إعلامها يمارس فعله اليومي في ضخّ معلومات وأقاويل، وسَوق أخبارٍ تتماشى مع السياسات التي تعتمدها أنظمة هذه الدول في تغييب الحقائق وبث الأكاذيب، لا لسبب سوى أن لا وظيفة لهذه الأنظمة وماكيناتها الإعلامية سوى خداع شعوبها، على الرغم من أنّ ثمن ذلك كان يظهر يومياً في أعداد الوفيات المتزايدة بسبب عدم اتباع إجراءات الوقاية من الفيروس، وتحلّلها من وظيفتها المفترضة في حماية شعوبها وتحقيق الأمان لعيشهم في البلدان التي تحكمها. وإذا كان من هذه الأنظمة مَن أصدر بعض القرارات، واتخذ تدابير لمواجهة الجائحة، فإن تلك القرارات بقيت حبراً على ورق، ولم تفرض على الأرض. لذلك لم نرَ الإجراءات اللازمة لفرض التقيد بتلك التدابير استمراراً من هذه الأنظمة في نهجها تمييع القضايا المصيرية، وعدم مشاركة الشعب في القضايا الجديدة، مواصلةً منها في تغييب دوره، حتى لو كان هذا الدور يتمثل بمجرد اكتسابه شعوراً بأنه جزء من منظومة مجتمعية تعدّه مواطناً، أو حتى كائناً بشرياً بات لوجوده أهمية في وقف انتشار المرض، على الأقل، في ظل هذا التهديد الوجودي الذي استجدَّ فجأة. وبدلاً من ذلك، خرج علينا إعلام هذه الأنظمة بسرديات المؤامرة التي جعلت كثيرين يتبنّون هذا الخطاب الخادع، ولم يسلم من ذلك أفراد من الطاقم الطبي الذين دفعوا حياتهم ثمناً للإنكار الذي كانوا عليه.


في حمّى البحث عن طرق ووسائل للنجاة أو الوقاية من الفيروس، تفاءل كثيرون أن يدفع حجم التحدّي الكبير القوى الدولية والاحتكارات وكبار أصحاب رؤوس الأموال لتغيير أسلوب تعاطيهم مع القضايا الإنسانية، وأن يعيدوا التفكير في طريقتهم بإدارة العالم أو الشعوب الأخرى المقهورة، وصولاً إلى التفكير في توزيع جزء من الثروة وكبح غريزة التهافت على الربح وتكديس الثروات وزيادة رؤوس الأموال، ردةَ فعلٍ منها على ما تبيّن من هشاشة اتصف بها الجنس البشري وإمكانية تسبّب هذا الفيروس بإطاحة إمبراطوريات وأباطرة. بل على العكس، أصبح انتشار المرض فرصة لهذه القوى للتربُّح من خلال إيجاد أساليب جديد للاتجار بحاجات الناس، وحتى الاتجار بالطعوم، وأحياناً احتكارها وحرمان دولٍ منها. كما كان فرصةً لها للانقضاض على ما تبقى من مكاسب حققتها الفئات الفقيرة خلال سنوات وعقود من نضالها في الدول الأوروبية والغرب، والانقضاض أيضاً على الحريات التي كانت ميزة بعض هذا الغرب، حريات كانت تخفّف من عدوانية أجهزتها وقواها المسيطرة، وتحقّق لها فرقاً يميِّزها عن قوى العدوان المنتشرة في دول عربية وعالمثالثية كثيرة. ولوحظ خلال فترة الانتشار أن القوى الشعبوية التي تحمل خطاب الكراهية والتمييز وإقصاء الآخر المختلف بالدين أو الرأي قد تعزّزت، وهذا بحدّ ذاته يعدُّ دليلاً وانعكاساً لتراجع الدولة عن دوريها، الرعائي والحمائي.


ويعود السؤال الذي طرأ مع الجائحة وتكرر كثيراً ليحضر الآن: هل ستحمل هذه السنة اختلافاً في الممارسة أو السياسات التي اتبعتها القوى المسيطرة خلال السنتين المنقضيتين من عمر الفيروس، أو حتى خلال ما سبقها من سنوات وعقود، شهدت ما شهدت من حروبٍ وغزوات وإجرام؟ على الرغم من أنّ الجائحة دفعت كثيرين إلى إطلاق نداءاتٍ إنسانية للعودة إلى فكرة التعايش، وتعزيز قيم الخير والتعاون والتضامن والمحبة، فإنّ غريزة البقاء على حساب ضرر الغير التي حاول الإعلام في كلّ مكان إظهار أمثلة عليها بعد انتشار الفيروس لتكريسها، وكذلك استمرار روح العدوان التي بقيت تحوم في أجواء دول كثيرة، ناشرة حروباً مذهبية وصراعات على الثروة والمكاسب، كلّ هذه الوقائع، علاوة على وقائع استمرار بعض الدول في احتكار الأدوية الجديدة ذات القدرة على التخفيف من المرض، تقول إنّ العالم، ومع دخوله سنته الثالثة كورونياً، لم يتعلم الدرس بعد.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4