كتب المهدي مبروك: السطو على الذاكرة في تونس

2022.01.17 - 06:47
Facebook Share
طباعة

 استبقت السلطات التونسية ذكرى إحياء التونسيين لثورتهم يوم 14 جانفي (يناير/ كانون الثاني)، وهو تقليد دأبوا عليه، في مثل هذا اليوم، منذ أسقطوا نظام بن علي قبل 11 سنة، بجملة من الإجراءات التعسفية. ألغى النظام عيد الثورة الذي سُنَّ منذ أكثر من عقد وإعلانه رسمياً يوم عطلة سنوية، وعوضه بيوم 17 ديسمبر/ كانون الأول. ومع ذلك، تمسّك طيف واسع من التونسيين بإحياء هذا اليوم، واستعدوا له منذ أكثر من شهر، وتزامن هذا مع انطلاق إضراب جوع دعا إليه تكتل "مواطنون ضد الانقلاب".


ومع التعبئة الكبيرة التي قوبل بها هذا النداء، توقع الجميع أن يكون تجمّعاً ضخماً لإحراج سلطات الانقلاب، ودفعها إلى التراجع عن غيها، وقد توغلت كثيراً في جعل الأمر الواقع مرجعاً للحياة السياسية، بعد أن شرعت في إجراء استفتاء إلكتروني (استشارة وطنية)، تشرف عليه وزارة تكنولوجيا الاتصالات، حتى تغير، في ضوء نتائجه، النظام السياسي وصيغ الديمقراطية، ضاربة عرض الحائط بما نص عليه الدستور والقانون الانتخابي، بل إنها تجاهلت أن الإشراف على الاستفتاءات من صلاحيات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.


عمدت سلطات الانقلاب قبيل يوم الجمعة إلى منع كل التظاهرات والاحتجاجات وإعلان حظر الجولان ليلاً، بدعوى حرصها على تكثيف الإجراءات الاحترازية، منعاً لانتشار فيروس أوميكرون. لم يصدّق التونسيون أن هذا للحفاظ على صحتهم، بل كانت كل الدلائل تشي بأن القصد منع التجمع الكبير في شارع الحبيب بورقيبة، شارع الثورة كما يسمونه. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن يوم الجمعة يوم عمل بحسب ذلك القرار، تجمع حشد من التونسيين وسط العاصمة، وشارك طيف واسع من أقصى اليسار إلى حركة النهضة في ذلك، إذ ظلت الأحزاب، على مختلف مشاربها، تدعو، منذ أسبوع، إلى المشاركة في يوم الغضب هذا، على غرار الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، علاوة على عشرات الجمعيات، مثل جمعية النساء الديمقراطية والرابطة التونسية لحقوق الإنسان وغيرهما.

عسكر النظام مداخل وسط العاصمة، وركّز آلاف الحواجز لمنع الناس من الاقتراب من المداخل المؤدية إلى شارع الحبيب بورقيبة، وتصدّى للمتظاهرين، مستعملاً خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، وعنفاً كثيراً طاول حتى الصحافيين الأجانب. وانتشرت تلك الصور المسيئة إلى ثورة وقف أحرار العالم إجلالاً وتقديراً لها.



توقع من قرّروا كسر الحظر والمنع ردود الأفعال هذه، خصوصاً في ظل التحرّش بهم منذ أسابيع، ومع ذلك أرادوا اختبار سعة صدر النظام الذي ضاق بهم في مناسبات سابقة، حتى وصفهم بأبشع النعوت: مخمورون، مأجورون، جراثيم، إلخ. لقد اعتاد التونسيون مثل هذه الممارسات التي بيّنت، للأسف، أن المؤسسة الأمنية ظلت على عقيدتها السابقة، وفشلنا جميعاً في تحويلها إلى مؤسسة أمن جمهوري، غير أن ما لم يتعودوه، احتكار التصرّف في الذاكرة الجماعية، وخصوصاً ما يتعلق منها بتاريخهم الحديث. لقد عمد الرئيس زين العابدين بن علي إلى تغيير تواريخ وطنية، فألغى بعضها وأضاف أخرى، وجعل تاريخ انقلابه عيداً وطنياً. أما الرئيس قيس سعيّد، فلن يعمد إلى هذا، وهو الذي اختار عيد الجمهورية تاريخاً لانقلابه. أما أن يختار بجرّة قلم إلغاء عيد الثورة، فهذا بالغ الإساءة لذاكرة التونسيين. وهو منذ بدأ يظهر في وسائل الإعلام باعتباره خبيراً دستورياً، لم يكن ينظر بعين الرضى إلى يوم 14 جانفي، ويلقي جملة غامضة، تفيد بأنه يوم الانقضاض على الثورة وإجهاضها. ولا يعرف أحد سبب هذه القراءة سوى بعض التأويلات التي ترى أن بعض رموز النظام قد ظلوا يؤمنون بفترة انتقالية، وضع الشعب حداً لها، بشكل واضح، حين ذهب إلى أطروحة المجلس التأسيسي والمشاركة الواسعة في انتخابات حرّة ونزيهة، غير أن هناك من يقول إن الرئيس الذي لم يشارك مطلقاً في الثورة ولا في فعاليتها حتى إسقاط النظام يودّ ابتكار سردية جديدة، لا تستطيع أن تنهض دعائمها من دون وأد تاريخ 14 جانفي أصلاً وكل ما نتج منه: نخب سياسية، دستور، إلخ، وهو ما تمكّن من إنجازه، ولم تثنه المقاومة التي يلقاها عن تنفيذ مشروعه هذا.


يبدو في سياسات الذاكرة التي يتبعها النظام كثير من التشفّي، وطمس تاريخ ليس ملك الرئيس أو النخب، بل هو إنجاز أجيال بأكملها، قدّمت تضحياتٍ عديدة، من أجل أن تلغي كل مظاهر الاستبداد والتسلط. والتواريخ ليست أوثاناً، بل هي أخطر، وهي علامات انتماء جماعة إلى تاريخ موحد ومصير مشترك. لذا، لا يشكل التلاعب بها مجرّد تعديل للطقوس، وإنما هو تلاعب بالشعور الجمعي وخلخلة لأسس الاجتماع السياسي لجماعةٍ ما. ليست الذاكرة مهمة المؤرّخين، ولا وظيفة السياسيين، بل هي مهمة الحوارات الوطنية الواسعة.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6