كتب سمير صالحة: مسيرات تركية لإثيوبيا.. من يقلق؟

2021.10.18 - 10:15
Facebook Share
طباعة

 تعرف مصر أكثر من غيرها أن صفقة المسيرات التركية التي ستشتريها إثيوبيا من أنقرة لن تقلب التوازنات العسكرية بين أديس أبابا والقاهرة، وأن الهدف بالنسبة لإثيوبيا هو دفاعي أكثر من أن يكون هجومياً يصل إلى عمليات عسكرية قتالية خارج الحدود. وتعرف القيادة المصرية أيضا أن إثيوبيا ليست على لوائح الحظر الدولي في امتلاك السلاح من الجهة التي تختارها وأن تركيا لها الحق في بيع سلاحها المتطور لمن تشاء. هل مصر غاضبة حقاً من احتمال وجود صفقة تركية إثيوبية من هذا النوع أم أن هناك أطرافاً أخرى منزعجة يهمها توتير العلاقات التركية المصرية التي بدأت تحمل رسائل انفتاح إيجابي في الحوار الثنائي المشترك؟


يقال إن الخطوة التركية أثارت حفيظة مصر التي سرعان ما أبرقت للولايات المتحدة ودول أوروبية في مسعى لتجميد تلك الصفقة. احتمال أن تكون الصفقة أغضبت مصدر التسريبات أكثر مما قد تكون أغضبت القاهرة نفسها لأننا لم نتابع أي موقف رسمي مصري حول ما نشر حتى الآن.


كان هناك أنباء مشابهة في تموز المنصرم نفتها السفارة التركية في إثيوبيا لكن نتائج زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد لأنقرة في منتصف آب المنصرم قد تكون حملت معها عقد صفقة الدرون أيضا بين البلدين.


غضب القاهرة الذي تتحدث عنه بعض وسائل الإعلام العالمية وتحركها لعرقلة الصفقة لدى أميركا وبعض العواصم الأوروبية كما يقال بين أهدافه الرئيسية نسف التقارب التركي السوداني الأخير خصوصا بعد تزامن زيارة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني إلى أنقرة مع وجود رئيس الوزراء الإثيوبي، والإعلان عن العشرات من الاتفاقيات التركية السودانية المتعددة الجوانب والإشارة إلى عرض تركي بالدخول على خط الوساطة في موضوع أزمة سد النهضة. لكن الحقيقة هي أن هناك أكثر من عامل قد يقلق القاهرة ويدفعها لاستغلال صفقة المسيرات لتذكير الحلفاء والشركاء بضرورة التنبه له وإيقافه:


- هناك أولا موضوع الدخول الاستراتيجي التركي الواسع في العقدين الأخيرين إلى عمق القارة السمراء عبر العشرات من البعثات الدبلوماسية ومؤسسات المجتمع المدني والإغاثة والمساعدات الإنسانية والمراكز الثقافية والتعليمية وفي دول مثل السودان والصومال وأريتريا وجيبوتي والنيجر ونيجريا، وهو ما فشلت القاهرة في تحقيق ولو جزئية بسيطة منه رغم موقعها ودورها الإقليمي بسبب فقدانها للقدرات التي تمكنها من ذلك أولا وبسبب النظرة القديمة التي لم تنجح القاهرة في تغييرها ثانيا وهي تتعلق بارتباطات مصر بالسياسات البريطانية في إفريقيا كما كان الوضع في السودان والعديد من دول الجوار المصري وبينها إثيوبيا نفسها قبل عقود.


- ثم هناك نجاح المسيرات التركية في عرقلة المشروع المصري في ليبيا رغم الدعم العسكري لمجموعات حفتر وتجاهل محاولة اختراقه للعاصمة طرابلس التي أفشلتها المسيرات التركية المقدمة لحكومة الوفاق في اللحظة الأخيرة.


- هذا إلى جانب احتمال أن يتحول التنسيق والتعاون التركي الإثيوبي إلى تنسيق استراتيجي تساعد أديس أبابا في فتح أبوابه أكثر فأكثر أمام الانتشار التركي في القارة السمراء، مقابل مساعدة أنقرة لإثيوبيا على تنويع استراتيجيتها الاقتصادية والسياسية والأمنية في إفريقيا رغم أن كلا البلدين أعلنا قبل شهرين أن هذا التنسيق لن يكون ضد دولة ثالثة وهي رسالة مباشرة للقاهرة قبل غيرها.


- طبعا إلى جانب حقيقة انزعاج القاهرة من حجم الاستثمارات التركية في إفريقيا التي بدأت تدر عليها ملايين الدولارات من الأرباح والعوائد الاقتصادية والعسكرية وهي تتم شئنا أم أبينا على حساب الدور المصري هناك.


تعتزم شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية "توساش"، التعاون مع مجلس الهندسة والعلوم الوطني الباكستاني "نيسكوم"، بهدف تطوير طائرات مسيّرة عن بعد. هذه أنباء لا بد أن تزعج القاهرة أكثر. كانت أنقرة تقول على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان، إن تركيا بين أفضل ثلاث أو أربع دول في تصنيع الطائرات المسيرة. وإن حجم صادرات تركيا الدفاعية سنويا ارتفع من 248 مليون دولار إلى 3 مليارات دولار. يبدأ الرئيس رجب طيب أردوغان في 17 من تشرين الأول الحالي، جولة إفريقية جديدة تستمر 4 أيام، وتشمل أنغولا، ونيجيريا، وتوغو بهدف رفع مستوى التنسيق التركي مع هذه البلدان. مواد أخرى قد تستفز البعض في مصر أكثر بكثير من صفقة المسيرات التركية مع إثيوبيا.


لا يمكن للقاهرة أن تنسى مسار وتاريخ العلاقات التركية الإثيوبية الطويل وأن تركيا تعتبر اليوم الشريك التجاري الثاني لإثيوبيا بعد الصين. وأن الاستثمارات التركية هناك تصل إلى نحو 2.5 مليارات دولار. لماذا لا تعترض القاهرة على لوائح مشتريات السلاح الإثيوبي التي تتم مع روسيا والصين وإسرائيل وإيران وعواصم غربية؟ لا بل لماذا لا تعترض القيادة المصرية على مليارات الدولار من الاستثمارات العربية والخليجية تحديدا في أديس أبابا؟ أم هي مجرد مناكفة سياسية نتيجة انتقاد أنقرة للدعم والتنسيق المصري السياسي والعسكري الواسع مع اليونان وقبرص اليونانية والقيام بمناورات مشتركة أمام السواحل التركية وتبني القاهرة للطرح الأوروبي في جزيرة قبرص على حساب حقوق القبارصة الأتراك؟


استنتاج أن تركيا تريد الخروج بمسيراتها إلى ساحة التسويق لمنتجاتها العسكرية أكثر من الذهاب وراء بناء تحالفات أو اصطفافات ضد أحد، وأن تركيا الساعية للترويج لمسيّراتها محدودة التكلفة لا يمكن أن تضع نفسها طرفا في خلافات لا تقدم لها الكثير هو الأقرب للمنطق.


سيناريو حالم هذه المرة. هل ستبيع أنقرة مسيراتها إلى القاهرة إذا ما أبدت الأخيرة رغبة بذلك؟ نعم.


وهي ستفعل ذلك لأنها تعرف أن أي اعتراض مصري على بيع تركيا أسلحتها لإثيوبيا أو محاولة عرقلته أوروبيا أو أميركيا لن يكون لهما أي تأثير. وأن أنقرة لن تأخذ بأي انزعاج إثيوبي حيال خطوة انفتاحية تقدم عليها باتجاه القاهرة لأن أديس أبابا نفسها لن تعترض على الصفقة، فهي قادرة على إيجاد بدائل عديدة لامتلاك هذه الطائرات. هذا إلى جانب ضمانة تركية تقدم للقاهرة أنها ستكون جاهزة لاسترداد المسيرات إذا ما قررت مصر إعادتها نتيجة الضغوطات وردود فعل الشريك اليوناني أو القبرصي اليوناني أو الفرنسي أو رفض بعض العواصم الخليجية لصفقة من هذا النوع.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط 


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4