كتب عبد الباسط سيدا:متغيرات تونس وأفغانستان والمغرب في ضوء المطلوب

2021.09.21 - 02:29
Facebook Share
طباعة

أحداث ثلاثة انشغلت بها في الآونة الأخيرة التيارات السياسية والفكرية في العالمين العربي والإسلامي، وحتى على المستوى العالمي، وأدّت إلى موجات من المناقشات والتحليلات وحملات التأييد والتنديد من ممثلي تلك التيارات وأنصارها الذين توزعوا، في غالبيتهم، بين خانتي المؤيدين والمنتقدين، في حين التزمت قلة محدودة بالتريث ومراقبة التطورات، وذلك بهدف فهم أسباب ما جرى ويجري وحدوده وتبعاته.
والأحداث المعنية هي وفق ترتيبها الزمني: إقدام الرئيس التونسي، قيس سعيّد، على تعليق عمل البرلمان وإقالة الحكومة؛ وسيطرة حركة طالبان على أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي؛ والخسارة المدوية لحزب العدالة والتنمية المغربي. ويبقى الحدث الأفغاني الأكثر جدلاً، لأن حركة طالبان لم تظهر وكأنها القوة المهيمنة من دون منازع على كامل الجغرافيا الأفغانية فحسب، بعد انسحاب القوى الأخرى المنافسة من الساحة، أو تمكّن "طالبان" من إخراجها؛ وإنما بدت الحركة المعنية أيضاً في مظهر القوة المنتصرة على أكبر قوة عسكرية في العالم، بعد عقدين من الوجود الأميركي على الأرض الأفغانية، والمحاولات الحثيثة لتشكيل نظام صديق للولايات المتحدة والغرب، ومعارض لأيديولوجية "طالبان"، وهي المحاولات التي فشلت وكلّفت الأميركان كثيرا من الأموال والطاقات والوقت. ومن أسباب الفشل تجاهل، أو عدم فهم، طبيعة المجتمع الأفغاني وهويته الثقافية؛ والمراهنة، في المقابل، على مجموعات هشّة غير قادرة على مد الجسور مع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية الأفغانية. والأنكى من هذا وذاك أن تلك المجموعات قد احترقت في أتون الفساد، فحدث ما حدث.
لقد أثار هذا الحدث حماس القوى الإسلاموية المتشدّدة في منطقتنا، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والمجتمعية لهذه القوى، لا سيما في العراق وسورية، فأعلنت صراحةً عن فرحها بانتصار "طالبان" الذي استخدمته حجة لتأكيد صوابية نهجها، وأداةً لشد عصب أنصارها، بل اعتبرته نصراً لنفسها. ولكن حملات المباركة والفرح بانتصار "طالبان" لم تقتصر على الإسلامويين المتشدّدين فحسب، بل أصدرت قوى إسلاموية عديدة تصنّف عادة في خانة الاعتدال بيانات التأييد والترحيب. ويُشار هنا، على سبيل المثال، إلى بيان جماعة الإخوان المسلمين السورية، والمجلس الإسلامي السوري. ولعل التفسير الأكثر واقعية لمثل هذه البيانات أنها أتت وسط حالة من العجز التي تعاني منها شعوب المنطقة، في مواجهة أنظمة الاستبداد والفساد من جهة، وسعي مختلف الدول إلى تثبيت مصالحها، وإعلانها، في الوقت ذاته، عن استعدادها للتعامل مع تلك الأنظمة، بموجب توافقاتٍ جديدةٍ، تراعي تلك المصالح، من جهة أخرى.

أخفقت الأحزاب التونسية في تقديم البديل المقنع للشعب الذي منح الثقة لرئيسٍ مستقل، كانت المؤشّرات تؤكد أنه لن يتمكّن من التوفيق بين القوى المتنافسة

ولكن الحدث الطالباني في بداياته، والكل في انتظار الخطوات المقبلة، فقد شكلت الحركة حكومتها من أعضائها البارزين، ولكنها حرصت، في الوقت ذاته، على تقديم طمأنة، ولو لفظية، للأفغان والمجتمع الدولي، عبر القول إنها حكومة تصريف أعمال مؤقتة، ستخضع للتعديلات والتغييرات، بناء على نتائج المباحثات مع القوى الأفغانية الأخرى، وما سيتم إنجازه على الأرض. مع أن المؤشرات لا توحي بأي استعداد فعلي من "طالبان" للانفتاح الجاد على القوى الأخرى، بل الدلائل المتوفرة تفيد بأن الحركة ستعمل من أجل مزيد من التحكّم والسيطرة، وهي ستستفيد من تباين الحسابات والمصالح الدولية، انطلاقاً من أهمية موقع أفغانستان الجيوسياسي، ومواردها الطبيعية، لا سيما المعادن منها. .. ولقد تعذّب الشعب الأفغاني كثيراً، والمطلوب أن تتمكّن القوى السياسية الأفغانية، وحركة طالبان في مقدمتها، من التفاهم، والعمل المشترك، من أجل مستقبل أفضل لهذا الشعب وأجياله المقبلة.
أما الحدث التونسي فيعكس، في جوهره، هشاشة التجربة الديمقراطية التونسية، مقابل قوة قوى الدولة العميقة وتحكّمها في مفاصل الدولة التونسية العسكرية والأمنية والاقتصادية، فقد أخفقت الأحزاب التونسية في تقديم البديل المقنع للشعب التونسي الذي عاقبها على طريقته، ومنح الثقة لرئيسٍ مستقل، كانت المؤشرات جميعها تؤكد أنه لن يتمكّن من التوفيق بين القوى التونسية المتنافسة، وأنه سيضطر، في نهاية المطاف، للانضمام إلى هذه الجهة أو تلك. ويبدو أن هذا ما حصل في الواقع، حينما فتح المعركة مع حزب حركة النهضة، المهيمن على البرلمان، وهو الحزب الذي لم يتمكّن، هو الآخر، من طمأنة الناس، وأخفق في تلبية مطالب الشباب التونسي، وانشغل بالحسابات السلطوية وامتيازاتها، حتى واجه تذمّراً شعبياً عارماً، سرعان ما استغلته الدولة العميقة تحت واجهة رئيس الجمهورية الذي أعلن معركة دستورية في غياب المحكمة الدستورية التي كان من المفروض أن تبتّ في الخلافات. ومع تمديد فترة تعليق عمل البرلمان إلى أجل غير مسمّى، أو إلى إشعار آخر، وفق مصطلحات الخطابات الانقلابية في منطقتنا، يبدو أن الأمور في طريقها نحو مزيد من التصعيد في تونس؛ خصوصا في مناخ عدم وجود حوارات وطنية جادة مطلوبة. وواضح أن قوى الدولة العميقة تراهن على تيئيس الناس، وتبديد إمكانية الحلول الواقعية الممكنة، لتتمكّن مجدّداً من التحكّم في ظاهر الدولة وباطنها، ويعود النظام القديم بحلّة جديدة، وتتلاشى أحلام التوانسة الذين كانوا السبّاقين في حمل شعلة الربيع العربي المنتظر.


وظيفة الدولة العميقة تتمثّل في الأنظمة الديمقراطية في حماية العملية الديمقراطية، وعدم التدخل في شؤونها

أما الحدث المغربي فيمثل الدرس البليغ الذي ينبغي، ومن المطلوب، أن تؤخذ منه العبر، وتُراجَع في ضوئه المشاريع السياسية والفكرية، فما حصل لم يخرج بصورة عامة عن نطاق الدستور الذي وصل بموجبه حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وخسر بموجبه الانتخابات والحكم. وكان هذا الحزب قد وصل إلى الحكم بناء على وعود أعطاها، وشعاراتٍ رفعها، وظل في الحكومة عقدا، وهي مدة طويلة بالنسبة إلى الأنظمة الديمقراطية المستقرّة. ولكنها، بموجب واقع حسابات أنظمة الحكم الأبدية في منطقتنا، تعد فترة قصيرةً لا تذكر. ويُشار هنا، على سبيل المثال، إلى حكم بشار الأسد الذي بدأ قبل أكثر من عقدين بهرطقة "دستورية"، واستمر عقدا بوعود خلبية، تضمّنها خطاب القسم الافتتاحي الذي لم يلتزم صاحبه بأيٍّ من بنوده. وفي العقد الثاني أعلن الحكم المعني الحرب على السوريين الذين طالبوا بالإصلاحات، وطالبوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وحينما أخفق في ترويع الناس، وعجز عن دفعهم مجدّدا نحو الصمت، فتح البلاد أمام الجيوش والمليشيات الأجنبية، ليتمكّن من الاستمرار عبر قتل السوريين، وتهجيرهم، وتدمير مدنهم وبلداتهم، وما زال يستعدّ للاستمرار بدعم من رعاته، ومن المستفيدين من وجوده.
العملية الديمقراطية بصورة عامة لا تكتمل من دون احترام الأحزاب السياسية، بغض النظر عن أيديولوجياتها، قواعد العملية الديمقراطية التي يحدّدها الدستور المعتمد، فعلى هذه الأحزاب، إذا ما ارتضت بتلك القواعد، أن تحترم النتائج، وتقبل بالخسارة مثلما احتفلت بالنجاح. وهذه العقلية هي التي ترسّخ أسس الانتقال السلمي للسلطة. أما وظيفة الدولة العميقة فهي تتمثّل في الأنظمة الديمقراطية في حماية العملية الديمقراطية، وعدم التدخل في شؤونها. هذا في حين أن هذه الوظيفة تأخذ طابع المتحكّم الموجّه، المستعد للتدخل في أي لحظة لتعطيل الحياة الديمقراطية، وفرض الشروط التي تنسجم مع ما يريده صاحب الحكم الفعلي أو أصحابه.

الوجه الديمقراطي في بلداننا، في معظم الأحيان، مجرّد سقف مستعار، وظيفته التزيين، وغالباً ما يتم الاستغناء عنه

ولعل المثال الأميركي في هذا المجال يعد المثال الأوضح، فالرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، أعلن صراحة عن تشكيكه في نتائج الانتخابات الرئاسية، ولم يكن على استعداد لتسليم مقاليد السلطة لخلفه جو بايدن، لولا تيقّنه من استحالة تحقيق ما كان يصبو إليه، وذلك بموجب قواعد اللعبة الديمقراطية، وحيادية الدولة العميقة في الأنظمة الديمقراطية، وحرصها على استمرارية العملية الديمقراطية. أما في بلداننا، فالوجه الديمقراطي، في معظم الأحيان، مجرّد سقف مستعار، وظيفته التزيين، وغالباً ما يتم الاستغناء عنه في حالة استحالة التوفيق بين الهدف والوظيفة.
وفي حال المغرب، يبدو أن القصر قد وجد في الالتزام بالدستور مصلحة له، طالما أنه لا يواجه خطراً حقيقياً يهدّد سلطته ومكانته في الدولة والمجتمع المغربيين. ولهذا ترك السلطة التشريعية للبرلمان، والإدارية للحكومة. وكان في مقدور الدولة العميقة في مصر أن تمارس دوراً من هذا القبيل، إلا أنها آثرت التدخل عبر انقلاب عسكري، فرضت بموجبه ما تريد، ما أدّى إلى خلخلة كبرى في المجتمع المصري، ما زالت ارتداداتها مستمرّة في مصر نفسها، وعلى مستوى المنطقة. فقد كان في مقدور مصر، بحكم حجمها ومكانتها، أن تقدّم تجربة ناضجة، مفيدة لها وللمنطقة، في ميدان إمكانية الانتقال السلمي للسلطة؛ إلا أنها اختارت النقيض، وتمثّلت الحصيلة في الواقع الذي تعيشه غالبية مجتمعاتنا، حيث استمرارية دورة العنف والفساد وعدم الاستقرار، وتلاشي الآمال بمستقبلٍ مشرقٍ يضمن حياة أفضل للأجيال المقبلة.

المصدر:متغيرات تونس وأفغانستان والمغرب في ضوء المطلوب (alaraby.co.uk)

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5