أعادت الحرب تشكيل حركة النقل العام في جنوب لبنان، بعدما تراجعت أعداد الركاب بصورة حادة، وانخفضت الرحلات اليومية، فيما خرجت خطوط كاملة من الخدمة نتيجة تراجع الحركة السكانية والاقتصادية واستمرار المخاوف الأمنية. وبين صيدا والنبطية، تكشف المقاعد الفارغة والمواقف الأقل ازدحاماً عن تغيرات تتجاوز قطاع النقل إلى تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة.
اقرأ أيضاً:واشنطن تبرر مجزرة النبطية والاحتلال يصعّد عدوانه جنوباً
قبل الحرب، كان موقف النبطية يشهد حركة نشطة على الخطوط المتجهة إلى بيروت وصيدا ومناطق الجنوب. ويقول عضو نقابة «الفانات» في لبنان رمزي درويش إن ما بين 40 و50 فاناً كان ينطلق يومياً من النبطية باتجاه بيروت، إلى جانب خط مستقل نحو صيدا، بينما كانت الرحلات تغادر بحمولات أكبر وبوتيرة منتظمة.
يقدّر درويش أن حركة «الفانات» تراجعت بما لا يقل عن 90%، مشيراً إلى أن السائق الذي كان ينفذ عدة رحلات يومياً بات يقوم بنحو 5 رحلات فقط، تحمل كل منها عادة 8 إلى 9 ركاب موزعين بين بيروت وصيدا، بعدما كان عدد الركاب يصل إلى نحو 14 راكباً في الرحلة الواحدة قبل الحرب.
لم يعد انخفاض عدد الركاب التحدي الوحيد أمام السائقين، إذ ارتفعت في المقابل نفقات التشغيل. ويشير درويش إلى أن سعر صفيحة البنزين، البالغة سعتها 20 لتراً، وصل إلى نحو 29 دولاراً، بينما تتراوح الحمولة الحالية للفان بين 8 و10 ركاب، ما يجعل العائد من الرحلة محدوداً مقارنة بتكاليف الوقود والصيانة.
دفع هذا الواقع بعض السائقين إلى التوقف عن العمل، بينما يواصل آخرون تشغيل مركباتهم برحلات أقل مردوداً للحفاظ على مصدر دخلهم. ويربط درويش استمرار العمل بمحاولة البقاء في السوق إلى حين تحسن الظروف وعودة الحركة إلى المناطق التي تخدمها هذه الخطوط.
اقرأ أيضاً:مرقص يكشف تعديلات الموازنة ولجنة لبحث مطالب العسكريين
تأثرت شبكة النقل نفسها بهذا التراجع، إذ كانت النبطية ترتبط قبل الحرب بمرجعيون وبنت جبيل، إلى جانب بلدات حدودية مثل كفركلا والعديسة ورب ثلاثين. هذه الخطوط توقفت بالكامل، بحسب درويش، ما أدى إلى انقطاع وسيلة نقل كانت تربط تلك المناطق بمراكز العمل والتعليم والخدمات في النبطية وغيرها.
لم تعد الطرق تؤدي الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية ذاتها التي كانت تؤديها قبل الحرب. فقد تحولت بعض المسارات خلال فترات التصعيد إلى طرق للنزوح، ثم استُخدمت في عمليات العودة، فيما بقيت حركة الوصول إلى عدد من البلدات مرتبطة بالوضع الميداني وبمدى عودة السكان إليها.
انعكس تراجع النشاط السكاني على النقل بصورة مباشرة؛ فعندما تتراجع حركة الموظفين والطلاب والمتسوقين والمرضى، تنخفض الحاجة إلى الرحلات، وتتقلص معها قدرة السائقين على تغطية تكاليف التشغيل. لذلك باتت حالة المواصلات مؤشراً على حجم التعافي في المناطق الجنوبية أكثر من كونها مشكلة منفصلة تخص أصحاب «الفانات».
تكشف الرحلة بين صيدا والنبطية عن هذه التحولات بوضوح؛ فالمسافة الجغرافية بقيت كما هي، لكن حركة الناس فوقها تغيرت. عدد أقل من الركاب، رحلات محدودة، كلفة تشغيل مرتفعة، وخطوط توقفت عن الوصول إلى بلدات كانت جزءاً ثابتاً من شبكة النقل.
يرى درويش أن استعادة نشاط النقل تحتاج إلى عودة السكان إلى قراهم واستئناف الأعمال والدراسة والخدمات، باعتبار أن قطاع المواصلات مرتبط مباشرة بالدورة الاقتصادية والاجتماعية. عودة هذه الحركة ستحدد بدورها قدرة الخطوط المتوقفة على استعادة نشاطها، وعودة المواقف الجنوبية إلى مستويات الإقبال التي كانت تعرفها قبل الحرب.