في أسواق دمشق القديمة، تبرز المشغولات الصدفية والنحاسية والصناديق الخشبية كخيارات مألوفة أمام الباحثين عن تذكارات تحمل طابع المدينة، فيما يتراجع حضور الأقمشة الدمشقية رغم ارتباطها التاريخي باسم دمشق وتقاليدها الحرفية.
يكشف هذا التراجع تحولاً في موقع النسيج الدمشقي داخل الحياة اليومية، بعدما كان حاضراً في الملابس والمفروشات ومظاهر اجتماعية مختلفة. كما يثير تساؤلات حول أسباب ابتعاد هذا المنتج عن سوق الهدايا والتذكارات، وعن المسافة التي نشأت بينه وبين الأجيال الجديدة، خصوصاً مواليد ما بعد عام 2000.
توضح الباحثة في التراث الشعبي والمتخصصة في الأزياء والمنسوجات الشعبية هتون مقرش أن دمشق شكلت تاريخياً مركزاً مهماً للحياكة وصناعة الأقمشة وتجارة الحرير، ونشأت حول هذه الصناعة منظومة واسعة من الحرف، بينها المسدي والملقي والمزايكي والصباغ والحائك والدقاق.
ارتبطت بعض العائلات الدمشقية بهذه المهن، فظهرت كنى مثل الحائك والدقاق والصباغ، قبل أن تنحسر معظم تلك الحرف مع مرور الزمن، ولم يبق منها سوى الحياكة والصباغة بصورة محدودة.
تحولات الصناعة والخامات
كانت صناعة الأقمشة الدمشقية تعتمد قديماً على النول العربي الخشبي، وتستخدم خيوط الحرير والقطن بصورة يدوية. انتقلت الصناعة لاحقاً إلى الأنوال الآلية، ثم شهدت تحولاً إضافياً مع بدء إنتاج الأقمشة الدمشقية في حلب قبل نحو ربع قرن، ودخول خيوط البولستر إلى عمليات التصنيع.
ساهم استخدام البولستر في خفض الأسعار، كما أدى إلى اختلاف خصائص بعض المنتجات بحسب الغرض منها. يظهر ذلك بوضوح في البروكار، إذ أثبتت الخيوط الصناعية ملاءمة أكبر للمفروشات بسبب متانتها، بينما ظل البروكار المصنوع من الحرير الطبيعي أكثر ملاءمة للملابس والشالات، مع ارتفاع كلفته وندرة إنتاجه.
تتنوع الأقمشة الدمشقية بين الصاية، التي تعد من أقدم الأنواع، والبروكار الطبيعي والأغباني والألاجا والدامسكو، إلى جانب أنواع أخرى ارتبطت بصناعة النسيج الدمشقية.
من ملابس النوم إلى الأزياء والديكور
تغيرت استخدامات هذه المنسوجات مع تبدل أنماط الحياة. كانت الصاية في ستينيات القرن الماضي وما قبلها تستخدم لصناعة ملابس النوم، وكانت ألوانها تقتصر على الأبيض، ثم توسعت استعمالاتها لتدخل في تفصيل العبايات النسائية والرجالية، مع إضافة التطريز إليها.
حافظ الدامسكو بصورة أساسية على استخدامه في أغطية الطاولات، بينما ارتبط البروكار في بداياته ببدلات العرائس، قبل أن يؤدي تنوع ألوانه إلى توسيع نطاق استخداماته.
يحمل البروكار الطبيعي قيمة أعلى من الأنواع الأخرى بسبب استخدام الحرير الطبيعي ودخول خيوط دقيقة من الذهب والفضة في بعض أنماطه، فيما أصبح الإنتاج الصناعي أكثر انتشاراً نتيجة انخفاض تكلفته وتعدد استخداماته.
لماذا تراجع حضوره كتذكار؟
تربط مقرش جانباً من تراجع القماش الدمشقي في سوق التذكارات بطبيعته كمنتج. فالمشغولات الصدفية والنحاسية، على سبيل المثال، تصل إلى الزائر في صورة قطع مكتملة يمكن استخدامها أو عرضها مباشرة، وتحمل شكلاً بصرياً يسهل ربطه بدمشق.
أما النسيج فيظهر غالباً كمادة تدخل في الملابس أو المفروشات، ما يجعله أقل حضوراً كقطعة مستقلة قابلة للاقتناء. ويؤدي محدودية تحويله إلى منتجات صغيرة وعملية تحمل ملامح واضحة للمدينة إلى تقليص فرصه في سوق الهدايا.
تظهر هذه الفجوة أيضاً في معرفة الأجيال الجديدة بالمنسوجات الدمشقية، إذ بات المنتج أقل ارتباطاً بتفاصيل الحياة اليومية مقارنة بما كان عليه في العقود السابقة.
الأسواق التي ما زالت تستقبل المنتج
تتركز مبيعات الأقمشة الدمشقية خارج السوق المحلية بدرجة كبيرة في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها ليبيا، ثم تونس والمغرب. يحظى المنتج كذلك باستخدام لدى نساء في فلسطين والأردن، خصوصاً كـ«زنار» يضاف إلى الفساتين التراثية.
تختلف الأسعار تبعاً لنوع القماش والخامة وطريقة إنتاجه، لكن سعر متر الأنواع المتداولة لا يتجاوز 15 دولاراً. يبقى البروكار المصنوع من الحرير الطبيعي خارج هذه المقارنة، نظراً إلى ندرة إنتاجه وارتفاع قيمته.
إعادة القماش إلى الحياة المعاصرة
ترى مقرش أن إبقاء النول اليدوي أو عرض المنسوجات في المعارض لا يكفي وحده للحفاظ على القماش الدمشقي بوصفه جزءاً حياً من هوية المدينة. وتدعو إلى إعادة تقديمه ضمن منتجات تناسب الاستخدام الحديث، مثل الأوشحة والحقائب والمحافظ والصناديق، إلى جانب توسيع حضوره في الملابس والإكسسوارات والديكور والمنتجات الثقافية.
تحتاج هذه الخطوة أيضاً إلى تعريف المستهلك بأنواع المنسوجات وتقنيات إنتاجها ونقوشها والخامات الداخلة فيها. فمعرفة قصة القطعة ومصدرها وطريقة تصنيعها تمنحها قيمة ثقافية تتجاوز وظيفتها العملية.
يمكن للقماش الدمشقي، بهذه المقاربة، أن ينتقل من مادة تراثية مرتبطة بالماضي إلى منتج معاصر يحتفظ بخصوصيته التاريخية، ويجد لنفسه مساحة جديدة في الأسواق والحياة اليومية، بما يساعد على استمرار الحرفة وتجديد صلتها بهوية دمشق.