قرى النبطية تواجه موجة جديدة من القصف والنزوح

2026.09.08 - 16:07
Facebook Share
طباعة

تحولت قرى وبلدات قضاء النبطية في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة إلى ساحات لاستهداف إسرائيلي متواصل، طاول السكان والمنازل والمرافق العامة والخدماتية، وأعاد مشهد الدمار والنزوح إلى منطقة كانت قد بدأت تستعيد جزءاً من حياتها بعد اتفاق الإطار. وسجلت بلدة كفررمان فجر الاثنين واحدة من أكثر الهجمات دموية، مع استشهاد 11 شخصاً وإصابة 8 آخرين، بينهم أطفال ونساء ومسعف.

اقرأ أيضاً:إسرائيل تصعّد جنوب لبنان.. قصف وتوغل في كفرشوبا

 

امتدت الغارات خلال الأيام الثلاثة الماضية إلى كفررمان، عربصاليم، النبطية الفوقا، النبطية التحتا، حي الراهبات، زوطر الغربية والشرقية، ميفدون، حي المسلخ، الكفور، دير الزهراني، كفرتبنيت، إضافة إلى منطقة الدبشة الواقعة عند أطراف النبطية الفوقا وطريق سجد ـ الريحان في إقليم التفاح. شملت الاعتداءات كذلك بلدات أخرى ضمن القضاء ومحافظة النبطية، بالتزامن مع عمليات تفجير وتدمير أدت إلى اتساع رقعة الأضرار.

 

تزامن التصعيد مع عودة محدودة للسكان إلى المنطقة بعد توقيع اتفاق الإطار في 26 يونيو/حزيران الماضي، إذ بقيت هذه العودة غير مستقرة في ظل انعدام الثقة بالتعهدات والضمانات القادرة على وقف الاعتداءات أعادت الضربات الأخيرة دفع أعداد كبيرة من الأهالي إلى مغادرة منازلهم، وسط مخاوف من اتساع نطاق العمليات، خصوصاً مع بروز حديث عسكري وسياسي عن أهمية المرتفعات المحيطة بمدينة النبطية عقب إعلان إسرائيل السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر.

 

لم تقتصر الأضرار على المنازل والأحياء السكنية، إذ طالت منشآت صحية وطبية ورسمية وشبكات البنية التحتية تعرض مستشفى غندور للتدمير الكامل، في وقت استمر استهداف المباني القديمة والقصور والفيلات ذات القيمة المعمارية والثقافية. من أبرز الأبنية المتضررة منزل الطبيب عدنان الشريف التراثي في حي الراهبات، الذي انتقل إلى آل جابر ويعود تاريخ بنائه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وكان من آخر المنازل التراثية التي بقيت قائمة في النبطية.

اقرأ أيضاً:المحروقات تواصل الارتفاع في لبنان.. والشتاء يفاقم أعباء الأسر

 

طال الدمار أيضاً قصر الشاعر والنائب السابق الراحل حبيب صادق في الكفور، وهو مبنى ارتبط بالذاكرة الثقافية للجنوب. تأتي هذه الأضرار امتداداً لاستهدافات سابقة طاولت معالم عمرانية وتراثية خلال عدوان مارس/آذار 2026، ما عمّق الخسائر التي لحقت بالهوية المعمارية للمنطقة إلى جانب الأضرار المادية.

 

تعد مدينة النبطية المركز الإداري والاقتصادي الأبرز في جنوب لبنان، إذ تضم الدوائر الحكومية والمؤسسات الأساسية التي تقدم خدماتها لسكان المنطقة. خلال الحرب الأخيرة تعرضت المدينة لهجمات واسعة أدت إلى استشهاد ما لا يقل عن 170 شخصاً، مع تركيز القصف على الأسواق التجارية والتراثية والمنشآت الاقتصادية والمدارس والدوائر الرسمية والمقابر والأضرحة، فضلاً عن مقار البنك المركزي والدفاع المدني والأحياء السكنية.

 

من أبرز المواقع التي طاولها القصف حي السراي الأثري وسوق النبطية التاريخي، حيث دمرت محال ومبانٍ قديمة وتضررت مؤسسات ودوائر رسمية. تعرض المركز الرئيسي للدفاع المدني للتدمير الكامل، بينما غيّرت الضربات ملامح أجزاء واسعة من المدينة، التي تحولت مساحات منها إلى ركام وأنقاض.

 

قال رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين إن نحو 90 إلى 95% من سكان المدينة غادروها إثر الاعتداءات الأخيرة، مشيراً إلى أن الحركة الحالية تقتصر بدرجة كبيرة على بعض السكان الذين يحاولون نقل مقتنياتهم، فيما فتحت أعداد محدودة جداً من المحال أبوابها الثلاثاء. وصف فخر الدين الوضع بالمأساوي، معتبراً أن التطورات الميدانية لا تسمح بالتعامل مع الهدوء الحالي باعتباره مستقراً.

 

أشار فخر الدين إلى أن ست قرى في قضاء النبطية تقع تحت السيطرة بالنار الإسرائيلية، وهي زوطر الشرقية وزوطر الغربية ويحمر والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وأرنون. تحدث كذلك عن تقديرات تتناول احتمال توغل إسرائيلي داخل مدينة النبطية، لكنه اعتبر أن السيطرة على مواقع الدبشة والطهرة وعلي الطاهر تمنح إسرائيل قدرة على التحكم بالنار بالمناطق المحيطة من دون الحاجة إلى التقدم نحو مراكز البلدات.

 

ربط رئيس البلدية هذا التصور بالانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل، قائلاً إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يريد أن يجعل الدم اللبناني حاضراً في حساباته الانتخابية. أضاف أن السيطرة على التلال المرتفعة كانت جزءاً من التصور العسكري الإسرائيلي قبل عام 2000، معتبراً أن التطورات الحالية تعيد طرح هذا السيناريو بصورة مختلفة.

 

شملت الضربات أيضاً النبطية الفوقا وكفرتبنيت وزوطر ويحمر، إلى جانب الطيبة والقنطرة ودير سريان في قضاء مرجعيون بمحافظة النبطية، بحسب فخر الدين. اعتبر أن استمرار القصف على هذه المناطق يعكس اعتماداً على السيطرة الميدانية على المرتفعات، مع وجود مخاوف من التقدم نحو التجمعات السكنية.

 

أكد فخر الدين دعم البلدية لوجود الجيش اللبناني داخل المدينة، داعياً إلى تعزيز دور المؤسسات الرسمية. انتقد في المقابل الدعوات إلى اعتبار تلة علي الطاهر أو مناطق أخرى نطاقاً تجريبياً، مستشهداً بوضع زوطر الغربية التي أُدرجت ضمن المنطقة التجريبية الأولى، لكنها بقيت عرضة للاستهداف.

 

واتهم إسرائيل بعدم الالتزام بالتفاهمات التي أعقبت وقف إطلاق النار واتفاق الإطار، وقال إن القوات الإسرائيلية وسعت نطاق سيطرتها بالنار نحو قرى جديدة وتواصل تدميرها، قبل توجيه اتهامات إلى حزب الله بخرق الاتفاق. جاءت هذه التصريحات في سياق سجال سياسي وأمني متصاعد حول تطبيق التفاهمات ومستقبل الانتشار العسكري في المنطقة.

 

في مواجهة هذا المشهد، أطلق عدد من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب ما سموه «نداء النبطية 2»، عقب نداء سابق صدر في يونيو/حزيران الماضي. دعا الموقعون إلى انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية داخل النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، مع تولي الدولة مسؤوليتها الكاملة عن الأمن، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الرسمية.

 

طالب النداء بتحرك سياسي ودبلوماسي عاجل على المستويين العربي والدولي لوقف الاعتداءات ومنع توسع نطاق الاحتلال. أكد الموقعون أن النبطية مدينة لبنانية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة صراع لأي محور أو جهة سياسية، مشددين على ضرورة استعادة الدولة لدورها وإنهاء ازدواجية القرار، باعتبار ذلك مدخلاً لحماية المدينة والجنوب وتعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على مواجهة المخاطر الأمنية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7

اقرأ أيضاً