134 قتيلاً في سوريا.. هل تنجح الدولة في حصر السلاح؟

نور عادل - دمشق - وكالة أنباء آسيا

2026.09.08 - 09:46
Facebook Share
طباعة

134 ضحية
سجّلت سوريا منذ مطلع عام 2026 مقتل 134 شخصاً نتيجة الرصاص الطائش وإطلاق النار عن طريق الخطأ، في حوادث مرتبطة بانتشار الأسلحة والقنابل بين المدنيين، بينهم 86 رجلاً و42 طفلاً و6 نساء، فيما أُصيب 142 شخصاً آخرين.
وسُجّل الجزء الأكبر من هذه الخسائر في مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية، حيث قُتل 114 شخصاً، بينهم 34 طفلاً و4 نساء، وأصيب 116 آخرون.
وتأتي هذه الحصيلة رغم الإجراءات التي أعلنتها السلطات السورية خلال الفترة الماضية لحصر السلاح وتنظيم تراخيص حمله، إلى جانب إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية ودمج عدد من الفصائل ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.
لكن استمرار حوادث إطلاق النار والاقتتالات المحلية يطرح تساؤلات حول حجم السلاح الذي لا يزال خارج المؤسسات الرسمية، وقدرة الدولة على حصره، فضلاً عن قضايا التراخيص وسلاح المقاتلين السابقين وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، المعروفة اختصاراً بـ"DDR"، ومدى ارتباط ذلك بالثقة بمؤسسات الدولة ومسار العدالة الانتقالية.

اقرأ أيضاً: الرئاسة السورية تعيد معاشات متوقفة لأسباب أمنية


سلاح في الحياة اليومية
رغم إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية ودمج معظم الفصائل ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، لا تزال الأسلحة الفردية تظهر في حوادث يومية بعيدة عن العمل العسكري والأمني.
وخلال الأيام الأخيرة، قُتل طفل يبلغ من العمر 10 أعوام داخل منزله في بلدة تل شهاب بريف درعا، بعدما أصيب بطلق ناري أثناء العبث بسلاح.
وفي 5 أيلول/سبتمبر، قُتل شاب في ريف حمص الغربي إثر خروج طلقة من سلاحه عن طريق الخطأ أثناء تنظيفه. وقبل ذلك بأيام، توفيت طفلة في بلدة كللي بريف إدلب متأثرة بإصابتها برصاصة أطلقت خلال حفل زفاف.
ولا يقتصر انتشار السلاح على الحوادث الفردية والمناسبات، إذ سُجّل منذ بداية العام 125 اقتتالاً عائلياً وعشائرياً، أسفرت عن مقتل 103 أشخاص وإصابة 220 آخرين، بينها 114 حالة اقتتال في مناطق سيطرة الحكومة.
وتكشف هذه الوقائع أن السلاح لا يزال حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، سواء من خلال الحوادث العرضية أو النزاعات المحلية التي تتحول في بعض الحالات إلى مواجهات مسلحة.

اقرأ أيضاً: أسعار السويداء تقفز.. أزمة عبور أم احتكار داخلي؟


خطوات حكومية
بدأت الحكومة السورية خلال عام 2025 تحويل ملف حصر السلاح إلى إجراءات تنفيذية.
وفي 6 أيار/مايو، بحث وزيرا الدفاع مرهف أبو قصرة والداخلية أنس خطاب سبل البدء بعمليات حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب منع وصوله إلى المجموعات الخارجة عن القانون وضبط تهريبه عبر الحدود.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن الوزارة تعمل مع وزارة الدفاع على إعداد حزمة من القوانين للحد من السلاح المنفلت ووقف انتشاره، فيما بدأت وزارة الدفاع السورية العمل على بطاقات لحمل السلاح للعناصر والضباط ضمن إجراءات تنظيمية داخل المؤسسة العسكرية.
وعلى المستوى المحلي، أصدرت قيادة الأمن الداخلي في درعا في أيلول/سبتمبر 2025 قراراً يمنع حمل السلاح في الأماكن العامة أو التباهي به أو استخدامه في المناسبات والتجمعات، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
وفي محافظات أخرى، نفذت الأجهزة الأمنية حملات لضبط أسلحة وذخائر وملاحقة أشخاص متهمين بالاتجار بها.
وفي آذار/مارس 2026، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم 55، الذي حصر حصول شركات الحماية والحراسة الخاصة على الأسلحة والذخائر عبر وزارة الداخلية السورية، ومنع حراسها من حمل السلاح خارج نطاق العمل.

اقرأ أيضاً: طرطوس.. توقيف لواء سابق متهم بانتهاكات خلال الثورة السورية


الدمج لا يكفي
لا يعني دمج الفصائل في وزارتي الدفاع والداخلية أن ملف السلاح حُسم تلقائياً.
ويقول المحقق المختص بجرائم الحرب ومدير "الآلية السورية للتحقيق" ياسر شالاتي إن السلاح الموجود خارج مؤسسات الدولة لا يقتصر على الفصائل التي جرى دمجها، بل يشمل أيضاً مجموعات وميليشيات سابقة وتشكيلات عشائرية لا تزال تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة.
وتمتد المشكلة، بحسب شالاتي، إلى بعض عناصر المؤسسات العسكرية والأمنية أنفسهم، عندما يحتفظ العنصر بسلاحه خارج مكان خدمته، سواء في المنزل أو السيارة، أو يستخدمه في خلافات شخصية.
وبرأيه، لا يمكن الحديث عن حصر كامل للسلاح حتى لو كان حامله منتسباً رسمياً إلى وزارة الدفاع أو الداخلية.


مسار DDR
في الدول الخارجة من النزاعات، تُستخدم برامج "DDR"، أي نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لجمع أسلحة المقاتلين وإنهاء ارتباطهم بالتشكيلات المسلحة، ثم إعادة دمجهم في الحياة المدنية أو ضمن مؤسسات الدولة وفق ضوابط محددة.
لكن شالاتي يرى أن تطبيق نموذج جاهز من هذه البرامج في سوريا لن يكون مناسباً بصورة مباشرة، بسبب اختلاف أوضاع المناطق وتعدد الجهات التي تحمل السلاح.
ويقول إن أي برنامج من هذا النوع يحتاج أولاً إلى قراءة خاصة للحالة السورية وإرادة سياسية واضحة من أعلى مستويات السلطة.
كما ينتقد استعانة الحكومة بتشكيلات عشائرية مسلحة في بعض النزاعات، معتبراً أن منحها دوراً عسكرياً أو سياسياً قد يمنح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شرعية لبقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.


الثقة قبل السلاح
لا يرتبط التخلي عن السلاح بالقرارات الأمنية وحدها، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات وانقسامات محلية.
فبالنسبة إلى بعض السكان، لا يزال السلاح وسيلة للحماية الشخصية في ظل مخاوف من تجدد العنف أو عدم قدرة المؤسسات الأمنية على التدخل لحمايتهم عند الحاجة.
وتزداد هذه المخاوف في المناطق التي شهدت توترات طائفية أو عشائرية، حيث يرتبط قرار التخلي عن السلاح بمدى ثقة السكان بالشرطة والقضاء وقدرة الدولة على توفير الحماية بصورة متساوية.
ويربط شالاتي بين استعداد المدنيين والمقاتلين السابقين للتخلي عن أسلحتهم وبين شعورهم بالأمان وثقتهم بمؤسسات الدولة.
ويقول إن من الصعب مطالبة شخص بتسليم سلاحه إذا كان يعتقد أنه قد يتعرض لهجوم ولا يثق بأن الدولة قادرة على حمايته، مشيراً إلى السويداء باعتبارها مثالاً على تعقيد الملف في المناطق التي شهدت مواجهات بين قوات حكومية ومجموعات محلية أو عشائرية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الأمني، إذ تتضمن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، وتأمين فرص عمل أو بدائل اقتصادية تساعدهم على التخلي عن السلاح وما يرتبط به من مصدر دخل أو نفوذ.


السلاح والعدالة
يظهر أثر انتشار السلاح أيضاً في النزاعات التي لا ترتبط مباشرة بالعمل العسكري، مثل الخلافات العائلية والعشائرية التي تتحول في بعض الحالات إلى مواجهات مسلحة.
وسُجلت في مناطق سورية عمليات قتل استهدفت أشخاصاً متهمين بالعمل مع النظام السابق أو المشاركة في انتهاكات، بعيداً عن المحاكم، ما يضع ملف السلاح أمام مسار آخر يتمثل في العدالة الانتقالية.
ويرى شالاتي أن استمرار السلاح الفردي يشكل عائقاً أمام العدالة الانتقالية، لكنه يربط المشكلة أيضاً بعدم وجود مسار واضح للمحاسبة يدفع الناس إلى الاعتقاد بأن دور السلاح انتهى.
ويقول إن شعور الضحايا أو عائلاتهم بغياب العدالة، أو بوجود انتقائية في التعامل مع السلاح بين منطقة وأخرى أو مجموعة وأخرى، قد يجعل الاحتفاظ به خياراً قائماً.
وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحول السلاح من وسيلة للحماية إلى أداة للثأر أو لتسوية الخلافات خارج القضاء.
ويستشهد شالاتي بحادثة حديثة في دير الزور، قال إن خلافاً بين أبناء عمومة شهد استخدام أسلحة متوسطة، قبل أن تعتقل السلطات ستة أشخاص على خلفية النزاع، من دون أن يتضح، بحسب قوله، كيف جرى التعامل مع الأسلحة المستخدمة.
كما تتكرر في مناطق سورية حوادث تصفية لأشخاص متهمين بالعمل مع النظام السابق، إلى جانب نزاعات عائلية وعشائرية تستخدم فيها الأسلحة النارية.


كيف تستعيد الدولة القوة؟
يتطلب حصر السلاح إجراءات تتجاوز منع حمله في الأماكن العامة أو تنظيم التراخيص.
فالملف يشمل الأسلحة الموجودة لدى المدنيين والمقاتلين السابقين، وضبط تجارة السلاح والذخيرة، وتحديد الجهة المسؤولة عن التسجيل والمتابعة، إلى جانب توحيد الإجراءات بين المحافظات.
وتطرح تجارب الدول الخارجة من النزاعات أدوات مختلفة، بينها برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج التي تجمع بين تسليم الأسلحة وإعادة المقاتلين السابقين إلى الحياة المدنية، لكن طبيعة كل نزاع تحدد شكل البرنامج وآليات تنفيذه.
ويرى شالاتي أن الخطوة الأولى لحصر السلاح لا تبدأ بجمعه فقط، بل بمعالجة الأسباب التي تدفع الأفراد والمجموعات إلى الاحتفاظ به.
ويقول إن ذلك يتطلب تعزيز مسار العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات، وفتح نقاش أوسع حول ما جرى خلال سنوات النزاع، ومن هم الضحايا والمسؤولون عن الانتهاكات.
كما يدعو إلى مراجعة المسارات السياسية والمؤسساتية التي بدأت خلال المرحلة الانتقالية، بما فيها الحوار الوطني والإطار الدستوري وتمثيل المؤسسات التشريعية.
ويضيف أن برنامجاً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يمكن أن يكون جزءاً من الحل، شرط تصميمه وفق الواقع السوري وعدم نقل نموذج جاهز من دولة أخرى.
ويشمل ذلك التعامل مع السلاح الموجود لدى المقاتلين السابقين، إلى جانب توفير فرص اقتصادية واجتماعية تساعدهم على العودة إلى الحياة المدنية.


تجربة سيراليون
يستشهد شالاتي بتجربة سيراليون، حيث شملت برامج نزع السلاح عشرات آلاف المقاتلين السابقين، إلى جانب توفير التدريب والتعليم والدعم الاقتصادي لجزء كبير منهم.
وبحسب الأمم المتحدة، جرى نزع سلاح وتسريح أكثر من 75 ألف مقاتل، وجمع أكثر من 42 ألف قطعة سلاح، فيما حصل نحو 55 ألف مقاتل سابق على برامج لإعادة الإدماج.
لكن نقل هذه التجربة إلى سوريا بصورة حرفية يظل غير مناسب، وفق شالاتي، بسبب اختلاف طبيعة النزاع وتعدد القوى المحلية وتفاوت الأوضاع الأمنية والاجتماعية بين المناطق. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2