بين دمشق وبيروت.. رحلة قصيرة بكلفة مضاعفة

اعداد سامر مارديني

2026.09.07 - 19:21
Facebook Share
طباعة

لم تعد المسافة القصيرة بين دمشق وبيروت تعكس بالضرورة سهولة التنقل بين البلدين، إذ تحولت الرحلة بالنسبة إلى بعض السوريين إلى عملية تتطلب ترتيبات مسبقة وتكاليف تتجاوز الرسوم الرسمية، في ظل تشديد شروط الدخول وتعدد المتطلبات المرتبطة بالإقامة والزيارة.

وتبلغ المسافة بين العاصمتين نحو 114 كيلومتراً، إلا أن حركة المسافرين باتت تتأثر بعوامل تتجاوز المسافة الجغرافية، من الإجراءات الحدودية إلى ارتفاع تكاليف النقل، وصولاً إلى الدور المتزايد لمكاتب السفر والوسطاء في تنظيم عمليات العبور.

 

إجراءات تبدأ عند الحدود

 

تشير روايات من عاملين في قطاع النقل بين سوريا ولبنان إلى أن الطريق من دمشق باتجاه معبر جديدة يابوس أصبح أكثر انسياباً مقارنة بالسنوات السابقة، بعد انتهاء وجود الحواجز والمفارز التابعة للنظام السابق وما كان يرتبط بها من عراقيل أمنية ومالية.

لكن التحدي، بحسب هذه الروايات، يظهر بصورة أكبر عند الجانب اللبناني من الحدود، حيث يخضع المسافر لإجراءات الدخول والإقامة التي تختلف بحسب طبيعة الزيارة والوثائق التي يحملها.

 

وتنشر المديرية العامة للأمن العام اللبناني قواعد خاصة بدخول الأجانب إلى لبنان، تتضمن مستندات وشروطاً تختلف وفق الغرض من الزيارة والفئة التي ينتمي إليها المسافر.

وبحسب أحد السائقين العاملين على خط سوريا – لبنان، فإن الرسوم الرسمية التي يدفعها المسافر في مراكز الأمن العام لا تتجاوز، وفق تقديره، نحو 75 دولاراً، إلا أن المبلغ النهائي الذي قد يدفعه بعض المسافرين يصبح أعلى بكثير نتيجة الاستعانة بمكاتب ووسطاء لإنجاز المعاملات.

 

سوق موازٍ حول إجراءات الدخول

 

يقول السائق إن مكاتب سفر في دمشق تعمل، وفق ما شاهده، مع معقبي معاملات ووسطاء في الجانب اللبناني، لتقديم ترتيبات جاهزة للمسافرين الذين لا يستطيعون استيفاء جميع الشروط المطلوبة بمفردهم.

وتختلف الأسعار بحسب مدة الإقامة ونوع المعاملة. ووفق المعلومات التي قدمها السائق، تصل كلفة إقامة لمدة 48 ساعة إلى نحو 180 دولاراً، فيما تبلغ نحو 260 دولاراً لأسبوع، وترتفع إلى 400 دولار لمدة شهر.

 

أما الإقامة لمدة ستة أشهر، فيقول إنها كانت تصل إلى نحو 1500 دولار لكنها متوقفة حالياً، بينما تبلغ كلفة الإقامة السنوية، بحسب روايته، نحو 4700 دولار.

ويضيف أن بعض المبالغ الإضافية تُدفع، وفق تعبيره، لتجاوز صعوبات مرتبطة بمتطلبات مثل إثبات حيازة مبلغ نقدي، أو وجود حجز فندقي، أو تذكرة سفر جواً، وهي متطلبات تختلف بحسب فئة المسافر والغرض من الدخول.

 

ترتيبات خاصة ومسؤولية الوسطاء

 

بحسب الرواية نفسها، تعتمد بعض عمليات العبور على ما يُعرف محلياً بـ"الغروب السياحي"، حيث تُسلّم الوثائق الثبوتية إلى الكفيل أو وكيل الشركة، على أن تُعاد إلى صاحبها عند مغادرة الأراضي اللبنانية.

وفي حالات أخرى، يتحدث السائق عن ترتيبات تعرف باسم "الوثيقة الحرة"، تتيح للمسافر الاحتفاظ بوثائقه خلال فترة وجوده في لبنان.

 

ويقول إن التعامل مع هذه الترتيبات يتطلب قدراً من الحذر، مشيراً إلى أن السائق الذي يتولى تنظيم المعاملة قد يتعرض للتوقيف أو المنع من الدخول إذا كُشفت طبيعة دوره أمام الجهات الأمنية، وفق روايته.

ولا تتوقف الرسوم، بحسب السائق، عند المسافرين العاديين، إذ يقول إن بعض أصحاب البطاقات النقابية أو السجلات التجارية من الفئة الأولى، إضافة إلى حاملي تأشيرات إلكترونية لدول أخرى، قد يُطلب منهم دفع نحو 60 دولاراً تحت بند "بدل خدمات مأجورة".

 

مخالفات الإقامة تضيف أعباء جديدة

 

تترافق إجراءات الدخول مع قيود زمنية على الإقامة. ووفق الرواية المقدمة، يحصل بعض التجار وأعضاء النقابات على إقامة تصل إلى 15 يوماً، بينما لا تتجاوز مدة إقامة مسافر الترانزيت 24 ساعة.

 

كما يلفت السائق إلى ما وصفه بـ"فخ التأخير"، إذ يمكن أن تترتب غرامات على من يتجاوز المدة المحددة للإقامة، مع احتمال فرض قيود على الدخول مستقبلاً.

ويقول إن تجاوز مدة إقامة معينة قد يؤدي إلى غرامة تبلغ 60 دولاراً، إضافة إلى منع من الدخول لمدة عام، فيما يمكن أن ترتفع الغرامة إلى نحو 270 دولاراً في حالات مرتبطة بتجاوز شروط إقامة أطول، مع زيادة المبلغ كلما طال التأخير، وفق ما نقله السائق.

 

النقل.. كلفة أخرى فوق كلفة العبور

 

لا تقتصر الأعباء على إجراءات الحدود، إذ تأثرت أجور النقل أيضاً بإغلاق عدد من المعابر وتضرر الطرق.

ويقول السائق إن أجرة السيارة من دمشق إلى بيروت تبلغ نحو 100 دولار للاتجاه الواحد، أي قرابة 200 دولار للرحلة ذهاباً وإياباً، فيما تصل أجرة الرحلة من اللاذقية إلى بيروت إلى نحو 250 دولاراً للاتجاه الواحد.

 

ويربط ارتفاع كلفة الرحلات القادمة من الساحل بإغلاق معبري الدبوسية والعريضة، الأمر الذي يفرض على السيارات سلوك طرق أطول عبر حمص والقصير والهرمل ورأس بعلبك وبعلبك وزحلة وشتورة، ثم ضهر البيدر وصوفر وعاليه وصولاً إلى الحازمية.

 

كما يشير إلى أن معبر جسر قمار – البقاع مخصص حالياً للمشاة، بعد تعرضه للدمار خلال الغارات الإسرائيلية التي سبقت سقوط النظام السابق.

تراجع حركة السفر

 

انعكست هذه الظروف على قطاع النقل نفسه. ويقول السائق إن انخفاض أعداد المسافرين دفعه وزملاءه إلى تنفيذ رحلات خاصة أحياناً لراكب واحد أو راكبين فقط، بدلاً من العمل ضمن حركة نقل أكثر انتظاماً.

ويرى العاملون في القطاع أن تخفيف التعقيدات المتعلقة بالعبور يمكن أن ينعكس على حركة النقل والسياحة والتبادل بين البلدين، خصوصاً أن سوريا ولبنان يرتبطان بحركة سكانية وتجارية واسعة بحكم القرب الجغرافي والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

 

في المقابل، تربط السلطات اللبنانية تشديد إجراءات الدخول بالحاجة إلى ضبط الحدود، والحد من دخول العمالة غير النظامية، ومنع نشوء موجات نزوح جديدة، في ظل استمرار حساسية ملفات الحدود والإقامة والنزوح بين البلدين.

وبذلك، تبدو المسألة أمام معادلة تتجاوز الرسوم الرسمية المعلنة؛ فكلما ازدادت المتطلبات وتعقدت الإجراءات، اتسعت المساحة التي يتحرك فيها الوسطاء ومكاتب السفر، وارتفعت الكلفة الفعلية التي يتحملها المسافر، فيما يبقى تنظيم حركة العبور بين البلدين مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين

على تحقيق توازن بين متطلبات الضبط وتسهيل التنقل. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5