لعقود، انتشرت نصيحة صحية تقول إن شرب 8 أكواب من الماء يوميًا شرط أساسي للحفاظ على صحة الجسم وترطيبه. ومع تكرارها على نطاق واسع، تحولت القاعدة إلى ما يشبه الوصفة الطبية العامة، رغم اختلاف احتياجات الأشخاص بحسب العمر وحجم الجسم ومستوى النشاط والطقس والحالة الصحية.
بحث عالم وظائف الأعضاء هاينز فالتين في أصل هذه التوصية والأساس العلمي الذي تستند إليه، لكنه لم يجد دراسة تثبت أن البالغين الأصحاء يحتاجون تحديدًا إلى 8 أكواب من الماء يوميًا في الظروف المعتدلة.
نشر فالتين عام 2002 مراجعة علمية اعتمد فيها على قواعد بيانات طبية قديمة، إلى جانب آراء متخصصين في علم العطش واستهلاك السوائل. خلصت مراجعته إلى غياب دليل يثبت هذه الكمية باعتبارها قاعدة موحدة لجميع البالغين، مع التأكيد أن احتياجات السوائل يمكن أن ترتفع بصورة كبيرة أثناء ممارسة نشاط بدني شاق أو العمل في درجات حرارة مرتفعة.
وتقدم الأكاديميات الوطنية الأميركية رقمًا مختلفًا في طريقة احتساب الاحتياجات اليومية، إذ تحدد المدخول الكافي من إجمالي الماء بنحو 2.7 لتر للنساء و3.7 لتر للرجال. ولا تعني هذه الكمية مياه الشرب وحدها، إذ تشمل السوائل الموجودة في المشروبات والطعام أيضًا، فيما يحصل الجسم على جزء من احتياجاته المائية من الفاكهة والخضراوات والحساء وبعض منتجات الألبان.
تدخل المشروبات التي تحتوي على الكافيين كذلك ضمن إجمالي السوائل، وتشير الأكاديميات الوطنية إلى أنها لا تؤدي عادةً إلى نقص تراكمي في ماء الجسم لدى الأشخاص المعتادين على استهلاكها.
تتغير الحاجة إلى الماء بصورة واضحة تبعًا للظروف. ممارسة الرياضة، العمل في الهواء الطلق، أو الإقامة في مناخ حار ورطب ترفع معدل فقدان السوائل، كما تتأثر الاحتياجات بالعمر وحجم الجسم والحمل والرضاعة والحالة الصحية. لذلك، تختلف احتياجات شخص يعمل لساعات في
مكتب مكيف عن عامل يقضي يومه تحت أشعة الشمس ويتعرق بكميات أكبر.
يمثل العطش إحدى الآليات الطبيعية التي يستخدمها الجسم للحفاظ على توازن السوائل، لكنه قد لا يكون مؤشرًا كافيًا في الظروف القاسية، خصوصًا مع الحرارة الشديدة. يحتاج كبار السن وبعض الأشخاص الذين يعانون حالات صحية معينة إلى إرشادات أكثر تحديدًا بشأن كمية السوائل وتوقيتها.
يمكن أن يوفر لون البول أيضًا مؤشرًا عمليًا على مستوى الترطيب؛ إذ يرتبط البول الأصفر الفاتح عادةً بترطيب جيد، في حين قد يشير اللون الداكن إلى الحاجة إلى تناول مزيد من السوائل، مع ضرورة مراعاة أن بعض الأطعمة والأدوية والحالات الصحية يمكن أن تؤثر في اللون.
خلال النشاط البدني في الأجواء الحارة، تصبح إدارة السوائل أكثر أهمية. ويوصي المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بتناول نحو كوب من الماء كل 15 إلى 20 دقيقة أثناء النشاط البدني المعتدل في الطقس الحار عندما
تستمر المدة أقل من ساعتين، بهدف الحد من فقدان الماء والأملاح.
يمتلك الجسم منظومة دقيقة للحفاظ على توازن السوائل، تعتمد بصورة أساسية على إشارات العطش ووظائف الكلى. لذلك، لا تكمن المسألة في الوصول إلى رقم ثابت ينطبق على الجميع، وإنما في فهم احتياجات الجسم والتعامل معها وفق الظروف المحيطة.
يظل النظام الغذائي الغني بالفاكهة والخضراوات مصدرًا مهمًا للسوائل، بينما تتطلب الأجواء شديدة الحرارة والرياضات المجهدة والعمل البدني لفترات طويلة تخطيطًا أكبر لاستهلاك الماء والأملاح. وهكذا، تتحول القاعدة الأشهر من «8 أكواب للجميع» إلى مفهوم أكثر دقة: الترطيب الكافي ليس رقمًا ثابتًا، وإنما احتياج يتغير من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر.