تتجه الأنظار في ألمانيا إلى ولاية سكسونيا-أنهالت شرقي البلاد، حيث أظهرت المؤشرات الأولية واستطلاعات الناخبين بعد الاقتراع تقدماً لافتاً لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، في انتخابات قد تحمل دلالات تتجاوز حدود الولاية، إذا تمكن الحزب من تحقيق نتيجة تتيح له الاقتراب من تشكيل حكومة محلية.
ويبلغ عدد سكان الولاية نحو 2.1 مليون نسمة، وهي من الولايات الأقل كثافة سكانية في ألمانيا، لكنها باتت في قلب النقاش السياسي بعدما أظهرت التقديرات حصول «البديل» على أكثر من 40% من الأصوات، مقابل تراجع واضح للحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يقود الائتلاف الحاكم في الولاية.
وفي حال تأكدت هذه النتائج، سيكون الحزب أمام أفضل فرصة له منذ تأسيسه عام 2013 للوصول إلى السلطة التنفيذية في إحدى الولايات الألمانية، بعدما بقي خارج جميع الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية بسبب رفض الأحزاب الرئيسية التعاون معه.
اقرأ أيضاً: قمة أبيك تفتح الباب أمام لقاء بوتين وترامب
نتيجة انتخابية تتجاوز حدود الولاية
تشير استطلاعات الناخبين بعد خروجهم من مراكز الاقتراع إلى إمكانية حصول «البديل» على أكثر من 44% من الأصوات، فيما تدور حصة الحزب المسيحي الديمقراطي حول 19%، ويحصل كل من حزب اليسار والخضر على نحو 9%.
ولا تعني النتيجة المرتفعة للحزب تلقائياً تمكنه من تشكيل الحكومة، إذ يرتبط توزيع المقاعد أيضاً بقدرة الأحزاب الأخرى على تجاوز عتبة 5% اللازمة لدخول برلمان الولاية.
ويحافظ معظم الأحزاب الألمانية الرئيسية على ما يعرف بـ«الجدار العازل»، أي رفض تشكيل ائتلافات أو الدخول في تعاون حكومي مع «البديل»، باعتباره حزباً من اليمين المتطرف وفق تصنيف أجهزة حماية الدستور في ألمانيا.
وفي حال حصول الحزب على أغلبية مطلقة، فقد يجد خصومه أنفسهم أمام معادلة سياسية جديدة يصعب تجاوزها، بينما سيبقى تشكيل حكومة من دونه ممكناً فقط إذا تمكنت الأحزاب الأخرى من بناء ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية.
من أين يأتي دعم البديل؟
يعتمد صعود الحزب في جزء كبير منه على قضايا الهجرة والاقتصاد والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب حالة الاستياء من أداء الأحزاب التقليدية.
وتحظى سياسات الحزب المناهضة للهجرة بتأييد شريحة من الناخبين الذين يرون أن أعداد طالبي اللجوء خلال السنوات الماضية فرضت ضغوطاً إضافية على الخدمات العامة والسكن وسوق العمل.
كما يستفيد «البديل» من التوترات الاقتصادية التي شهدتها ألمانيا، بما في ذلك ارتفاع الأسعار وضعف النمو، ومن حالة عدم الرضا عن الأحزاب التي تعاقبت على إدارة البلاد.
وتظهر هذه العوامل بصورة أكثر وضوحاً في الولايات الشرقية، التي لا تزال تعاني، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعادة توحيد ألمانيا، من فجوة اقتصادية واجتماعية مقارنة بالولايات الغربية.
فبعد سقوط جمهورية ألمانيا الديمقراطية عام 1989، أغلقت أو أعيد هيكلة أعداد كبيرة من الشركات المملوكة للدولة، ما أدى إلى فقدان وظائف ونزوح سكاني واسع. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع منذ ذلك الوقت، لا تزال مستويات الأجور والثروة والتمثيل السياسي أقل في الشرق مقارنة بالمناطق الغربية.
ويضاف إلى ذلك موقف الحزب من روسيا، إذ يدعو إلى تغيير سياسة برلين تجاه موسكو، ويرفض استمرار العقوبات المفروضة عليها، كما يعارض استمرار إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا ويدعو إلى إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والطاقة مع روسيا.
برنامج مثير للجدل
لا يقتصر خطاب «البديل» على الهجرة والاقتصاد، إذ يتضمن برنامجه في سكسونيا-أنهالت مجموعة من الإجراءات المحافظة، بينها تعديل سياسات التعليم، ومنع رفع أعلام «قوس قزح» في المدارس، والتشديد على نموذج الأسرة القائم على الزواج بين الرجل والمرأة.
كما يتعهد الحزب بإعادة تنظيم مؤسسات حكومة الولاية، وإنشاء لجنة للتحقيق في إدارة جائحة كورونا، وتقليص عدد الوزارات، وإلغاء بعض العقود مع هيئة الإذاعة العامة الإقليمية.
وتشمل خطته كذلك تخصيص فصول منفصلة لأطفال طالبي اللجوء، والسماح بالتعليم المنزلي، ووقف مشاريع جديدة لطاقة الرياح، إضافة إلى إنشاء قوة متخصصة لتسريع عمليات ترحيل من لا يملكون حق البقاء في ألمانيا.
أما في ملف الهجرة، فيستخدم الحزب تعبير «إعادة التهجير»، وهو مصطلح أثار انتقادات واسعة في ألمانيا بسبب ارتباطه بخطابات اليمين المتطرف، فيما يتعهد بتشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات الترحيل.
لماذا يخشاه خصومه؟
في المقابل، يرى منتقدو الحزب أن وصوله إلى السلطة المحلية سيشكل تحولاً سياسياً مهماً في ألمانيا، خصوصاً أن أجهزة حماية الدستور سبق أن انتقدت داخل الحزب ما وصفته بفهم قومي قائم على العرق والأصل، واعتبرت بعض التوجهات داخله متعارضة مع مبادئ النظام الديمقراطي الحر.
وتثير سياساته المتعلقة بالهجرة مخاوف لدى قطاعات من السكان من أصول مهاجرة، ولا سيما القادمين من تركيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل الحديث عن إجراءات أكثر تشدداً تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.
كما يخشى معارضو الحزب من انعكاس صعوده على صورة ألمانيا الاقتصادية، خصوصاً إذا تبنى سياسات أكثر تشدداً تجاه الاستثمار والطاقة والهجرة.
وقد حذر سياسيون ورجال أعمال من احتمال تضرر جاذبية ألمانيا أمام المستثمرين، فيما يرى منتقدون أن توجه الحزب نحو الفحم والطاقة النووية وتغيير سياسة الطاقة قد يتعارض مع المسار الذي تتبناه قطاعات واسعة من الاقتصاد الألماني.
اختبار للسياسة الألمانية
تكمن أهمية انتخابات سكسونيا-أنهالت في أنها لا تتعلق فقط بتوزيع المقاعد داخل برلمان ولاية، بل تختبر أيضاً قدرة النظام السياسي الألماني على احتواء صعود حزب يزداد حضوره الانتخابي في عدد من الولايات الشرقية.
وتملك حكومات الولايات صلاحيات واسعة في مجالات التعليم والصحة والثقافة والإعلام، بينما تبقى ملفات مثل السياسة الخارجية والدفاع والهجرة ضمن الاختصاصات الأساسية للحكومة الاتحادية في برلين.
وبذلك، فإن وصول «البديل» إلى حكومة الولاية لن يعني تغييراً فورياً في السياسة الخارجية الألمانية، لكنه سيمنحه للمرة الأولى تجربة مباشرة في إدارة السلطة، ويضع أداءه تحت الاختبار أمام الناخبين.
أما بالنسبة إلى المستشار فريدريش ميرتس، فإن صعود الحزب يمثل تحدياً سياسياً إضافياً، بعدما تعهد بخفض شعبيته. وفي المقابل، فإن تمكن «البديل» من تحقيق أغلبية تسمح له بالحكم سيمنحه دفعة سياسية كبيرة، وسيحوّل سكسونيا-أنهالت إلى ساحة اختبار لمسار اليمين الألماني خلال السنوات المقبلة.