تواجه محافظة درعا تحدياً متزايداً في ملف المياه، مع تراجع غزارة الينابيع وانخفاض مستويات المياه الجوفية وتدني التخزين في السدود، بالتزامن مع ارتفاع معدلات استجرار المياه من الآبار، ولا سيما غير المرخصة.
وتشير البيانات الرسمية والمحلية إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بموسم جفاف واحد، بل بنتيجة تراكمات مناخية وبشرية امتدت لسنوات، ما يضع مصادر مياه الشرب والزراعة أمام ضغوط متزايدة، ويدفع الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات للحد من الاستنزاف وتنظيم استخدام الموارد.
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 5-9-2026
تراجع كبير في الينابيع
تظهر بيانات مديرية المياه في درعا انخفاضاً حاداً في غزارة عدد من المشاريع المائية الرئيسية التي تعتمد عليها مدن وبلدات المحافظة.
فمشروع الثورة في مرحلته الأولى، الذي يعتمد على مصادر في منطقة الأشعري ويغذي مدينة درعا وعدداً من البلدات، تراجعت غزارته من نحو 1600 متر مكعب إلى حوالي 600 متر مكعب.
أما مشروع نوى في مرحلته الثالثة، فتراجعت غزارته من نحو 750 متراً مكعباً إلى حوالي 130 متراً مكعباً، رغم عمليات تجميع عدد من الينابيع التي نُفذت خلال العام الماضي، إضافة إلى فقدان عدد من الآبار في المنطقة الشرقية.
ولا تبدو المشكلة محصورة بهذه المشاريع، إذ تشير بيانات الموارد المائية إلى أن معظم ينابيع المحافظة باتت جافة، باستثناء ينابيع وادي الهرير والصافوقية وغزالة وعين ذكر، مع تسجيل انخفاض في غزارتها أيضاً.
حملات أمنية في سوريا.. توقيف ضابط بارز من عهد الأسد
السدود عند مستويات منخفضة
ويظهر حجم الضغط المائي كذلك في السدود.
ويبلغ إجمالي القدرة التخزينية القصوى لسدود درعا نحو 96 مليون متر مكعب، إلا أن التخزين خلال الموسم الحالي لم يتجاوز قرابة 13 مليون متر مكعب، أي ما يعادل نحو 13% من إجمالي السعة، مع جفاف عدد من السدود بصورة كاملة.
ولا تقتصر الصورة على درعا، إذ يبلغ التخزين الأعظمي في سدود القنيطرة المجاورة نحو 83.38 مليون متر مكعب، بينما لم يتجاوز التخزين خلال الموسم الحالي 18 مليون متر مكعب، بنسبة تقارب 22%.
وتعكس هذه الأرقام تأثير سنوات الجفاف المتتالية على موارد المياه السطحية في جنوب سوريا، إلى جانب زيادة الاعتماد على المياه الجوفية لتعويض النقص.
من التهدئة إلى التصعيد لماذا لا تهدأ السويداء
المياه الجوفية في دائرة الخطر
ربما يمثل انخفاض منسوب المياه الجوفية المؤشر الأكثر حساسية بالنسبة إلى مستقبل الموارد المائية في درعا.
وتظهر قياسات آبار المراقبة هبوطاً سنوياً في مستوى المياه الجوفية، بلغ خلال العام الحالي نحو خمسة أمتار، فيما تشير تقديرات محلية إلى انخفاض أكبر تراكم خلال السنوات الماضية.
وبحسب تقديرات متخصصة، كان المخزون المائي الجوفي في درعا يقدر بنحو 7.5 مليارات متر مكعب، قبل أن يفقد نحو 3.5 مليارات متر مكعب نتيجة انخفاض المخزون.
ويرتبط هذا التراجع بجفاف عدد من الينابيع، إذ تشير التقديرات إلى أن هبوط مستوى المياه بنحو 25 متراً ترافق مع جفاف 21 ينبوعاً.
وفي حال استمرار انخفاض المنسوب بالمعدلات الحالية، فإن قدرة الحوض الجوفي على تجديد مخزونه ستتراجع، ما يجعل تعويض الكميات المستنزفة أكثر صعوبة حتى في حال تحسن الهطولات المطرية.
سوريا تستقبل ملايين العائدين.. هل تتحول العودة إلى واقع مستدام؟
الجفاف ليس العامل الوحيد
ترتبط أزمة المياه في درعا بمجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها انخفاض الهطولات المطرية وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب النشاط البشري والاعتماد المتزايد على المياه الجوفية.
وتقدر مديرية الموارد المائية في درعا أن نحو 70% من أسباب التراجع مرتبطة بالتغير المناخي ونقص الأمطار وتوالي سنوات الجفاف، مقابل 30% مرتبطة بالنشاطات البشرية والضغط السكاني المتزايد.
ويأتي حفر الآبار غير المرخصة في مقدمة العوامل البشرية المؤثرة. ووفق آخر إحصاء رسمي متاح أجرته المديرية عام 2022، بلغ عدد الآبار غير المرخصة نحو 3600 بئر، مع عدم توفر إحصاء رسمي محدث يحدد العدد الحالي بدقة.
وتشير تقديرات محلية إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير، لكن هذه التقديرات تحتاج إلى عمليات حصر ميدانية جديدة للتأكد من حجمها.
ومع ضخ المياه بمعدلات تتجاوز قدرة الأحواض على التجدد، يتزايد الضغط على حوض اليرموك، أحد أبرز الأحواض المائية في جنوب البلاد.
هل تعوض الأمطار ما فقدته المحافظة؟
رغم تحسن الهطولات خلال بعض فترات الموسم الماضي، فإن الأمطار الغزيرة في موسم واحد لا تكفي لتعويض التراجع المتراكم في المخزون الجوفي.
فجزء من مياه الأمطار يتبخر، فيما يذهب جزء آخر عبر الجريان السطحي والأودية، بينما تحتاج المياه التي تصل إلى الخزانات الجوفية إلى ظروف مناسبة ووقت طويل للوصول إلى الطبقات العميقة.
وبالتالي، فإن استعادة مستويات المياه الجوفية التي تراجعت على مدى عقود تتطلب مواسم متعددة من الهطولات الجيدة، بالتزامن مع خفض معدلات الضخ والاستهلاك.
التأثير يمتد إلى الشرب والزراعة
تتركز المخاطر حالياً بصورة أكبر في المنطقة الغربية من درعا، التي تعد منطقة تصريف مائي، وتشهد نقصاً ملحوظاً في مياه الشرب، إلى جانب بعض التجمعات السكانية في المنطقة الشرقية الجنوبية.
ولا يقتصر أثر الأزمة على توفير مياه الشرب، إذ يرتبط جزء كبير من النشاط الاقتصادي في المحافظة بالزراعة، ما يجعل انخفاض المياه الجوفية وارتفاع كلفة الري عاملاً إضافياً للضغط على المزارعين.
كما يمكن لاستمرار استنزاف المخزون أن يرفع معدلات التصحر ويؤدي إلى ترك بعض الأراضي الزراعية، فضلاً عن احتمال تراجع نوعية المياه في بعض المناطق إذا استمر انخفاض مستوياتها.
وتبرز كذلك مخاوف تتعلق بالتوازن المائي للأحواض، في ظل استمرار انخفاض المخزون بمعدلات تفوق قدرته الطبيعية على التجدد.
إجراءات رسمية لضبط الآبار
في مواجهة هذه التطورات، بدأت محافظة درعا اتخاذ إجراءات تهدف إلى الحد من الحفر غير المرخص وتنظيم استخدام مصادر المياه.
وتنص القرارات المعتمدة على إغلاق الآبار الواقعة ضمن مسافة كيلومتر واحد من محطات الإرواء وينابيع المياه والآبار التابعة لمؤسسة المياه.
كما جرى تشكيل لجان لحصر وتوثيق الآبار المخالفة وغير المرخصة، مع بدء إجراءات تشميعها.
ومنحت المحافظة أصحاب الآبار المخالفة مهلة حتى 15 سبتمبر للتصريح عن آبارهم خطياً لدى مديرية الموارد المائية، بما يتيح لهم الاستفادة من معدات الآبار قبل تشميعها، على أن تُحال المخالفات بعد انتهاء المهلة إلى الجهات القضائية المختصة، مع مصادرة المعدات وفق الإجراءات المعتمدة.
كما دعت المحافظة السكان إلى الإبلاغ عن الآبار المخالفة بهدف إعداد قاعدة بيانات أكثر دقة وتنظيم وضعها وفق الأنظمة المعمول بها.
بين حماية المياه والحاجة الزراعية
التحدي الأبرز أمام هذه الإجراءات يتمثل في تحقيق توازن بين الحد من الاستنزاف وتأمين احتياجات السكان والمزارعين.
وتعمل الجهات المعنية على وضع آليات تجمع بين الحلول العاجلة، مثل تأمين مياه الشرب للمناطق الأكثر تضرراً، والإجراءات طويلة الأمد التي تهدف إلى خفض استهلاك المياه والحفاظ على المخزون الجوفي.
وتتضمن المقترحات المطروحة تحسين شبكات مياه الشرب للحد من التسرب، وتوفير صهاريج للمناطق التي تعاني من نقص حاد، إلى جانب وقف منح تراخيص جديدة للآبار وإعادة تقييم الآبار القائمة.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير منشآت حصاد مياه الأمطار وإنشاء سدود جديدة في المواقع المناسبة بالقنيطرة ودرعا، بما يسمح بزيادة الاستفادة من الهطولات وتعزيز المخزون.
وفي القطاع الزراعي، يطرح تنظيم المحاصيل واختيار الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه كإجراء أساسي لتقليل الضغط على الموارد.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن أزمة المياه في درعا تتجاوز نقصاً موسمياً يمكن تجاوزه مع هطول الأمطار، إذ تتداخل فيها عوامل الجفاف وتراجع الموارد الجوفية والاستنزاف البشري. ولذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب إدارة طويلة الأمد للمياه، تضع مياه الشرب في مقدمة الأولويات، وتربط التوسع الزراعي بقدرة الموارد المتاحة على التجدد.