تواجه المنظومة الصحية في إسرائيل ضغوطاً متزايدة مرتبطة بنقص الكوادر الطبية، في ظل ارتفاع عدد الأطباء الذين غادروا البلاد خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع عوامل سياسية وأمنية واقتصادية دفعت شريحة من أصحاب الكفاءات إلى الإقامة خارج إسرائيل لفترات طويلة.
وأظهرت دراسة أعدتها جامعة تل أبيب أن 1370 طبيباً غادروا إسرائيل خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، وفق معايير اعتمدت على مدة الإقامة خارج البلاد واستمرارها. وتعرّف الدراسة الطبيب المغادر بأنه من أمضى أكثر من 270 يوماً خارج إسرائيل خلال السنة الأولى من مغادرته، ولم يعد للإقامة داخل البلاد لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة بعد ذلك.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل تقدم متوسط أعمار جزء من الكادر الطبي، وما يرافق ذلك من حاجة إلى أطباء ذوي خبرة في التخصصات الدقيقة والتدريب السريري.
اقرأ أيضاً: قمة أبيك تفتح الباب أمام لقاء بوتين وترامب
الأطباء الأكبر سناً في دائرة القلق
ركز الباحثون بصورة خاصة على الأطباء الذين تزيد أعمارهم على 45 عاماً، باعتبار أن هذه الفئة تضم نسبة كبيرة من أصحاب الخبرة الذين أنهوا مراحل التدريب والتخصص، ويؤدون دوراً في تدريب الأطباء الأصغر سناً.
وبحسب نتائج الدراسة، شكّل الأطباء الذين تجاوزوا 45 عاماً نحو خُمس الأطباء الذين غادروا إسرائيل خلال الفترة محل الدراسة.
وتشير هذه النسبة إلى أن ظاهرة المغادرة لا تقتصر على الأطباء في بداية مسيرتهم المهنية، بل تشمل أيضاً جزءاً من الكوادر التي تمتلك سنوات طويلة من الخبرة، الأمر الذي قد يزيد من أثر الهجرة على المستشفيات والبرامج التدريبية في حال استمر الاتجاه خلال السنوات المقبلة.
ويربط معدو الدراسة تصاعد الظاهرة بسلسلة من التطورات التي شهدتها إسرائيل منذ عام 2023، من بينها الخلافات السياسية بشأن التعديلات القضائية، ثم تداعيات هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته، إضافة إلى استمرار الانقسامات الداخلية.
اقرأ أيضاً: المسيّرات تصعّد الحرب.. روسيا تعلن إسقاط 258 مسيرة أوكرانية
تخصصات تواجه خسارة في الكوادر
لا تتوزع مغادرة الأطباء بالتساوي بين مختلف التخصصات الطبية، إذ سجلت بعض المجالات نسباً أعلى من غيرها.
وأظهرت البيانات مغادرة 116 طبيباً من تخصصات الأنف والأذن والحنجرة والجلدية والعيون، وهو ما يعادل نحو 6.2% من العاملين في هذه المجالات.
كما غادر 188 جراحاً خلال الفترة نفسها، بما يمثل قرابة 6% من إجمالي الجراحين، وفق الدراسة.
أما على المستوى الجغرافي، فقد سجلت منطقة تل أبيب أعلى نسبة من الأطباء المغادرين، حيث بلغت نحو 5.4% من إجمالي أطبائها.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية عند مقارنتها بحجم الحاجة إلى التخصصات الطبية المختلفة، إذ إن فقدان عدد محدود نسبياً من أصحاب الخبرة قد يترك أثراً أكبر في بعض الأقسام التي تعتمد على كوادر متخصصة يصعب تعويضها سريعاً.
نقص الكوادر يلتقي مع مشكلة التقاعد
تأتي هجرة الأطباء في وقت تواجه فيه المؤسسات الصحية الإسرائيلية تحدياً آخر يتمثل في ارتفاع أعمار جزء من العاملين.
وأفادت بيانات صادرة عن وزارة المالية الإسرائيلية بأن نحو 24% من الأطباء الاختصاصيين العاملين في المستشفيات العامة يتجهون إلى بلوغ سن التقاعد خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، تجاوز أكثر من ربع الأطباء العاملين سن التقاعد، لكنهم يواصلون العمل في ظل الحاجة إلى خدماتهم والنقص الموجود في بعض التخصصات.
ويعني تزامن العاملين، هجرة بعض الأطباء واقتراب آخرين من التقاعد، أن القطاع الصحي قد يواجه فجوة متزايدة بين حجم الطلب على الخدمات الطبية والقدرة على توفير العدد الكافي من الاختصاصيين.
الظاهرة تتجاوز القطاع الطبي
ولا تبدو مغادرة الأطباء منفصلة عن اتجاه أوسع يتعلق بالهجرة من إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
فقد أظهرت دراسة أخرى لجامعة تل أبيب أن 268 ألفاً و509 إسرائيليين غادروا البلاد بين عامي 2023 و2025 لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
كما أظهر استطلاع أجراه معهد كانتار لصالح هيئة البث الإسرائيلية أن نحو خُمس الإسرائيليين فكروا في الهجرة خلال العامين الماضيين، فيما قال 12% إن نتائج الانتخابات العامة المقبلة قد تؤثر في قرارهم بشأن البقاء أو المغادرة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ظاهرة الهجرة ترتبط بمجموعة عوامل متداخلة، تشمل الوضع الأمني، والظروف الاقتصادية، والتوترات السياسية الداخلية، وليس بعامل واحد منفرد.
خسائر اقتصادية موازية
ويمتد أثر الهجرة إلى الجانب الاقتصادي أيضاً، خصوصاً مع مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة.
ووفق وثيقة داخلية لسلطة الضرائب الإسرائيلية، تضاعف معدل هجرة الإسرائيليين الميسورين بين عامي 2019 و2024، بينما ارتفعت الخسائر الضريبية المرتبطة بهذه الهجرة من نحو 500 مليون شيكل سنوياً إلى نحو 1.2 مليار شيكل خلال عامي 2023 و2024.
وبالنسبة للقطاع الصحي، فإن استمرار خروج الأطباء لا يرتبط فقط بعدد المغادرين، بل أيضاً بالمدة اللازمة لتأهيل بدائل جديدة، فضلاً عن حاجة بعض التخصصات إلى سنوات طويلة من التدريب والخبرة.
ومع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر 2026، يظل اتجاه الهجرة أحد الملفات التي قد تفرض نفسها في النقاش الداخلي، خصوصاً إذا استمر خروج أصحاب الكفاءات بالتزامن مع ارتفاع أعداد الأطباء المتجهين إلى التقاعد.
وبذلك، لا تشير أرقام مغادرة 1370 طبيباً خلال ثلاثة أعوام بالضرورة إلى أزمة فورية منفردة، لكنها تعكس اتجاهاً تراكمياً يمكن أن يضغط على قدرة النظام الصحي على تعويض الكوادر التي يغادر بعضها البلاد أو يقترب بعضها الآخر من سن التقاعد.