بعد عفو لبنان أين ينتهي مصير السوريين؟

سامر مارديني

2026.09.06 - 18:15
Facebook Share
طباعة

 يفتح قانون العفو العام اللبناني الجديد الباب أمام استفادة عدد من السجناء والموقوفين السوريين من أحكامه، لكنه لا يقدم حلاً شاملاً لملفهم، ولا يعني أن جميع السوريين الموجودين في السجون اللبنانية سيخرجون بموجب القانون.

ويعود ذلك إلى أن معيار الاستفادة من العفو يرتبط بطبيعة الجريمة وتاريخ ارتكابها والوضع القضائي للملف، وليس بجنسية المحكوم أو الموقوف. وبموجب القانون رقم 70 الصادر في 4 أيلول/سبتمبر، يشمل العفو جرائم ارتكبت قبل 1 آذار/مارس 2026 وفق شروط محددة، مع إسقاط دعوى الحق العام ومحو العقوبات الأصلية في القضايا المشمولة.

لكن الطريق من الإفراج عن السجين إلى تحديد مستقبله في لبنان يبقى مسارًا منفصلًا، خصوصًا بالنسبة إلى الأجانب.

 

اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 5-9-2026

العفو لا يشمل جميع القضايا

ويضع القانون مجموعة واسعة من الاستثناءات أمام المستفيدين المحتملين، ما يجعل تطبيقه مرتبطًا بمراجعة كل ملف على حدة.

وتشمل الاستثناءات عددًا من الجرائم الخطيرة، بينها قضايا محالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، وبعض الجرائم المرتبطة بالإرهاب، إضافة إلى جرائم عسكرية محددة والخيانة والتجسس والتعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب والاتجار بالبشر وغيرها.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار وجود شخص داخل السجن قبل التاريخ المحدد كافيًا للاستفادة من العفو، إذ ينبغي أولًا تحديد التوصيف القانوني للتهمة، وتاريخ ارتكاب الفعل، والمرحلة التي وصلت إليها الدعوى، ومدى انطباق الاستثناءات عليها.

ولا يتوقف الأمر عند الإعفاء الكامل من العقوبة، إذ يتيح القانون مسارات أخرى في بعض الحالات، من بينها تخفيض العقوبة، فضلًا عن إمكانية إخلاء سبيل المدعى عليه الذي تجاوزت مدة توقيفه 12 عامًا من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار الإجراءات القضائية وفق الأصول.

 

حملات أمنية في سوريا.. توقيف ضابط بارز من عهد الأسد

 

أزمة أكبر من قانون العفو

وتتزامن هذه التطورات مع مشكلة مزمنة في النظام الجزائي اللبناني تتعلق بالتوقيف الاحتياطي والاكتظاظ داخل السجون.

وبحسب بيانات تعود إلى آذار/مارس 2026، بلغ عدد نزلاء السجون اللبنانية 6212 شخصًا، كان نحو 82% منهم موقوفين احتياطيًا، فيما شكل السوريون قرابة 29% من إجمالي النزلاء.

وتوضح هذه الأرقام حجم القضية، لكنها لا تسمح في المقابل بتحديد عدد السوريين الذين سيستفيدون فعليًا من العفو، لأن نسبة السوريين من إجمالي النزلاء لا تعني نسبة المستفيدين من القانون.

فملفات السجناء تختلف من حيث نوع الجرائم، وتاريخ ارتكابها، ومرحلة المحاكمة، ووجود أحكام أو قضايا أخرى، ما يجعل احتساب نسبة عامة للمستفيدين أمرًا غير دقيق في الوقت الحالي.

ومن هنا، فإن العفو قد يخفف الضغط عن السجون ويمنح فرصة لإغلاق عدد من الملفات، لكنه لا يعالج وحده مشكلة التوقيف الطويل أو بطء المحاكمات أو ظروف الاحتجاز.

 

من التهدئة إلى التصعيد لماذا لا تهدأ السويداء

 

الإفراج لا يعني الترحيل

وتبرز بعد ذلك مسألة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى السوريين، وهي وضعهم القانوني بعد مغادرة السجن.

فالقانون ينص على تسليم المستفيد غير اللبناني إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، لكن هذه الخطوة لا تعني تلقائيًا ترحيله إلى سوريا.

وهنا يجب التمييز بين ثلاث مراحل مختلفة: انتهاء العقوبة أو التوقيف، ثم تحديد الوضع القانوني للشخص كأجنبي، ثم اتخاذ قرار بشأن إقامته أو خروجه من لبنان إذا توافرت الشروط القانونية لذلك.

وبمعنى آخر، فإن الإفراج الجزائي لا يمنح الشخص تلقائيًا حق البقاء في لبنان، لكنه لا يشكل في الوقت نفسه قرارًا آليًا بترحيله.

ويصبح تحديد المصير مرتبطًا بوضع الإقامة، وطريقة الدخول إلى لبنان، وأي مخالفات أو إجراءات قانونية أخرى، إضافة إلى القواعد التي تنظم وجود الأجانب على الأراضي اللبنانية.

كما أن مجرد كون الشخص أجنبيًا لا يشكل أساسًا مفتوحًا لاحتجازه إداريًا إلى أجل غير محدد، إذ تبقى الحرية الشخصية والضمانات القانونية مبدأين حاكمين لأي إجراء لاحق.

 

ثلاثة مسارات بعد الخروج

وبالنسبة إلى السوري الذي يشمله العفو، تبدو أمامه ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء الأساس الجزائي لاحتجازه.

المسار الأول هو البقاء في لبنان، إذا كان الشخص يستوفي شروط الإقامة القانونية أو يستطيع تسوية وضعه وفق الفئات والإجراءات المتاحة. ولا تشكل إجراءات تسوية أوضاع بعض العمال السوريين قاعدة عامة تضمن الإقامة لكل من يخرج من السجن.

أما المسار الثاني فيتمثل في العودة الطوعية إلى سوريا، إذا اختار الشخص ذلك ولم يوجد مانع قانوني، وهي حالة تختلف من حيث الطبيعة القانونية عن الترحيل القسري.

ويتمثل المسار الثالث في الإبعاد أو الترحيل عندما يتوافر أساس قانوني يسمح بذلك، مع بقاء القيود التي يفرضها القانون الدولي على إجراءات الإعادة.

وهنا تبرز قاعدة عدم الإعادة القسرية، ولا سيما في الحالات التي توجد فيها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأن الشخص قد يواجه خطر التعذيب في البلد الذي سيعاد إليه.

 

العودة إلى سوريا تحتاج تقييماً فردياً

ولا يمكن التعامل مع مسألة العودة إلى سوريا باعتبارها حالة واحدة تنطبق على جميع السوريين، كما لا يمكن افتراض أن المخاطر زالت بصورة كاملة أو أنها قائمة بالدرجة نفسها لدى الجميع.

فأي قرار بالإعادة يفترض النظر إلى وضع الشخص بصورة فردية، مع الأخذ في الاعتبار ظروفه القانونية والأمنية والشخصية والبيئة التي سيعود إليها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص أنهوا عقوباتهم أو استفادوا من العفو، لأن انتهاء المسؤولية الجزائية في لبنان لا يلغي الالتزامات القانونية المرتبطة بطريقة إعادتهم إلى بلدهم.

 

لا أرقام نهائية للمستفيدين

ورغم أن السوريين يمثلون نسبة ملحوظة من نزلاء السجون اللبنانية، لا توجد حتى 6 أيلول/سبتمبر أرقام رسمية موثوقة تحدد عدد أو نسبة السوريين الذين سيشملهم العفو فعليًا.

ويعود ذلك إلى الحاجة لمراجعة الملفات بصورة فردية، وفق المعايير التي حددها القانون، بما في ذلك تاريخ ارتكاب الجريمة والتوصيف القانوني والاستثناءات، وإمكانية الاستفادة من تخفيض العقوبة أو إخلاء السبيل، فضلًا عن وجود ملفات قضائية أخرى.

كما أن الأرقام الخاصة بفئات محددة من الموقوفين السوريين لا يمكن استخدامها لتقدير العدد الإجمالي للمستفيدين، لأنها لا تمثل كامل السجناء السوريين في لبنان.

وبذلك، يبدو قانون العفو خطوة يمكن أن تخفف جزءًا من أزمة السجون وتفتح بابًا أمام عدد من الموقوفين، لكنه لا يحسم الملف السوري في السجون اللبنانية.

فالقرار بالإفراج عن السجين هو بداية مسار جديد، وليس نهايته؛ إذ يبقى بعده سؤال الإقامة أو العودة الطوعية أو الإبعاد، وهي ملفات تحكمها قواعد قانونية مختلفة.

وبين العفو والإجراءات اللاحقة، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان ألا تتحول نهاية العقوبة إلى بداية احتجاز جديد بلا سقف زمني، وألا تتحول إجراءات الخروج من السجن إلى ترحيل لا يراعي الضمانات القانونية ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3