واشنطن تعيد رسم قواعد اللعبة في السويداء

لجين عزام - السويداء

2026.09.06 - 17:53
Facebook Share
طباعة

 تحمل التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بشأن السويداء مؤشرات على تشدد متزايد في مقاربة واشنطن للواقع الأمني في المحافظة، من دون أن يعني ذلك انتقال الولايات المتحدة إلى دعم خيار عسكري لفرض سلطة دمشق.

وجاءت مواقف باراك بالتزامن مع تجدد التوتر في السويداء، وحادثة احتجاز الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي وإجباره على مغادرة المحافظة، في وقت لا تزال فيه الترتيبات التي يفترض أن تنهي الأزمة الأمنية والسياسية تراوح مكانها.

وتكمن أهمية الرسالة الأميركية في أن باراك لم يكتف بالدعوة إلى التهدئة والحوار، بل ربط بصورة مباشرة بين غياب مؤسسات الدولة وظهور مجموعات مسلحة تملأ الفراغ، مؤكداً أن احتكار استخدام القوة يجب أن يبقى بيد الدولة السورية.

 

اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 5-9-2026

من حماية محلية إلى أزمة حوكمة

وتشير هذه اللغة إلى إعادة توصيف أميركية للأزمة، إذ يبدو أن واشنطن باتت تتعامل مع ملف السويداء باعتباره جزءًا من قضية أوسع تتعلق بوحدة الدولة وشرعية السلاح وترتيبات الحكم، بدل حصره في إطار حماية مكون محلي أو معالجة خلاف أمني بين قوى متنافسة.

وهذا التحول، إذا استمر، يمكن أن يضيق المساحة السياسية المتاحة أمام القوى المسلحة التي بنت نفوذها خلال فترة ضعف مؤسسات الدولة، خصوصًا أن الولايات المتحدة تعلن في الوقت نفسه دعمها لمسار إعادة توحيد المؤسسات السورية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن تتبنى مقاربة مركزية صارمة تجاه المحافظة، إذ إن دعوتها إلى الحوار والمساءلة وعودة النازحين وإعادة الإعمار توحي بأن عودة مؤسسات الدولة يفترض أن تترافق مع ترتيبات سياسية وأمنية تراعي خصوصية المجتمع المحلي.

وبالتالي، فإن الرسالة الأميركية تبدو أقرب إلى الفصل بين مسألتين: مبدأ عودة الدولة، وطريقة تنظيم هذه العودة.

 

حملات أمنية في سوريا.. توقيف ضابط بارز من عهد الأسد

 

لا غطاء أميركياً للحسم العسكري

ورغم ارتفاع مستوى الانتقاد الأميركي للمجموعات المسلحة، لا تبدو واشنطن في وارد الدفع نحو عملية عسكرية واسعة داخل السويداء.

فالمقاربة الأميركية الحالية تقوم على الضغط السياسي، وربط الاستقرار بتوحيد القرار الأمني، وتشجيع التفاهمات المحلية ضمن إطار الدولة السورية. ويشبه ذلك إلى حد ما المسار الذي اتبعته واشنطن في ملفات سورية أخرى، حيث سعت إلى دمج القوى المحلية ضمن المؤسسات الرسمية بدل فتح مواجهات جديدة.

وتدرك الولايات المتحدة أن أي تدخل عسكري مباشر في السويداء قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويحوّل الخلاف حول ترتيبات السلطة إلى صراع أوسع، بما يهدد الاستقرار في الجنوب السوري ويفتح المجال أمام تدخلات إقليمية إضافية.

ولهذا تبدو الضغوط السياسية أكثر ملاءمة للمقاربة الأميركية، خصوصًا مع وجود خارطة طريق تتضمن ترتيبات انتقالية يمكن أن تشكل أساسًا لتسوية تدريجية.

 

من التهدئة إلى التصعيد لماذا لا تهدأ السويداء

 

أحداث تموز تفرض نفسها على التسوية

وتحظى الإشارة الأميركية إلى أحداث تموز 2025 بأهمية خاصة، لأنها تظهر أن واشنطن لا تنظر إلى عودة الدولة باعتبارها إجراءً أمنياً منفرداً.

فالدعوة إلى محاسبة المتورطين في الانتهاكات، بالتوازي مع التأكيد على ضرورة ضبط السلاح، تعكس محاولة بناء معادلة تقوم على مسارين متوازيين: استعادة مؤسسات الدولة من جهة، وضمان عدم استخدام عودتها كأداة للانتقام من جهة أخرى.

وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الملف حساسية. ففرض الأمن من دون معالجة ملفات الانتهاكات السابقة قد يعيد إنتاج انعدام الثقة، بينما استمرار القوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة بحجة حماية المجتمع يبقي المحافظة في حالة استثناء أمني دائم.

ومن ثم، فإن أي تسوية مستقرة تحتاج إلى الجمع بين الأمن والمساءلة والتمثيل المحلي.

 

سوريا تستقبل ملايين العائدين.. هل تتحول العودة إلى واقع مستدام؟

 

حادثة هنيدي واختبار احتكار القرار

وتكتسب قضية عاطف هنيدي بعداً إضافياً في هذا السياق، بعد أن أشار باراك إلى تعرضه للاعتقال والإجبار على مغادرة منزله، وإلى تواصل الفريق الأميركي معه ومع أشخاص آخرين قال إنهم تعرضوا للعنف.

وتوحي الإشارة بأن واشنطن لا تتعامل مع المحافظة من خلال قناة واحدة أو جهة واحدة باعتبارها الممثل الوحيد لسكانها.

وهذه النقطة قد تكون الأكثر إزعاجاً للقوى المسيطرة ميدانياً، لأن الاعتراف بتعدد الأصوات داخل السويداء يعني عملياً رفض اختزال المحافظة بمرجعية سياسية أو دينية أو عسكرية واحدة.

كما أن التركيز على الحوادث التي تطال شخصيات مدنية واجتماعية يضع مسألة احتكار القرار الداخلي تحت المجهر، ويعطي واشنطن أداة إضافية للضغط باتجاه توسيع دائرة التمثيل في أي تسوية مقبلة.

 

السويداء ليست خارج مسار الدولة

وتأتي هذه الرسائل في مرحلة تعمل فيها دمشق على إعادة ترتيب علاقة الدولة بالقوى العسكرية الموجودة خارج مؤسساتها، بالتوازي مع تطورات ملف قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الملفات المرتبطة بوحدة القرار والسيادة.

ومن المنظور الأميركي، فإن نجاح أي مسار لتوحيد البلاد سيكون ناقصاً إذا بقيت مناطق أخرى تحت سيطرة تشكيلات مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد إلغاء الخصوصية المحلية للسويداء. فالسيناريو الأكثر واقعية يبدو قائماً على إعادة إدماج المحافظة ضمن الدولة مع ترتيبات أمنية محلية، من بينها إمكانية الاعتماد على شرطة من أبناء المنطقة ضمن مؤسسات الدولة، وتمثيل مختلف القوى الاجتماعية في إدارة المرحلة الانتقالية.

وبذلك يصبح التفاوض متعلقاً بكيفية الاندماج، وليس بمبدأ وجود الدولة نفسها.

 

إسرائيل في خلفية المشهد

ويظل العامل الإسرائيلي حاضرًا في الحسابات الأميركية والسورية المتعلقة بالجنوب، خصوصًا في ظل محاولات إسرائيل توسيع نفوذها السياسي والأمني في البيئة المحيطة بالجولان.

وكلما طال أمد الفراغ الأمني في السويداء، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على استثماره وتقديم نفسها كطرف ضامن أو حامٍ لمجموعات محلية، الأمر الذي يجعل مسألة تثبيت سلطة الدولة مرتبطة أيضًا بتقليص فرص تحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ مفتوحة.

ومن هنا يمكن فهم ارتفاع نبرة واشنطن تجاه السلاح المنفصل عن مؤسسات الدولة، باعتبار أن استمرار الانقسام الأمني لا يخدم فقط الأطراف المحلية المتنافسة، بل يخلق بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا.

 

مرحلة ضغط لا مواجهة

المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن واشنطن انتقلت بالكامل من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضغط، لكنها تظهر تغيرًا واضحًا في مستوى الخطاب وفي تعريف المشكلة.

فالولايات المتحدة تبدو أكثر وضوحًا في رفض استمرار الفراغ الأمني، وأقل استعدادًا للتعامل مع القوى المسلحة باعتبارها أمرًا واقعًا دائمًا، مع استمرار رفضها للحسم العسكري.

وتقف السويداء بذلك أمام معادلة دقيقة: لا يبدو أن واشنطن تريد تسليم المحافظة بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لقبول بقاء وضع أمني منفصل عن الدولة إلى أجل غير محدد.

والحل الذي يجمع بين إعادة مؤسسات الدولة، وترتيبات أمنية محلية، ومحاسبة شفافة، وتمثيل سياسي أوسع، قد يكون المسار الأكثر انسجامًا مع الاتجاه الأميركي الجديد.

أما استمرار الفراغ واحتكار القرار والسلاح، فيحمل خطر تحويل أزمة السويداء من ملف سوري قابل للتسوية إلى ساحة نفوذ إقليمي مفتوحة، وهو السيناريو الذي تبدو واشنطن، وفق رسائلها الأخيرة، أكثر حرصًا على منعه.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6