كآن التركية.. هل تقترب أنقرة من بديل سيادي لـ«إف-35»؟

2026.09.05 - 20:51
Facebook Share
طباعة

 لم تعد المقاتلة التركية «كآن» مجرد مشروع لتطوير طائرة حربية محلية، بل تحولت إلى أحد أبرز اختبارات قدرة أنقرة على بناء منظومة صناعات دفاعية مستقلة، بعد سنوات من اعتمادها على التكنولوجيا الغربية وخروجها من برنامج «إف-35» الأميركي. وبينما قطعت تركيا مراحل متقدمة في تصميم هيكل المقاتلة وأنظمتها الإلكترونية وتسليحها، لا يزال المحرك يمثل الحلقة الأكثر حساسية في طريق تحويل المشروع إلى مقاتلة من الجيل الخامس مكتملة القدرات.

وتراهن أنقرة على «كآن» لتقليص اعتمادها على الخارج في مجال الطائرات القتالية المتقدمة، في وقت لا تزال فيه أبواب «إف-35» مفتوحة جزئيًا أمام احتمال العودة إلى البرنامج، بالتوازي مع مساعي تركيا للحصول على مقاتلات غربية أخرى، بينها «يوروفايتر تايفون».

 

مشروع بدأ من تجربة نصف قرن

يعود مشروع المقاتلة الوطنية إلى مسار طويل من تطوير الصناعات الجوية التركية، بدأ فعليًا مع توجه أنقرة منذ سبعينيات القرن الماضي إلى بناء قاعدة صناعية محلية قادرة على إنتاج المعدات العسكرية بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد.

ويقول كبير مهندسي «كآن»، إمري يابان، إن المشروع جرى تصميمه محليًا من الصفر، بما يشمل أنظمة الطائرة وبرمجياتها، معتبرًا أن المقاتلة تمثل نتيجة تراكمية لمسار امتد لعقود في مجال الصناعات الدفاعية والطيران.

وتقول تركيا إنها أصبحت، من خلال «كآن»، ضمن مجموعة محدودة من الدول التي تمكنت من تطوير مقاتلة من الجيل الخامس، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي فئة تتطلب دمج مجموعة معقدة من التقنيات، من بينها التخفي، وإدارة المعركة إلكترونيًا، وأجهزة الاستشعار، والاتصال بين المنصات، وقدرات الاشتباك الجوي والأرضي.

لكن دخول هذه الدائرة لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرات نفسها التي تتمتع بها المقاتلات الأميركية أو الروسية أو الصينية، إذ إن الفارق الحقيقي يتحدد بمدى نضج الأنظمة وقدرتها على العمل في ظروف قتالية فعلية، إضافة إلى حجم الإنتاج والخبرة التشغيلية.

 

المحرك.. الاختبار الأصعب

إذا كانت تركيا قد تمكنت من إحراز تقدم واضح في تصميم الطائرة وهندستها وأنظمتها الإلكترونية، فإن المحرك لا يزال يمثل التحدي الأكثر تعقيدًا.

فالانتقال من إنتاج أجزاء وأنظمة الطائرة إلى تطوير محرك مقاتلة من الجيل الخامس يتطلب خبرات متراكمة في هندسة التوربينات والمواد المتقدمة وأنظمة التبريد والتحكم، فضلًا عن اختبارات طويلة للوصول إلى مستويات الاعتمادية المطلوبة.

ويشير الخبير الدفاعي نيكولاس وليامز إلى أن تركيا نجحت في تضييق فجوات تكنولوجية كبيرة خلال السنوات الماضية، لكنه يعتبر أن أنظمة الدفع لا تزال إحدى نقاط الضعف الرئيسية في المشروع.

أما الرئيس التنفيذي لشركة «تي إي آي» محمود أكشيت، فيحذر من اختصار الطريق الزمني لتطوير محرك بهذه الدرجة من التعقيد، مؤكدًا أن إنتاج محرك محلي لمقاتلة من الجيل الخامس لا يمكن إنجازه خلال سنوات قليلة فقط.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المشروع: يمكن لتركيا أن تنتج هيكل مقاتلة متقدمة وأنظمة إلكترونية وتسليحًا محليًا، لكن الوصول إلى استقلال حقيقي يتطلب امتلاك المحرك أيضًا.

 

«إف-35».. البديل الذي لم يُغلق بابه

جاء تطوير «كآن» في سياق سياسي وعسكري شديد الحساسية بالنسبة لأنقرة.

فبعد شراء تركيا منظومة «إس-400» الروسية عام 2017، استُبعدت من برنامج «إف-35»، وفرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات بموجب قانون «كاتسا». وأدى ذلك إلى دفع الصناعات الدفاعية التركية نحو تسريع مشاريع محلية كان بعضها قائمًا أصلًا، وفي مقدمتها مشروع المقاتلة الوطنية.

ورغم ذلك، لم تتخل أنقرة عن محاولة العودة إلى منظومة الطائرات الغربية المتقدمة. وفي يوليو/تموز الماضي، تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن موقف أميركي وصفه بالإيجابي بشأن إمكانية شراء «إف-35»، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى أنه سيقرر بشأن بيع محتمل للمقاتلات إلى تركيا.

ويكشف استمرار هذا المسار أن «كآن» لم تصبح حتى الآن بديلًا كاملًا يغلق حاجة تركيا إلى المقاتلات الغربية، وإنما تمثل محاولة لبناء خيار استراتيجي مستقل يمكن أن يقلل الاعتماد على القرارات السياسية للدول الموردة.

 

مقاتلة وطنية وسوق إقليمية

ولا تقتصر حسابات أنقرة على تلبية احتياجات قواتها الجوية، إذ بدأت «كآن» تأخذ مكانًا في استراتيجية تركيا لتوسيع صادراتها الدفاعية.

وفي فبراير/شباط 2026، عُرض مجسم للمقاتلة في الرياض يحمل العلم السعودي، بالتزامن مع حديث تركي عن إمكانية إقامة شراكة مع السعودية. وأكدت شركة «توساش» أن المفاوضات وصلت إلى مراحل متقدمة، ما يعكس محاولة تحويل المشروع من برنامج وطني إلى منصة تعاون وصناعة دفاعية ذات امتداد إقليمي.

وتملك تركيا بالفعل خبرة متنامية في تصدير الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات والمنظومات الإلكترونية، لكن تصدير مقاتلة من الجيل الخامس يمثل مستوى مختلفًا من التحدي، سواء من ناحية التكنولوجيا أو التمويل أو متطلبات التدريب والدعم والصيانة طويلة الأمد.

 

هل تستطيع «كآن» أن تكون «إف-35» التركية؟

الإجابة في المرحلة الحالية ليست نعم كاملة ولا لا.

فالمشروع قطع بالفعل مسافة مهمة في بناء قاعدة صناعية محلية، ونجحت تركيا في تطوير أجزاء واسعة من منظومة الطائرة، كما أن امتلاكها شركات متخصصة في الإلكترونيات والطيران والصواريخ يمنحها قدرة على دمج عدد كبير من المكونات داخل مشروع واحد.

لكن الفارق بين إنتاج مقاتلة متقدمة وبين امتلاك منظومة مقاتلة من الجيل الخامس مكتملة ومستقلة يمر عبر اختبارات الطيران، ونضج البرمجيات وأجهزة الاستشعار، والتسليح المتكامل، والأهم المحرك المحلي والإنتاج المتسلسل والقدرة على تشغيل الأسطول وصيانته لعقود.

لذلك تبدو «كآن» أقرب حاليًا إلى مشروع استقلال استراتيجي طويل الأمد منه إلى بديل جاهز لـ«إف-35».

وتدرك أنقرة أن امتلاك طائرة متقدمة لا يعني فقط القدرة على تصنيعها، بل امتلاك سلسلة كاملة تبدأ من المواد والمحركات وتنتهي بالبرمجيات والذخائر والصيانة والتحديث. وإذا تمكنت تركيا من إغلاق فجوة المحرك والوصول إلى إنتاج متسلسل مستقر، فإن «كآن» قد تتحول من مشروع لتقليل الاعتماد على الخارج إلى إحدى الركائز الرئيسية للقوة الجوية التركية.

أما قبل ذلك، فستظل أنقرة بحاجة إلى مزيج من المقاتلات الغربية ومشاريعها المحلية، في انتظار أن تثبت «كآن» أن الاستقلال في صناعة الطيران الحربي يمكن أن ينتقل من الطموح الصناعي إلى القدرة القتالية الفعلية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 3