لا تنتهي مشكلة النفايات في سوريا عند جمعها ونقلها إلى المكبات، إذ تتحول مواقع التخلص منها في بعض المناطق إلى مصادر متكررة للدخان والروائح، مع اندلاع حرائق داخلها أو اللجوء إلى حرق النفايات بصورة مباشرة، ما يضع السكان القاطنين بالقرب منها أمام مشكلة بيئية وخدمية متجددة.
وفي جنوب منطقة الميدان بدمشق، تتكرر مشاهد تصاعد الدخان وانبعاث الروائح من أحد مكبات النفايات، بالتزامن مع اشتعال كميات من المخلفات داخله، لتصل آثارها إلى المناطق المحيطة، خصوصًا مع تغير اتجاهات الرياح واقتراب المكب من التجمعات السكنية.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بموقع واحد، إذ تتكرر ظاهرة حرائق المكبات وحرق النفايات في مناطق سورية مختلفة، في ظل تحديات تواجه منظومة إدارة المخلفات، بدءًا من عمليات الجمع والنقل، وصولًا إلى الفرز والمعالجة والتخلص النهائي.
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 4-9-2026
المكب ليس نهاية المشكلة
تتحول النفايات عند وصولها إلى المكب إلى مصدر خطر إضافي عندما تغيب المعالجة المناسبة، خصوصًا مع تراكم مواد قابلة للاشتعال واختلاط أنواع مختلفة من المخلفات في مكان واحد.
ويزيد حرق النفايات من حدة المشكلة، إذ تنتج عنه كميات من الدخان والروائح والملوثات التي تنتشر في الهواء، فيما يصبح تأثيرها أكثر وضوحًا في المناطق السكنية القريبة من مواقع التخلص من النفايات.
وبدل أن تكون المكبات مرحلة منظمة ضمن دورة متكاملة لإدارة المخلفات، يمكن أن تتحول في هذه الحالة إلى نقطة تتجمع فيها مشكلات عدة في آن واحد: تراكم النفايات، ضعف الفرز، الحرائق، الروائح، وصعوبة السيطرة على عمليات الحرق.
الحرق العشوائي.. حل مؤقت ومشكلة أطول
يلجأ البعض إلى حرق النفايات بهدف تقليل حجمها أو التخلص منها، بينما قد تندلع الحرائق تلقائيًا نتيجة تراكم المواد القابلة للاشتعال داخل المكبات.
وفي الحالتين، لا يمثل الحريق معالجة فعلية لأزمة النفايات، بل ينقل جزءًا منها من مشكلة مرئية على الأرض إلى ملوثات تنتشر في الهواء.
وتزداد حساسية المسألة عندما تقع المكبات بالقرب من المناطق المأهولة، إذ لا يبقى أثر الحرائق محصورًا ضمن موقع التخلص من النفايات، بل يمكن أن يمتد الدخان والروائح إلى الأحياء المجاورة، بما يؤثر في جودة الحياة اليومية للسكان.
كما أن استمرار الحرائق بصورة متكررة يجعل التعامل معها قائمًا على الاستجابة للحادث بعد وقوعه، بدل معالجة الأسباب التي تسمح بتكراره.
أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة مكبات
وتكشف ظاهرة حرائق النفايات عن مشكلة أوسع تتعلق بإدارة المخلفات في سوريا، إذ إن معالجة المكبات لا يمكن فصلها عن طريقة جمع النفايات ونقلها وفرزها والتعامل مع المواد القابلة لإعادة التدوير أو المعالجة.
فالاعتماد على المكبات وحدها، من دون تقليل كمية النفايات التي تصل إليها أو فرزها مسبقًا، يراكم الضغط على هذه المواقع ويزيد من صعوبة إدارتها.
كما أن غياب الرقابة الفعالة على عمليات الحرق العشوائي يجعل من الصعب الحد من الظاهرة، خصوصًا عندما تكون مواقع التخلص من النفايات قريبة من السكان.
ولهذا فإن أي معالجة مستدامة تحتاج إلى الانتقال من سياسة التعامل مع النفايات بعد تراكمها إلى منظومة تبدأ من المصدر، عبر الجمع المنظم والفرز والمعالجة وإعادة التدوير، وصولًا إلى التخلص الآمن من المخلفات التي لا يمكن الاستفادة منها.
السكان أمام مشكلة متكررة
بالنسبة إلى السكان المحيطين بالمكبات، لا تبدو المسألة مرتبطة بحريق واحد ينتهي بإخماده، وإنما بظاهرة قد تتكرر مع تراكم النفايات أو اشتعالها من جديد.
وتتحول الروائح والدخان إلى جزء من الحياة اليومية في المناطق المتأثرة، ما يدفع الأهالي إلى المطالبة بمعالجة أصل المشكلة بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
كما أن قرب المكبات من المناطق السكنية يجعل التخطيط لمواقع التخلص من النفايات جزءًا أساسيًا من الحل، إلى جانب تأهيل المواقع القائمة وإبعاد الأنشطة الأكثر خطورة عن التجمعات المأهولة حيثما أمكن.
ولا يتعلق ذلك بالجانب البيئي وحده، إذ إن تحسين إدارة النفايات ينعكس أيضًا على المشهد الحضري والخدمات العامة ومستوى النظافة وجودة الحياة في المدن والبلدات.
من إطفاء الحرائق إلى معالجة أسبابها
وتضع حرائق المكبات الجهات الخدمية أمام تحدي الانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى المعالجة طويلة الأمد. فإخماد حريق قد ينهي الدخان لساعات أو أيام، لكنه لا يمنع تكراره إذا بقيت النفايات تتراكم بالطريقة نفسها واستمرت عمليات الحرق العشوائي.
وتحتاج المعالجة إلى تحديد مواقع المكبات وتأهيلها، وتنظيم عمليات استقبال المخلفات، ومنع إشعالها، وتشديد الرقابة، إلى جانب تطوير منظومة الفرز والمعالجة وإعادة التدوير.
كما أن نشر الوعي بين السكان والعاملين في مجال جمع النفايات يمكن أن يساهم في الحد من ممارسات الحرق، لكن ذلك لا يغني عن وجود منظومة رسمية قادرة على جمع المخلفات والتعامل معها بصورة منتظمة.
وفي المحصلة، تعيد حرائق مكبات النفايات في دمشق ومناطق سورية أخرى طرح سؤال أكبر من مجرد انتشار الدخان: كيف يمكن تحويل ملف النفايات من عبء خدمي متكرر إلى منظومة إدارة متكاملة؟
فما يُترك في المكبات لا يختفي بالضرورة؛ وقد يعود إلى السكان في صورة دخان وروائح وتلوث، ما يجعل معالجة أصل المشكلة أكثر أهمية من إطفاء الحريق في كل مرة.