تستعد مئات العائلات المهجرة من مدينة رأس العين وريفها في محافظة الحسكة للعودة إلى مناطقها خلال الأيام المقبلة، في خطوة جديدة ضمن ملف العودة الذي بقي عالقًا لسنوات بفعل الظروف الأمنية والعسكرية التي شهدتها المنطقة.
وتشمل الدفعة الجديدة نحو 750 عائلة، من المقرر أن تنطلق من مخيم الطلائع باتجاه قرى وأرياف رأس العين، بعد استكمال الترتيبات الأمنية والإدارية واللوجستية اللازمة، فيما لا تزال عودة السكان إلى مركز المدينة مؤجلة إلى حين استكمال الإجراءات المتعلقة بالوضع الأمني.
وتكتسب هذه الدفعة أهمية خاصة باعتبارها تأتي بعد تجربة أولى شهدت حوادث أثارت مخاوف لدى المهجرين والجهات المشرفة على ملف العودة، ما جعل توفير ضمانات أمنية واضحة شرطًا أساسيًا لاستمرار العملية.
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 4-9-2026
عودة مشروطة بالأمن والحقوق
لا تقتصر الترتيبات الحالية على تأمين وسائل النقل ونقل العائلات إلى مناطقها، إذ تشمل متابعة الملفات الأمنية والإدارية والخدمية والحقوقية المرتبطة بالعودة.
وتسعى الجهات المعنية إلى ضمان سلامة العائدين وحماية ممتلكاتهم وأراضيهم، إلى جانب توفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار في المناطق التي تستقبل السكان مجددًا.
وتؤكد لجنة نازحي رأس العين أن عودة المهجرين يجب أن تكون آمنة وكريمة، وأن معالجة أي مخاوف أمنية أو حقوقية قبل العودة تمثل جزءًا أساسيًا من العملية، خصوصًا في ظل ارتباط الملف بممتلكات تركها أصحابها منذ سنوات.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه اللجنة اتصالاتها مع الجهات الأمنية والإدارية والرئاسية المعنية، بهدف استكمال الضمانات المطلوبة ومنع تكرار أي تجاوزات بحق العائدين.
الأرياف أولًا ومركز المدينة لاحقًا
ومن أبرز ملامح الدفعة الجديدة اقتصارها في الوقت الحالي على قرى وأرياف رأس العين، في حين لم تشمل الخطة الحالية مركز المدينة وأحياءها.
وبحسب المعطيات المتداولة، كان العدد الأولي للعائلات المدرجة ضمن خطة العودة يبلغ نحو 1035 عائلة، إلا أن جزءًا منها لم يستكمل إجراءات العودة، ما خفّض العدد المتوقع للدفعة الجديدة إلى نحو 750 عائلة.
ويُنظر إلى هذا التدرج باعتباره محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بعودة أعداد كبيرة دفعة واحدة، وإتاحة المجال أمام الجهات المعنية لتقييم الوضع الميداني ومعالجة الثغرات التي ظهرت خلال التجربة السابقة.
أما العودة إلى مركز رأس العين، فتحتاج إلى ترتيبات أمنية وإدارية إضافية، في ظل تأكيد اللجنة ضرورة عدم الانتقال إلى هذه المرحلة قبل توفير ظروف أكثر استقرارًا وضمانات واضحة للسكان.
تجربة الدفعة الأولى تفرض شروطًا جديدة
وتشكل الحوادث التي رافقت الدفعة السابقة أحد أبرز العوامل التي دفعت لجنة نازحي رأس العين إلى التشديد على الضمانات الأمنية.
ووصفَت اللجنة تلك الحوادث بالمؤسفة والمدانة، محملة مجموعات مسلحة خارجة عن القانون مسؤولية وقوعها، ومطالبة بتفعيل دور المؤسسات الأمنية في المنطقة بصورة أكبر.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذا الطرح، بمنع الحوادث الأمنية فقط، وإنما بإعطاء العائلات التي تستعد للعودة شعورًا بوجود جهة رسمية قادرة على حمايتها والتدخل عند وقوع أي تجاوز، خصوصًا أن كثيرًا من العائدين سيعودون إلى مناطق لم يعيشوا فيها منذ سنوات.
ويعكس التركيز على دور المؤسسات الأمنية تحولًا مهمًا في مقاربة ملف العودة، إذ إن نجاح القوافل لا يقاس بعدد العائلات التي تصل إلى مناطقها، وإنما بقدرتها على البقاء والاستقرار وعدم الاضطرار إلى النزوح مجددًا.
الممتلكات والخدمات في صلب العودة
وبعد سنوات طويلة من النزوح، تبرز قضايا الملكية والخدمات والإدارة المحلية إلى جانب الملف الأمني باعتبارها تحديات رئيسية أمام العودة.
فعودة العائلات إلى منازلها وأراضيها تحتاج إلى معالجة أوضاع الممتلكات، والتأكد من عدم وجود نزاعات أو تجاوزات تحول دون استعادة أصحابها لحقوقهم، إضافة إلى توفير الخدمات الأساسية التي تجعل العودة قابلة للاستمرار.
كما أن إعادة السكان إلى مناطق ريفية متفرقة تفرض احتياجات مرتبطة بالنقل والتعليم والصحة والمياه والكهرباء والخدمات الإدارية، وهي ملفات لا يمكن فصلها عن نجاح عملية العودة على المدى الطويل.
ومن هنا، فإن استكمال العودة إلى رأس العين لا يبدو مجرد ملف إنساني مرتبط بإعادة السكان، بل يرتبط أيضًا بقدرة مؤسسات الدولة والجهات المحلية على إعادة تنظيم الحياة في المناطق التي شهدت سنوات من الاضطراب والنزوح.
عودة تدريجية وملف مفتوح
وتشير الترتيبات الحالية إلى أن العودة ستتم بصورة تدريجية، بدءًا من الأرياف، على أن يجري تقييم الظروف قبل الانتقال إلى مركز المدينة.
وتحاول لجنة نازحي رأس العين من خلال هذا المسار تحقيق توازن بين رغبة العائلات في العودة بعد سنوات من الانتظار وبين المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني والخدمي.
ويبقى التحدي الأساسي في تحويل العودة من قوافل مؤقتة إلى استقرار دائم، وهو ما يتطلب حماية فعلية للسكان، وضمان حقوق الملكية، وتأمين الخدمات، وإخضاع المناطق العائدة لمرجعية أمنية وإدارية واضحة.
وبالنسبة إلى مئات العائلات التي تستعد لمغادرة المخيمات، فإن الوصول إلى المنازل لا يمثل نهاية رحلة النزوح بقدر ما يمثل بداية مرحلة أخرى، يتوقف نجاحها على قدرتها على استعادة الأمان والحياة الطبيعية في مناطقها، وعلى عدم تكرار الظروف التي دفعتها إلى مغادرتها في الأساس.