حادثة هنيدي تشعل جدلًا حول السلاح في السويداء

لجين عزام

2026.09.05 - 16:43
Facebook Share
طباعة

 أعاد اقتحام منزل ومضافة الزعيم الاجتماعي في السويداء عاطف هنيدي، المعروف بلقب «الباشا»، الجدل حول طبيعة إدارة الخلافات داخل المحافظة، وحدود استخدام القوة في مواجهة المواقف السياسية والاجتماعية، بعدما انتهت الحادثة بخروج هنيدي من السويداء ووصوله إلى دمشق، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات ما جرى.

ووضع محافظ السويداء مصطفى البكور الحادثة في سياق يتجاوز الخلاف حول موقف أو بيان، معتبرًا أن اقتحام منزل ومضافة شخصية اجتماعية في المحافظة لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا، في ظل ما تمثله المضافة من مكانة اجتماعية في مجتمع جبل العرب.

وتأتي هذه التطورات على خلفية بيان أصدره هنيدي انتقد فيه تصريحات للزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري بشأن علاقة الدروز بإسرائيل ومستقبل السويداء، وهو ما فتح سجالًا سياسيًا واجتماعيًا داخل المحافظة، قبل أن يتعرض منزله للاقتحام ويغادر لاحقًا إلى دمشق.

اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 4-9-2026

خلاف سياسي يتحول إلى أزمة أمنية

بدأت القضية من موقف سياسي أعلن خلاله هنيدي رفضه لما وصفه بربط هوية الموحدين الدروز بإسرائيل، معتبرًا أن هذه الطروحات لا تنسجم مع التاريخ والجغرافيا ولا مع الإرث الوطني لأبناء جبل العرب.

واستند هنيدي في موقفه إلى رموز من تاريخ السويداء، وفي مقدمتها سلطان باشا الأطرش، إضافة إلى محطات وطنية في تاريخ المحافظة، مؤكدًا أن أبناء السويداء لم يفوضوا أي جهة أو شخصية للحديث باسمهم بصورة منفردة في قضايا تتعلق بهويتهم ومستقبلهم.

ولم يتوقف الجدل عند حدود السجال السياسي، إذ شهد منزل هنيدي في بلدة المجدل بريف السويداء الغربي توترًا أمنيًا انتهى باقتياده ومغادرته المحافظة.

وتباينت الروايات بشأن طبيعة الحادثة؛ ففي حين تحدثت جهات محلية عن اقتحام المنزل واختطاف هنيدي وإجباره على مغادرة السويداء، نفت قيادة «الحرس الوطني» هذه الرواية، وقالت إن تدخلها جاء بعد تجمع وتوتر قرب المنزل بهدف منع التصعيد وتأمين خروجه، وإن مغادرته إلى دمشق تمت بناء على طلبه الشخصي.

اقرأ أيضاً:اشتباكات عنيفة في البصيرة.. نزاع عشائري يشعل ريف دير الزور


محافظ السويداء: القضية أكبر من شخص

في أول موقف رسمي بارز على الحادثة، اعتبر محافظ السويداء أن القضية لا تتعلق بشخص هنيدي وحده، بل تطرح سؤالًا أوسع حول قدرة المجتمع المحلي على إدارة الخلافات دون اللجوء إلى القوة.

وأشار البكور إلى أن البيوت والمضافات في جبل العرب تتمتع بمكانة اجتماعية تتجاوز كونها أماكن سكن أو تجمع، معتبرًا أن احترام حرمتها كان جزءًا من الأعراف التي حافظ عليها المجتمع حتى خلال فترات الخصومة والخلاف.

ورأى أن خطورة ما جرى ترتبط أيضًا بتزامنه مع موقف سياسي عبّر فيه هنيدي عن رأيه بشأن قضايا وطنية وتاريخية، محذرًا من أن يتحول استخدام القوة لمنع الآراء المخالفة إلى ممارسة معتادة.

وفي الوقت نفسه، شدد البكور على أن موقفه لا يعني الدعوة إلى مواجهة مسلحة أو إلى الثأر، داعيًا بدلًا من ذلك إلى موقف اجتماعي واضح يرفض اقتحام المنازل والمضافات والاعتقال والإبعاد وفرض المواقف بالقوة، أيًا كانت الجهة التي تقف وراء هذه الممارسات.

اقرأ أيضاً:قوة إسرائيلية تقتحم الأصبح وتدهم منزلًا في القنيطرة


روايتان متناقضتان حول مغادرة هنيدي

بحسب الرواية التي قدمتها قيادة «الحرس الوطني»، فإن الأحداث بدأت عقب توتر وتجمع لأهالٍ في محيط منزل هنيدي، قبل أن تتدخل قوة تابعة لها لمنع الاحتكاك وتأمين خروجه.

وقالت القيادة إن هنيدي نُقل إلى حاجز أم الزيتون، ومنها استقل سيارة أجرة باتجاه دمشق بناء على رغبته، مؤكدة أن هذا الأمر موثق.

في المقابل، تحدثت جهات محلية عن حصار منزل هنيدي واقتحامه واقتياده من المكان، وربطت الحادثة مباشرة بالبيان الذي أصدره، قبل أن تبدأ وساطات واتصالات انتهت بخروجه من المحافظة.

ووصل هنيدي بالفعل إلى دمشق صباح الجمعة، إلا أن الخلاف بقي قائمًا حول الظروف التي سبقت مغادرته، وما إذا كان الخروج نتيجة تفاهمات ووساطات أم تحت ضغط أمني.

 

السلم الأهلي أمام اختبار جديد

لا تقتصر أهمية الحادثة على مصير شخصية اجتماعية واحدة، إذ تأتي في محافظة شهدت خلال الفترة الماضية توترات أمنية وسياسية متكررة، ما يجعل طريقة التعامل مع الخلافات الداخلية عاملًا أساسيًا في تحديد اتجاه الوضع خلال المرحلة المقبلة.

ففي المجتمعات المحلية التي تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والسياسية والأمنية، يمكن لحادثة محدودة أن تتحول سريعًا إلى خلاف أوسع، خصوصًا عندما ترتبط بشخصيات ذات حضور اجتماعي أو بمواقف تتصل بالهوية ومستقبل المحافظة.

ومن هذه الزاوية، فإن الجدل الذي أثارته حادثة هنيدي يتجاوز مسألة تأييد موقفه أو رفضه، ليصل إلى سؤال أكثر أهمية يتعلق بمن يملك حق فرض الموقف داخل المحافظة، وما هي الآليات التي يمكن اللجوء إليها لحل الخلافات السياسية والاجتماعية.

ويبدو أن هذا هو جوهر الرسالة التي أراد محافظ السويداء إيصالها، حين حذر من اعتياد اقتحام المنازل والاعتقال والإبعاد، معتبرًا أن السكوت عن مثل هذه الممارسات قد يحولها تدريجيًا من حالات استثنائية إلى نمط متكرر.

 

الخلاف مع الهجري في الخلفية

وتبقى تصريحات حكمت الهجري بشأن علاقة الموحدين الدروز بإسرائيل واحدة من أبرز خلفيات التصعيد الأخير، بعدما أثارت جدلًا داخل السويداء وبين شخصيات وقوى سياسية واجتماعية.

وجاء رد هنيدي بصورة مباشرة، رافضًا اختزال الموقف الدرزي في شخصية واحدة، ومؤكدًا تمسكه بالهوية الوطنية للمحافظة ورفض ربطها بإسرائيل.

وتكشف هذه المواجهة عن انقسام أوسع حول اتجاه السويداء السياسي في المرحلة المقبلة، بين مواقف تركز على خصوصية المحافظة وهويتها المحلية، وأخرى تؤكد ضرورة إبقاء مستقبلها ضمن الإطار الوطني السوري.

 

اختبار للقدرة على إدارة الخلاف

مع وصول هنيدي إلى دمشق، انتقلت القضية من حادثة محلية إلى ملف يمكن أن تكون له تداعيات سياسية، خصوصًا إذا استمر الجدل حول الجهة التي تقف خلف الاقتحام والظروف التي أحاطت بخروجه.

وفي المقابل، فإن احتواء تداعيات الحادثة يبقى مرتبطًا بقدرة القوى الاجتماعية والسياسية داخل السويداء على منع الخلاف من التحول إلى صدام أوسع، وبمدى إمكانية وضع قواعد واضحة لإدارة التباينات بعيدًا عن السلاح.

وتبدو المحافظة أمام اختبار يتجاوز حادثة هنيدي نفسها: هل تستطيع القوى المحلية تحويل الخلافات السياسية إلى نقاش علني ومؤسساتي، أم ستبقى القوة المسلحة إحدى أدوات فرض المواقف؟

وفي هذا السياق، فإن الحفاظ على السلم الأهلي لا يرتبط فقط بمنع الاقتتال، وإنما أيضًا بضمان حق الاختلاف ورفض فرض المواقف بالقوة، بما يفتح المجال أمام معالجة الخلافات ضمن مسار سياسي واجتماعي أكثر استقرارًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8