تتزايد خلال الأيام الأخيرة العمليات التي تنفذها قوات خاصة إسرائيلية ومجموعات مسلحة متعاونة معها داخل مناطق متفرقة من قطاع غزة، في تحركات تترافق مع إسناد جوي وميداني، وتستهدف شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو الفصائل الفلسطينية، ما يفتح تساؤلات حول أهداف هذه العمليات ودور الاختطاف في جمع المعلومات مقارنة بالاغتيال.
اقرأ أيضاً:كييف تستقبل موفدي ترامب لأول مرة لبحث السلام
أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، الجمعة، أن قوة من مجموعات محلية مسلحة مدعومة بطائرات إسرائيلية مسيّرة تقدمت في منطقة القرارة شمال خان يونس، في محاولة لاختطاف أحد عناصر المقاومة. وأضافت أن القوة تعرضت لاشتباك قبل تدخل الطيران لتأمين انسحابها، وانتهت العملية بمقتل فادي العبادلة، وفق روايتها.
تستعيد هذه الواقعة إلى الواجهة عملية اختطاف المسؤول في الأمن الداخلي معين العرابيد من مدينة غزة، الثلاثاء الماضي، بعدما قالت وزارة الداخلية والأمن الوطني إن قوة إسرائيلية خاصة تسللت إلى منطقة الكتيبة غرب المدينة باستخدام مركبات مدنية، بالتزامن مع قصف جوي كثيف.
بحسب منصة الحارس التابعة لأمن المقاومة في غزة، أسفرت محاولة التصدي للعملية عن اعتقال ثلاثة أشخاص اتهمتهم بالعمل لصالح إسرائيل، بينهم امرأة، وقالت إنهم كانوا ينتحلون صفة عاملين في مؤسسة إغاثة دولية لتسهيل حركتهم وجمع المعلومات. وأضافت المنصة أن التحقيقات الأولية أظهرت وصول القوة الخاصة إلى المنطقة قبل ساعات من تنفيذ العملية، وأن الاشتباك كشف وجودها.
مجموعات مسلحة في مناطق مختلفة
تنتشر مجموعات مسلحة محلية في عدد من مناطق القطاع بدرجات متفاوتة، وفق الظروف الأمنية والميدانية لكل منطقة، بينما يتركز جزء من نشاطها في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية والمعروفة باسم «الخط الأصفر».
اقرأ أيضاً:فرنسا على جبهتين.. جاهزية عسكرية في الخليج وشرق أوروبا
تتوزع، وفق المعطيات الواردة، خمس مجموعات في مناطق شرقي رفح وخان يونس والمنطقة الوسطى ومدينة غزة وبيت لاهيا، مع اختلاف طبيعة المهام المنوطة بها بين جمع المعلومات وتأمين التحركات وتنفيذ أنشطة ميدانية.
يطرح هذا الانتشار تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المجموعات في العمليات الخاصة، ولا سيما لناحية توفير معلومات محلية أو تسهيل الوصول إلى مناطق لا تتحرك فيها القوات الإسرائيلية بصورة مباشرة.
لماذا الاختطاف؟
يربط خبراء في الشأن الأمني تكثيف هذه العمليات بمحاولة إسرائيل تقييم التغييرات التي طرأت على البيئة الأمنية والعسكرية داخل القطاع بعد سنوات من الحرب، إلى جانب البحث عن معلومات يمكن أن تساعد في تحديث بنك الأهداف.
ويُنظر إلى الاختطاف باعتباره وسيلة محتملة للحصول على معلومات مباشرة من الأشخاص المستهدفين، خصوصًا إذا كانوا مرتبطين بأجهزة أمنية أو تشكيلات عسكرية، بينما يقتصر الاغتيال في الغالب على إزالة الهدف دون إتاحة فرصة للاستجواب.
تتيح العمليات الميدانية كذلك اختبار قدرة المنظومة الأمنية داخل غزة على اكتشاف التسللات ومراقبة التحركات، فضلًا عن قياس مدى التغير الذي أصاب شبكات الاتصال والمعلومات بعد سنوات من القتال والاستهدافات.
رسائل داخل إسرائيل
لا تقتصر قراءة العمليات الأخيرة على الجانب الاستخباري، إذ يرى محللون أن استعراض القدرة على تنفيذ عمليات نوعية داخل قطاع غزة يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا وإعلاميًا.
اقرأ أيضاً:صفقات أميركية تعزز القدرات البرية والجوية للسعودية والعراق
تسعى الحكومة الإسرائيلية، وفق هذه القراءة، إلى إظهار استمرار قدرة الجيش على الوصول إلى أهداف داخل القطاع، وتقديم العمليات الميدانية باعتبارها دليلًا على الاحتفاظ بقدرات عسكرية وأمنية رغم طول أمد الحرب.
ترتبط هذه الحسابات، بحسب المحللين، بالوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث يمكن للملف الأمني أن يتحول إلى أداة لتعزيز صورة الحكومة ورئيسها أمام الجمهور، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
تغييرات داخل المنظومة الأمنية
أدت الحرب، وفق معطيات وزارة الداخلية في غزة، إلى استهداف أكثر من 2700 من عناصر الأجهزة التابعة لها، وهو ما ترك تأثيرات على هيكلية العمل الأمني داخل القطاع.
يعتبر محللون أن هذه الخسائر، إلى جانب التغييرات التي فرضتها العمليات العسكرية، قد تكون قلّصت حجم المعلومات المتاحة لإسرائيل حول الواقع الأمني المتغير داخل غزة، ما يدفعها إلى البحث عن وسائل جديدة لاستعادة الصورة الاستخبارية.
من هنا، قد تحمل عمليات الاختطاف قيمة إضافية مقارنة بالاستهدافات الجوية، إذ يمكن للمعلومات التي يحصل عليها الجانب الإسرائيلي من شخص محتجز أن تساعد، وفق هذا التقدير، في تحديد مواقع أو أفراد آخرين وفهم طبيعة التغييرات التي طرأت على البنية الأمنية والعسكرية.
المعلومة في صدارة الهدف
تضع طبيعة العمليات الأخيرة جمع المعلومات ضمن أبرز التفسيرات المطروحة لتكثيف الاختطافات، خصوصًا عندما يكون المستهدف مرتبطًا بجهة أمنية أو عسكرية.
لا يعني ذلك أن جميع العمليات تحمل هدفًا واحدًا، إذ تختلف دوافعها باختلاف الأشخاص والمناطق والظروف الميدانية، لكن الانتقال من الاستهداف المباشر إلى محاولة الوصول إلى أفراد أحياء قد يعكس رغبة في الحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها بالطريقة نفسها عبر الاغتيال.
في المحصلة، تكشف العمليات الخاصة داخل غزة عن اختبار متبادل للقدرات الأمنية؛ فإسرائيل تحاول قياس قدرتها على الوصول إلى أهداف داخل القطاع، بينما تحاول الأجهزة والفصائل الفلسطينية اكتشاف التسللات ومنع تكرارها، في ظل بيئة أمنية شديدة التعقيد فرضتها سنوات الحرب.