انسداد سياسي
تواجه حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي اختباراً سياسياً حرجاً مع استمرار تعثر استكمال تشكيلتها الوزارية منذ منتصف مايو/أيار الماضي، في ظل شغور 9 حقائب تتولى إدارتها شخصيات بالوكالة حتى الآن، نتيجة غياب التوافقات السياسية والنيابية اللازمة لحسم المرشحين.
ويشكل استمرار الشغور الوزاري نقطة ضعف أمام الحكومة، إذ يرى النائب عن كتلة "عزم" فيصل العيساوي أن التأخر في استكمال الكابينة يمثل عامل إضعاف للنظام السياسي والقوى المشاركة فيه، كما يحد من قدرة رئيس الوزراء على تنفيذ برنامجه الحكومي وإدارة الملفات المطروحة أمامه.
وبينما تكثف القوى السياسية اتصالاتها لإنهاء الأزمة، تتداخل الحسابات الداخلية مع ضغوط خارجية وخلافات حول النفوذ والصلاحيات والتعيينات، ما يجعل استكمال الحكومة رهناً بتسوية مجموعة من الملفات المتشابكة.
اقرأ أيضاً: هجوم روسي بطائرة مسيّرة يضرب قلب أمن كييف
اعتراض أمريكي
يقول العيساوي إن من أبرز العوائق وجود اعتراض أمريكي على مشاركة قوى سياسية أساسية ممثلة في البرلمان في بعض مفاصل الحكومة، مشيراً إلى وجود رفض لمشاركة كتلتي "صادقون" و"خدمات" وقوى أخرى في التشكيلة الوزارية.
ويضع هذا الموقف القوى السياسية أمام معادلة معقدة، بين المضي في تشكيل الحكومة رغم الاعتراضات الأمريكية، أو قبول بعض الكتل بالتنازل عن استحقاقاتها السياسية والانتخابية بهدف تسهيل تمرير التشكيلة.
ويتفق باحثين في السياسة مع هذا الطرح، مشيرين إلى أن واشنطن تضع خطوطاً حمراء أمام بعض الأسماء والشخصيات المرتبطة بفصائل سياسية.
ويقول الباحثين إن الكتل العراقية تحاول التفاوض مع الجانب الأمريكي بشأن عدد من المرشحين، لكن عدم ظهور موافقة أمريكية حتى الآن يجعل فرص التوصل إلى تسوية سريعة محدودة.
اقرأ أيضاً: ترامب يفتح ملف فاتورة المساعدات الأمريكية لأوكرانيا
تداعيات قضائية
لا تقتصر الأزمة على العامل الخارجي، إذ أسهمت تداعيات حملة مكافحة الفساد المعروفة باسم "صولة الفجر" في إعادة خلط الحسابات السياسية.
ويرى خبراء في الشؤون السياسية أن الاعتقالات المرتبطة بالملف، في حال انتهت إلى أحكام قضائية، قد تؤثر في الوزن البرلماني لبعض الكتل، وبالتالي في حصصها السياسية والوزارية.
ويشيروا إلى أن هذا المسار قد ينعكس بصورة خاصة على كتلتي "العزم" والكتلة المرتبطة برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ما يزيد تعقيدات توزيع الحقائب الوزارية.
أسماء مرفوضة
في المقابل، يبرز خلاف آخر يتعلق بمعايير رئيس الوزراء لاختيار أعضاء حكومته، إذ يتمسك الزيدي، وفق خبراء في الشؤون العراقية، برفض إعادة توزير شخصيات سبق أن شغلت مناصب وزارية.
ويصطدم هذا الشرط برغبة بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها ائتلاف دولة القانون، الذي طرح شخصيتين سبق أن تولتا حقائب وزارية لشغل مناصب في الحكومة الحالية، الأمر الذي ساهم في تعطيل تمرير بعض الترشيحات.
صراع الصلاحيات
ويعتقد محللون أن الخلاف يتجاوز تسمية الوزراء إلى صراع أوسع حول الصلاحيات ومراكز النفوذ داخل الدولة.
ويشير المحللون إلى أن ملف "الدرجات الخاصة" والوظائف التنفيذية العليا التابعة للوزارات يمثل إحدى العقد التقليدية التي تتكرر مع كل دورة سياسية، فضلاً عن الضغوط التي تمارسها القوى السياسية على رئيس الوزراء لدفعه إلى تعيين نواب له.
ويقول المحللون إن الزيدي يقاوم هذه الضغوط ويتمسك بإبقاء القرار التنفيذي مركزياً، رافضاً تعدد مراكز القرار داخل الحكومة.
ويربط هذا الموقف بالملفات التي يعتبرها رئيس الوزراء ذات أولوية، وعلى رأسها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، وهي ملفات تتطلب، وفق هذا التقدير، مركزية أكبر في صناعة القرار.
ويرى الخبراء في الشؤون العراقية أن حجم الضغوط السياسية قد يدفع الزيدي في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات والموافقة على تعيين نواب لرئيس الوزراء مقابل تسهيل تمرير الكابينة.
حكومة بالوكالة
ويرى الخبراء أن استمرار إدارة الوزارات التسع الشاغرة، ومن بينها الدفاع والداخلية والتخطيط والتعليم، بالوكالة قد يكون مفيداً للزيدي في المرحلة الحالية.
ويعتبروا أن إدارة هذه الوزارات عبر شخصيات خاضعة مباشرة لمركز القرار تمنح رئيس الوزراء مساحة أكبر للتحكم فيها، مقارنة بتعيين وزراء حزبيين قد تكون ارتباطاتهم السياسية عاملاً مؤثراً في قراراتهم.
كما يروا أن طبيعة الأزمات الأمنية والخدمية والاقتصادية التي يواجهها العراق تجعل وجود وزير أصيل أو استمرار الإدارة بالوكالة أقل تأثيراً في المدى القصير، مشيرين إلى أن استمرار العمل عبر الوكلاء قد يوفر للحكومة مرونة أكبر خلال المرحلة الحالية.
في المقابل، يؤكد الخبراء أن استكمال الحكومة بوزراء يتمتعون بالكفاءة والاستقلالية، وبعيدين عن تأثير السلاح والتدخلات الخارجية، يبقى ضرورياً لمنح رئيس الوزراء قدرة أكبر على معالجة الملفات المتراكمة.
ويروا أن نجاح هذا الخيار يتوقف على استعداد القوى السياسية للتراجع عن منطق المحاصصة وتقديم مصلحة الدولة على المصالح الحزبية.
اجتماع حاسم
تتجه الأنظار إلى اجتماع مرتقب لتحالف "إدارة الدولة" الحاكم، وسط آمال بأن يشكل اللقاء نقطة تحول في ملف الحقائب الشاغرة.
ويصف العيساوي الاجتماع بأنه حيوي لتحديد آلية اختيار الوزراء والتنسيق مع رئيس الوزراء، إضافة إلى الاتفاق على موعد نهائي لطرح الأسماء أمام البرلمان والتصويت عليها.
وفي حين يرى العيساوي أن الخلافات الداخلية محدودة ويمكن تجاوزها عبر الحوار، يتبنى مراقبون رؤية أكثر تشاؤماً، مستبعدين الوصول إلى حل جذري خلال الأسبوع المقبل بسبب تعقيدات الملف القضائي المرتبط بـ"صولة الفجر"، إلى جانب استمرار الاعتراض الأمريكي على بعض المرشحين.