لبنان أمام موجة غلاء جديدة تثقل كاهل الأسر

2026.09.04 - 08:44
Facebook Share
طباعة

يواجه اللبنانيون موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة، مع تمدد الغلاء إلى السلع الغذائية والخدمات الأساسية، وسط مخاوف من تفاقم الضغوط إذا استمرت التوترات الإقليمية وانعكست على أسعار الطاقة والنقل والاستيراد. ويزيد الاحتكار المحلي من حدة الأزمة، بعدما باتت قطاعات واسعة من السوق عرضة لزيادات تتجاوز ما تبرره كلفة الاستيراد والإنتاج.

اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 3_9_2026

 

تظهر آثار الأزمة مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، إذ يضطر كثير من المواطنين إلى تقليص مشترياتهم وترتيب احتياجاتهم وفق الأولوية، بينما تبقى الأجور عاجزة عن مواكبة ارتفاع النفقات. ولا يقتصر العبء على المواد الغذائية، بل يشمل فواتير المولدات الخاصة، والأقساط المدرسية، والخدمات الصحية والاستشفائية، إلى جانب تكاليف النقل والاتصالات والمحروقات.

 

أظهر مؤشر أسعار جمعية المستهلك للنصف الأول من عام 2026 ارتفاعًا بنسبة 19.05%، بعدما شمل رصد 140 سلعة وخدمة أساسية. وحذرت الجمعية من احتمال اشتداد موجة الغلاء مع عودة التوترات العسكرية إلى المنطقة واستنزاف المخزونات السابقة من السلع والتجهيزات، معتبرة أن استقرار سعر صرف الليرة ظاهريًا لم ينعكس حماية فعلية لكلفة المعيشة.

 

سجلت أسعار المواد الغذائية خلال الفصل الثاني من العام، الممتد من إبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران، زيادات متفاوتة مقارنة بالفصل الأول. وارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة 22.8%، والألبان والأجبان 11.5%، واللحوم 7%، والخضار 2%، بالتزامن مع استمرار الضغوط على أسعار المواصلات والاتصالات والمحروقات.

اقرأ أيضاً:جلسة حكومية بقرارات بارزة.. ماذا أقرّ مجلس الوزراء؟

 

ترى جمعية المستهلك أن العوامل الخارجية تشكل جزءًا من موجة التضخم، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط والطاقة عالميًا وإقليميًا والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إلا أن خصوصية السوق اللبنانية تزيد من سرعة انتقال هذه الصدمات إلى المستهلك. ويعتمد لبنان بدرجة كبيرة على الاستيراد في ظل ضعف الإنتاج المحلي، ما يجعل ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتوزيع عاملًا مباشرًا في زيادة أسعار السلع.

 

تلفت الجمعية كذلك إلى عامل داخلي أكثر ارتباطًا ببنية السوق، يتمثل في الاحتكار وضعف المنافسة وقدرة بعض التجار على التأثير في الأسعار. وتطالب بتفعيل دور مجلس المنافسة، الذي جرى إنشاؤه وتعيين رئيس له، بما يسمح بإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب والحد من الزيادات غير المبررة، خصوصًا أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن أسعارًا كثيرة ترتفع خلال الأزمات ثم لا تعود إلى مستوياتها السابقة حتى بعد زوال أسباب الارتفاع.

 

تدعو الجمعية إلى وضع ضوابط فورية على السلع والخدمات الأساسية، من خلال تحديد هوامش ربح واضحة، وتشديد الرقابة على الأسواق، والاستفادة من تجارب دولية اعتمدت آليات للترقب والتدخل السعري خلال الأزمات. كما تحث المستهلكين على الإبلاغ عن أي فروقات غير مبررة أو مخالفات في الأسعار.

 

تؤكد وزارة الاقتصاد اللبنانية أن جزءًا كبيرًا من الزيادات يرتبط بارتفاع الأسعار عالميًا، لكنها تقر في الوقت نفسه بوجود زيادات غير طبيعية داخل السوق اللبنانية. وتقول الوزارة إنها تتابع هذه المخالفات بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والقضائية، خصوصًا أن بعض التجار قد يستغلون الظروف الاستثنائية لتحقيق أرباح إضافية على حساب المستهلكين.

 

نفذت الجهات الرقابية منذ بداية العام وحتى أواخر أغسطس/آب الماضي أكثر من 15 ألف كشف ميداني، استجابت خلالها لأكثر من 900 شكوى، وأسفرت الإجراءات عن تنظيم أكثر من 600 محضر ضبط. وشملت الرقابة المواد الغذائية والسلع الأساسية، إلى جانب المولدات الكهربائية التي استحوذت نسبة كبيرة من المخالفات بسبب تجاوز التسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة.

 

يرتبط المسار المقبل للأسعار بدرجة كبيرة بتطورات المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. فأي قفزة جديدة في أسعار المحروقات ستنتقل سريعًا إلى كلفة النقل العام والمواصلات والشحن وتشغيل المولدات، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التأمين المرتبطة بالمخاطر الأمنية والحروب، لتتكون حلقة متشابكة من الضغوط تزيد الأعباء على الأسر اللبنانية.

 

يحذر خبراء من أن استمرار هذه المعادلة سيبقي القدرة الشرائية تحت الضغط، خصوصًا مع اعتماد الاقتصاد على الاستيراد وارتفاع حصة النفقات الأساسية من دخل الأسر. ويشيرون إلى أن مواجهة الغلاء لا تتطلب الرقابة على الأسعار فقط، بل تستدعي تعزيز المنافسة، دعم الإنتاج المحلي، ضبط هوامش الربح، وتطوير سياسات اقتصادية تقلل تعرض السوق اللبنانية للصدمات الخارجية.

 

يواجه لبنان بذلك معادلة مزدوجة: صدمات خارجية ترفع كلفة الطاقة والاستيراد، وسوق داخلية تعاني من احتكار وضعف المنافسة. وبين العاملين، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، مع اتساع الفجوة بين دخله وتكاليف المعيشة واستمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الضرورية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1

اقرأ أيضاً