لماذا تستحضر إسرائيل رفات يهود لبنان بعد عقود؟

2026.09.04 - 00:06
Facebook Share
طباعة

لم يأتِ الإفراج الإسرائيلي عن خمسة لبنانيين محتجزين في الجنوب بمعزل عن مسار المفاوضات الجارية مع بيروت، إذ ربطت إسرائيل الخطوة بملف رفات يهود لبنانيين فُقدوا أو قُتلوا خلال سنوات الحرب الأهلية وبينما يمثل تحرير اللبنانيين المحتجزين خطوة إنسانية يفترض أن تتوسع لتشمل جميع الأسرى، تضع تل أبيب أمام المفاوضات ملفًا قديمًا لا تملك الدولة اللبنانية معلومات موثوقة بشأنه، ما يثير علامات استفهام حول استخدام قضايا إنسانية وتاريخية للضغط في ملف المعتقلين.

اقرأ أيضاً:جلسة حكومية بقرارات بارزة.. ماذا أقرّ مجلس الوزراء؟

 

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإفراج عن خمسة لبنانيين بعد القول إن التحقيقات الإسرائيلية خلصت إلى عدم ارتباطهم بأي تنظيمات مسلحة. وبحسب المعطيات المتداولة، جرى الإفراج عن مالك كمال غازي وتسليمه إلى الجانب اللبناني عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر عند معبر الناقورة، فيما كان من المقرر تسليم الأربعة الآخرين لاحقًا.

 

تبقى الخطوة محدودة قياسًا بحجم ملف المحتجزين اللبنانيين، إذ تشير المعطيات إلى استمرار احتجاز إسرائيل عشرات اللبنانيين، بينهم مدنيون، ما يجعل الإفراج عن خمسة أشخاص بداية يفترض أن تتبعها خطوات أوسع، لا أن تتحول إلى ورقة مشروطة بمطالب إضافية.

 

إسرائيل تربط الإفراج بملف قديم

 

ربطت الحكومة الإسرائيلية عملية الإفراج بمفاوضات تتعلق باستعادة رفات شخصيات يهودية لبنانية قُتلت أو اختفت خلال الحرب الأهلية، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي. وطرحت تل أبيب كذلك الحصول على معلومات حول مصير أشخاص اختفوا خلال تلك المرحلة، إلى جانب بحث احتمال نقل رفات مدفونين في مقابر يهودية تاريخية في بيروت وصيدا.

 

ويضع هذا الطرح لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ إن الدولة اللبنانية، وفق المعطيات الواردة من الجانب اللبناني، لا تملك معلومات مؤكدة تسمح بتحديد أماكن رفات المفقودين، وبالتالي فإن مطالبتها بتقديم إجابات حاسمة حول ملف يعود إلى عقود مضت تبدو أقرب إلى تحميلها مسؤولية معلومات لا تملكها.

 

ملف الأسرى أولًا

 

في المقابل، يبقى ملف اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل قضية قائمة بذاتها، خصوصًا أن جزءًا من المحتجزين مدنيون جرى توقيفهم داخل الأراضي اللبنانية ومن هذا المنطلق، فإن الإفراج عنهم لا يفترض أن يكون مقابلًا لملفات تاريخية غامضة، بل جزءًا من معالجة أوسع لقضية الاحتجاز والانتهاكات المرتبطة بها.

 

ويؤكد الموقف اللبناني أن العمل سيستمر حتى الإفراج عن جميع الأسرى، والكشف عن مصير المفقودين، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. ويعكس ذلك محاولة إبقاء ملف المعتقلين ضمن إطار حقوقي وسياسي أوسع بدل حصره بتفاهمات جزئية.

رفات اليهود اللبنانيين.. ملف يعود إلى الحرب

 

تراجعت أعداد أبناء الطائفة اليهودية في لبنان بصورة كبيرة خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، بعدما دفعت الظروف الأمنية والسياسية أعدادًا كبيرة إلى مغادرة البلاد. وبقي في بيروت الغربية آنذاك عدد محدود من اليهود اللبنانيين، الذين كانوا يعيشون في أحياء تاريخية أبرزها وادي أبو جميل.

اقرأ أيضاً:33 أسيراً لبنانياً.. هل تتسع قائمة العائدين؟

 

وفي عام 1985، شهدت العاصمة اللبنانية عمليات خطف استهدفت شخصيات بارزة من الطائفة اليهودية، من بينها رئيس الطائفة إسحاق ساسون. كما طالت عمليات الخطف أشخاصًا آخرين، وسط صراع مسلح واستخدام متبادل لملفات الأسرى والرهائن في الضغط السياسي والعسكري.

نُسبت تلك العمليات إلى ما عُرف آنذاك باسم «منظمة المستضعفين في الأرض»، فيما تحدثت تقارير أمنية عن صلات بين هذه الجماعة ومجموعات شيعية مسلحة تشكل منها لاحقًا حزب الله.

 

بيروت وصيدا في قلب المطالب

توجد في لبنان مقابر يهودية تاريخية، أبرزها مدافن اليهود في منطقة رأس النبع على طريق الشام في بيروت، إضافة إلى مقبرة يهودية تاريخية في صيدا. وتستند المطالب الإسرائيلية إلى البحث عن رفات شخصيات قُتلت خلال الحرب، فضلًا عن طلب معلومات حول أشخاص اختفوا ولم تُعرف أماكن دفنهم.

 

لكن وجود هذه المقابر لا يعني امتلاك السلطات اللبنانية معلومات عن كل من فُقدوا خلال الحرب، كما أن تحديد هوية رفات تعود إلى عقود طويلة يحتاج إلى معطيات وأدلة لا يمكن توفيرها بقرار سياسي.

مطلب إسرائيلي يواجه بالرفض اللبناني

 

بحسب المعطيات اللبنانية، اعتُبرت المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالرفات تعجيزية، خصوصًا أن بيروت لا تملك معلومات عملية عن أماكن رفات الأشخاص الذين تطالب إسرائيل باستعادتها.

تزداد حساسية هذا الطرح مع محاولة ربطه بملف المعتقلين اللبنانيين، إذ تخشى بيروت من تحول قضية الرفات إلى شرط يعرقل الإفراج عن بقية المحتجزين أو يمنح إسرائيل ذريعة لإبقاء الملف مفتوحًا.

 

كما أن قضية رفات اليهود اللبنانيين ليست جديدة في الاتصالات بين الطرفين، إذ سبق أن طُرحت ملفات مشابهة خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية عام 2022 بوساطة أمريكية. وانتهت تلك المساعي، وفق المعطيات اللبنانية، إلى عدم وجود معلومات أو وسائل عملية لدى الدولة اللبنانية تسمح بحسم مصير المفقودين أو تحديد أماكن رفاتهم.

 

الوساطة الأميركية.. الإفراج مقابل خطوات إضافية؟

أكدت واشنطن أن الإفراج عن اللبنانيين الخمسة جاء نتيجة وساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل، في إطار الاتصالات المرتبطة باتفاق الإطار بين الجانبين. وأوضحت الخارجية الأمريكية أن قضية الأسرى كانت مطروحة خلال الجولة الأخيرة من محادثات روما، وأن الولايات المتحدة تواصل تسهيل الحوار بين الطرفين.

 

وبذلك، تبدو عملية الإفراج خطوة أولى في ملف لا يزال مفتوحًا، في وقت تحاول فيه إسرائيل إدخال قضية الرفات ضمن مسار التفاوض. غير أن استمرار احتجاز لبنانيين آخرين، بالتوازي مع استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء من الأراضي اللبنانية، يجعل أي معالجة شاملة مرتبطة أولًا بإنهاء الاحتجاز والانسحاب واحترام حقوق لبنان، بدل تحويل الملفات الإنسانية إلى أوراق ضغط متبادلة.

فالخمسة الذين أُفرج عنهم ليسوا نهاية القضية، بل بداية اختبار حقيقي لما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى إطلاق بقية اللبنانيين المحتجزين، أم ستبقى رهينة لشروط وملفات إضافية تطرحها إسرائيل على طاولة الحوار.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7

اقرأ أيضاً