لا تبدأ معركة سوريا لاستعادة حضورها الخارجي من السفارات والاتفاقيات وحدها، بل من سؤال أعمق يتعلق بالصورة التي تريد البلاد أن تقدمها عن نفسها بعد سنوات طويلة ارتبط اسمها فيها بالحرب والأزمة والاضطراب.
اقرأ أيضاً:إسرائيل تدرب قواتها بالجولان وتوسّع تحركاتها في سوريا
فالدولة التي تمتلك مدنًا ومواقع ضاربة في التاريخ، وثقافة عابرة للحدود، وكفاءات بشرية منتشرة في دول عدة، لا تفتقر بالضرورة إلى مقومات الجذب والتأثير. لكن امتلاك هذه العناصر شيء، وتحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي شيء آخر.
وهنا تبرز «القوة الناعمة» بوصفها أحد الملفات التي يمكن أن تستثمر فيها سوريا خلال إعادة بناء علاقاتها الخارجية، شرط ألا تتحول إلى حملة دعائية، بل إلى نتيجة لتحسن فعلي في مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن والثقافة والتعليم.
المؤشر يكشف الفجوة
بحسب مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤسسة «براند فاينانس»، احتلت سوريا المرتبة 125 عالميًا من أصل 193 دولة، بدرجة 31.2 من 100، مقابل المرتبة 127 في تصنيف 2025 وبدرجة 30.5.
ولا يعني هذا الترتيب أن سوريا تحتل المرتبة نفسها من حيث أهميتها السياسية أو الحضارية، وإنما يقيس مدى قدرة الدولة على تحويل ما تمتلكه من موارد وعناصر جذب إلى سمعة وتأثير وعلاقات وصورة لدى الجمهور العالمي.
ويعتمد المؤشر على عشرات المعايير، بينها الألفة والسمعة والتأثير، إلى جانب الثقافة والتراث والتعليم والعلوم والإعلام والعلاقات الدولية والحوكمة والتجارة والأعمال.
ومن هذه الزاوية، تبدو النتيجة أكثر أهمية عندما تُقرأ باعتبارها قياسًا للفارق بين الرصيد الذي تمتلكه سوريا وبين قدرتها الحالية على توظيفه.
اقرأ أيضاً:عائلة إسلام علوش تطالب بتحرك سوري عاجل
ثروة موجودة أصلًا
تملك سوريا عناصر يصعب على كثير من الدول صناعتها من الصفر. فدمشق وحلب وتدمر وأوغاريت وغيرها تختزن رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا يمكن تحويله إلى أدوات جذب ثقافي وسياحي وأكاديمي.
ولا يقتصر الأمر على المواقع الأثرية. فالدراما والموسيقا والأدب والمطبخ والحرف التقليدية تمثل بدورها منتجات ثقافية وصلت إلى جمهور واسع في العالم العربي وخارجه.
لكن القيمة الحقيقية لهذه العناصر لا تظهر بمجرد تعدادها، وإنما في القدرة على تنظيمها وتطويرها وتقديمها بصورة حديثة.
فالموقع الأثري يحتاج إلى حماية وبنية سياحية، والمتحف يحتاج إلى إدارة وأبحاث، والمهرجان يحتاج إلى مؤسسة وتمويل، والإنتاج الثقافي يحتاج إلى بيئة تسمح باستمراره، فيما تحتاج السياحة إلى أمن وخدمات وبنية تحتية.
وهنا تتحول القوة الناعمة من شعار ثقافي إلى مسألة مرتبطة مباشرة بكفاءة الدولة.
السوريون في الخارج.. شبكة نفوذ محتملة
وربما يمثل رأس المال البشري أحد أكثر الموارد قابلية للتحول إلى نفوذ.
فوجود أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وباحثين ورجال أعمال وفنانين وطلاب سوريين في دول عربية وأوروبية وأميركية يخلق شبكة واسعة يمكن أن تشكل قناة للتواصل ونقل المعرفة والاستثمار والتعاون الأكاديمي والثقافي.
لكن الاستفادة من هذه الطاقات لا تعني التعامل مع السوريين في الخارج باعتبارهم أداة دعائية، بل بناء قنوات مؤسساتية تربطهم بالجامعات والشركات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الثقافية داخل سوريا.
وكلما تحولت هذه العلاقات إلى مشاريع واستثمارات وأبحاث وتبادل معرفي، أصبح الانتشار السوري عنصرًا فعليًا من عناصر التأثير الخارجي.
الموقع الجغرافي ليس نفوذًا بحد ذاته
وتملك سوريا عاملًا إضافيًا يتمثل في موقعها الجغرافي عند تقاطع شرق المتوسط والعراق وتركيا ولبنان والأردن والعالم العربي.
هذا الموقع يمنحها إمكانات في التجارة والنقل والطاقة وإعادة الإعمار والربط الإقليمي، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى قوة ناعمة.
فالنفوذ الجغرافي يحتاج إلى بنية تحتية واتفاقيات وشراكات واقتصاد قادر على الاستفادة منه، وإلى مؤسسات تستطيع تحويل الموقع إلى فرص تعاون بدل بقائه مجرد ميزة جغرافية على الخريطة.
القوة الناعمة ليست دعاية
المعضلة الأساسية التي تواجه أي مشروع لإعادة بناء صورة سوريا هي خطر الخلط بين تحسين الصورة وصناعة الدعاية.
فإطلاق حملة إعلامية تقول إن البلاد تغيرت لا يكفي لإقناع الجمهور الخارجي بهذا التغيير. الذي يصنع السمعة في النهاية هو ما يراه الناس والمستثمرون والباحثون والزوار بأنفسهم.
إذا تحسنت المؤسسات، سيظهر ذلك في التعاملات. وإذا تحسنت البيئة الاستثمارية، ستظهر النتائج لدى المستثمرين. وإذا تحسن الأمن، سينعكس على حركة الزوار. وإذا تطورت الجامعات، ستظهر آثار ذلك في التعاون الأكاديمي.
ومن هنا، فإن أفضل حملة للقوة الناعمة قد لا تكون حملة إعلامية أصلًا، وإنما سلسلة من التحولات الداخلية القابلة للملاحظة.
من مشروع ثقافي إلى سياسة دولة
ويرى مختصون أن بناء القوة الناعمة السورية يحتاج إلى عمل مؤسساتي يبدأ بحصر الموارد الموجودة وتحديد المجالات الأكثر قدرة على التأثير، ثم وضع استراتيجية واضحة وآليات تنفيذ وتمويل.
ويمكن أن تشمل هذه الاستراتيجية السياحة الثقافية، وحماية الآثار، والمتاحف، والتعليم، والبحث العلمي، والدراما والسينما والموسيقا، والرياضة، والحرف والصناعات التقليدية، إلى جانب الإعلام الموجه إلى الجمهور الخارجي بلغات مختلفة.
لكن نجاح هذه الأدوات يتطلب أن تعمل ضمن رؤية واحدة، بدل تحولها إلى فعاليات منفصلة لا تنتج تأثيرًا مستدامًا.
كما أن جزءًا من الذاكرة السورية الحديثة يمكن أن يدخل في هذا المشروع، بما فيها مواقع الاعتقال والانتهاكات التي شهدتها البلاد، شرط تقديمها ضمن توثيق تاريخي يحفظ الذاكرة ويشرح التجربة السورية، لا اختزال صورة البلاد كلها في المظلومية.
القوة الناعمة تحتاج إلى قوة دولة
ورغم أهمية الثقافة والدبلوماسية والإعلام والتعليم، فإن القوة الناعمة لا تستطيع وحدها معالجة ضعف الاقتصاد أو غياب الاستقرار أو قصور المؤسسات.
فالدولة المؤثرة تحتاج إلى مزيج من الأدوات: اقتصاد قادر على إنتاج الفرص، ومؤسسات تمنح الثقة، وقدرات تحمي المصالح، ودبلوماسية تفتح قنوات التعاون، وثقافة تمنح الدولة حضورًا وجاذبية.
ولهذا تبدو القوة الناعمة بالنسبة إلى سوريا أقرب إلى نتيجة تراكمية لبناء الدولة منها إلى قطاع منفصل يمكن تطويره بمعزل عن بقية القطاعات.
الرصيد موجود.. والتحدي في تحويله
لا تكمن المشكلة السورية في غياب التاريخ أو الثقافة أو الإنسان، بل في كيفية تحويل هذه العناصر إلى قيمة معاصرة قابلة للقياس.
فالمرتبة 125 في المؤشر لا تختزل سوريا، لكنها تكشف المسافة بين ما تملكه البلاد وما تستثمره فعليًا في بناء صورتها وتأثيرها.
وتملك سوريا فرصة لإعادة تقديم نفسها للعالم من خلال ما هو موجود فيها أصلًا، لا عبر صناعة هوية مصطنعة: حضارة قديمة، ثقافة حية، مجتمع واسع الانتشار، وموقع يمكن أن يتحول إلى نقطة وصل إقليمية.
لكن الوصول من «الرصيد الحضاري» إلى «النفوذ» يتطلب سنوات من العمل المؤسساتي، وتحسين البيئة الداخلية، وحماية الثقافة، وإعادة بناء الثقة.
وعندها فقط يمكن أن تصبح القوة الناعمة السورية أكثر من مجرد تصنيف في مؤشر دولي؛ أي تتحول إلى أداة فعلية تساعد دمشق على استعادة حضورها الإقليمي والدولي، وتمنحها قدرة أكبر على التأثير من خلال الجاذبية والشراكة، لا من خلال الخطاب وحده.