تصاعدت احتجاجات سكان في ريف الحسكة في سوريا ضد انتشار الحراقات النفطية البدائية، مع توسع رقعة استخدامها بالقرب من مناطق مأهولة، وسط مخاوف من انعكاسات الانبعاثات الناتجة عنها على الصحة العامة والأراضي الزراعية، بالتزامن مع أسئلة متزايدة حول مصادر النفط والمواد الخام التي تعتمد عليها هذه المنشآت.
وفي ريف الدرباسية، قطع أهالٍ من عدد من القرى الطريق العام أمس الثلاثاء، اعتراضاً على تشغيل حراقات بدائية لتصفية المازوت بالقرب من قرية خراب كورت. وشملت الاحتجاجات سكان قرى مشيرفة وسعدية وكاكورية ومناطق أخرى مجاورة، في خطوة جاءت بعد أيام من بدء تشغيل الحراقات رغم اعتراض السكان على اختيار موقعها.
وقال الأهالي إن قرب الحراقات من التجمعات السكانية يجعل القرى المحيطة عرضة للدخان والروائح والانبعاثات الناتجة عن عمليات الحرق والتصفية، مطالبين الجهات المسؤولة بالتدخل ووقف تشغيلها ونقلها بعيداً عن المناطق المأهولة.
اقرأ أيضاً: النفايات في سوريا.. عبء بيئي يطرق باب الاستثمار
احتجاجات تتسع على امتداد المنطقة
وبحسب الأهالي، يقع موقع الحراقات على مسافة تقارب 500 متر من خراب كورت، ونحو كيلومتر من بلدة الخاص، وحوالي كيلومترين من مشيرفة، فيما تقع مجموعة من القرى الأخرى ضمن نطاق قد تتأثر فيه بالانبعاثات.
وتشمل المناطق القريبة خراب كورت والخاص والقرقوية وتل كمبر وصورصورك وسعدية ومشيرفة ومشيرفة الشرقية وخرارو وخويتلة وفرحية، إلى جانب قرى أخرى جنوب الدرباسية، على مسافة تقدر بنحو 15 كيلومتراً من المدينة.
وسبق الاحتجاجات توجه سكان من القرى المتضررة إلى البلدية والمجلس المحلي في بلدة الخاص للمطالبة بمنع تشغيل الحراقات، إلا أن عدم اتخاذ إجراءات دفع الأهالي إلى تنظيم وقفة وقطع الطريق للضغط باتجاه معالجة القضية.
ولا تبدو الاحتجاجات محصورة بريف الدرباسية. ففي محيط مدينة تل تمر، نظم سكان من المدينة وقرى تابعة لها وقفة احتجاجية قرب قرية شونية، مطالبين بإزالة الحراقات المنتشرة في المنطقة، بينما شهدت قرية تل حمام، أمس، احتجاجاً مماثلاً ضد حراقات تقع على بعد نحو كيلومترين من التجمع السكاني.
اقرأ أيضاً: دعوة رسمية لتنظيم العمالة السورية وحماية العامل اللبناني
الخطر لا يتوقف عند الهواء
ويقول سكان المناطق المتضررة إن المشكلة لا تتعلق بالروائح والدخان فحسب، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية والمحاصيل، في منطقة يعتمد جانب كبير من سكانها على النشاط الزراعي.
ويثير حرق النفط ومشتقاته بطرق بدائية مخاوف بيئية مرتبطة بتلوث الهواء والتربة والمياه، خصوصاً في ظل غياب إجراءات واضحة لضبط الانبعاثات والتخلص من المخلفات الناتجة عن عمليات التصفية.
وتزداد حساسية هذه المخاوف مع وجود الحراقات بالقرب من قرى مأهولة، إذ يصعب عزل السكان عن آثارها، بينما تكون الفئات الأكثر عرضة للتأثر بالملوثات الهوائية، مثل الأطفال وكبار السن، أمام مخاطر أكبر في حال استمرار التشغيل لفترات طويلة.
اقرأ أيضاً: 20 عاماً من الجمع تنتهي بإعادة ذاكرة درعا
بين التلوث والرقابة الغائبة
ويضع المشهد الجهات المحلية أمام ملف مزدوج: التعامل مع الضرر البيئي والصحي الناتج عن الحراقات، والتحقق في الوقت نفسه من سلسلة الإمداد التي تسمح باستمرار عملها.
فإزالة الحراقات من جوار التجمعات السكانية قد تعالج جانباً من المشكلة، لكنها لن تنهي الظاهرة ما لم تترافق مع رقابة على مصادر النفط وآليات نقله وتداوله، إلى جانب تحديد المسؤوليات القانونية والبيئية للجهات المشغلة.
وبالنسبة إلى السكان، لم تعد القضية مجرد منشآت بدائية تنتشر بعيداً عن المدن، بل تحولت إلى مسألة تمس الهواء الذي يتنفسونه والأراضي التي يعتمدون عليها، فضلاً عن سؤال اقتصادي وأمني أوسع حول مسار النفط الذي يغذي هذه المنشآت.