المادة 104 تثير نقاشاً حول قانون الإعلام اللبناني

2026.09.01 - 22:44
Facebook Share
طباعة

دخل قانون الإعلام اللبناني الجديد مرحلة التطبيق بعد سنوات طويلة من النقاشات والتعديلات، ليضع القطاع الصحافي أمام اختبار مختلف عن ذلك الذي رافق مراحل إعداده. فإقرار التشريع أعاد رسم الإطار القانوني للعمل الإعلامي، لكنه أبقى مجموعة من الأسئلة المرتبطة بحدود حرية التعبير، وطبيعة المسؤولية الصحافية، وصلاحيات الجهة الناظمة، ومدى قدرة القانون على مواكبة التحولات التي شهدها القطاع.

 

يرى مراقبون أن أهمية القانون لا ترتبط فقط بكونه أنهى فراغًا تشريعيًا استمر لسنوات، وإنما بقدرته على معالجة العلاقة المعقدة بين حرية الصحافة والمسؤولية القانونية. فالنص الجديد يدخل حيز التنفيذ في بيئة إعلامية مختلفة جذريًا عن تلك التي كانت قائمة عند بدء العمل عليه، بعدما انتقلت نسبة كبيرة من صناعة الأخبار وتوزيعها إلى المنصات الرقمية.

 

توقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون على القانون في 27 آب الماضي وضع حدًا لمرحلة طويلة من المسار التشريعي، بعدما خضع المشروع لمناقشات داخل اللجان النيابية واللجنة الفرعية قبل إحالته إلى الهيئة العامة. اللجان المشتركة أقرت القانون في 9 تموز 2026، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة عنوانها اختبار النصوص على أرض الواقع.

 

لم ينهِ التوقيع الرسمي حالة الجدل المحيطة بالتشريع. نقابة المحررين ونادي الصحافة وجهات حقوقية سجلت ملاحظات على عدد من المواد، مع تركيز خاص على المادة 104، التي أثارت اعتراضات بسبب ما تتضمنه من إمكانية فرض عقوبات سالبة للحرية في حالات مرتبطة بالنشر.

 

المسألة الأكثر حساسية تتعلق بمفهوم الأخبار الكاذبة واختلاق الأضاليل والأخبار المؤذية. مكافحة التضليل تمثل حاجة فعلية في ظل سرعة انتشار المعلومات عبر المنصات الرقمية، إلا أن تحديد المسؤولية يحتاج إلى معايير دقيقة تفرق بين التضليل المتعمد والخطأ الصحافي والمعلومة غير الدقيقة والتحليل الذي قد يثبت لاحقًا عدم دقته.

 

مراقبون يعتبرون أن الخطر يبدأ عندما تكون المصطلحات القانونية قابلة لتفسيرات واسعة، لأن الصحافي قد يجد نفسه أمام حدود غير واضحة بين المخالفة المهنية والفعل الجرمي. هذا الغموض، وفق هذه القراءة، قد يدفع بعض العاملين في غرف الأخبار إلى ممارسة رقابة ذاتية مفرطة، خصوصًا عند تناول ملفات سياسية أو قضايا تتصل بشخصيات نافذة.

 

في المقابل، لا يمكن اختزال حماية الصحافة في إلغاء المسؤولية القانونية عن العاملين فيها. الصحافي والمؤسسة الإعلامية يظلان مطالبين باحترام حقوق الأفراد وعدم ممارسة القذف والتشهير والتحريض وخطاب الكراهية أو نشر معلومات مضللة بصورة متعمدة. التحدي يتمثل في إيجاد توازن يحمي المجتمع والأفراد من الضرر، من دون تحويل القانون إلى أداة لتقييد العمل الصحافي.

 

يضع القانون كذلك الهيئة الوطنية للإعلام أمام مسؤولية أساسية في تنظيم القطاع. إنشاء هيئة يفترض استقلالها يمكن أن يشكل خطوة مهمة إذا اقترنت الاستقلالية القانونية باستقلال فعلي في التعيين والتمويل والإدارة واتخاذ القرار.

 

طريقة اختيار أعضاء الهيئة ستكون من أبرز المؤشرات على مستوى استقلالها. كذلك ستؤثر مدة الولاية وآليات العزل ومصادر التمويل في قدرتها على اتخاذ قرارات مهنية بعيدًا عن الضغوط السياسية. أما تدخلها في مضمون المواد الصحافية، فيبقى من الملفات التي ستحتاج إلى رقابة مستمرة لضمان عدم تحول التنظيم إلى رقابة تحريرية.

 

مراقبون يشيرون أيضًا إلى أن استقلال الصحافي لا يتحدد بعلاقته مع الدولة وحدها. داخل المؤسسات الإعلامية، يمكن أن يصبح العقد والراتب والاستقرار الوظيفي عوامل تؤثر في القرار التحريري، خصوصًا إذا كان الصحافي معرضًا للفصل أو العقوبة المهنية بسبب رفضه تغيير مضمون مادة أو تنفيذ توجيه يتعارض مع المعايير الصحافية.

 

من هذه الزاوية، تبدو حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين في الإعلام جزءًا أساسيًا من حماية حرية الصحافة. العقود الواضحة، انتظام الأجور، الحماية من الصرف الانتقامي، ضمان العمل النقابي، وحماية الصحافي الذي يرفض الرشوة أو التلاعب بالمحتوى، كلها ملفات ترتبط مباشرة بقدرته على ممارسة المهنة باستقلالية.

 

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان كانت قد ربطت بين حماية حرية الإعلام واستقلال العاملين فيه، مع التشديد على أهمية حرية التنظيم النقابي في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز استقلال المهنة.

 

على المستوى النقابي، يواجه القطاع الإعلامي واقعًا جديدًا فرضته التحولات الرقمية. الصحافي لم يعد مرتبطًا بالضرورة بوسيلة واحدة، فقد يعمل في صحيفة ومنصة إلكترونية وبرنامج تلفزيوني أو ينتج محتوى صوتيًا ومرئيًا عبر منصات مختلفة. هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في شكل التمثيل المهني وآليات حماية العاملين في مختلف القطاعات الإعلامية.

 

اعتراض نقابتي الصحافة والمحررين على السماح بإنشاء نقابات جديدة يعكس خشية من زيادة انقسام الجسم الصحافي. في المقابل، يحتاج القطاع إلى نقابات قوية ومستقلة وديمقراطية تستطيع الدفاع عن الحقوق المهنية والتفاوض مع المؤسسات الإعلامية، مع الحفاظ على حق الصحافيين في التمثيل وعدم تحويل التنظيم النقابي إلى وسيلة للهيمنة على المهنة.

 

الإعلام الإلكتروني يمثل بدوره أحد أبرز الاختبارات أمام القانون الجديد. الاعتراف بالمواقع الإلكترونية وتخفيف بعض أشكال الرقابة المسبقة يمثلان خطوات مهمة، لكن المشهد الرقمي أصبح أكثر اتساعًا من المواقع الإخبارية التقليدية.

 

منصات الفيديو والبودكاست وشبكات التواصل الاجتماعي والمحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق تطرح أسئلة جديدة حول المسؤولية والمصدر وطبيعة المحتوى الصحافي. كما أن الخوارزميات أصبحت قادرة على التأثير في وصول الأخبار إلى الجمهور، ما يجعل حماية التعددية الإعلامية مرتبطة أيضًا بقواعد أكثر حداثة للشفافية والوصول إلى الجمهور.

 

التشريع المستقبلي سيكون مطالبًا بوضع مبادئ عامة قابلة للتطبيق على هذه التحولات، مثل حماية الصحافي بغض النظر عن الوسيلة التي يعمل عبرها، والتمييز بين الصحافة المهنية والتعبير الشخصي، وتحديد المسؤولية وفق درجة السيطرة على المحتوى، إلى جانب حماية المصادر والبيانات والأجهزة المستخدمة في العمل الصحافي.

 

ملكية وسائل الإعلام وتمويلها تشكل ملفًا آخر يرتبط مباشرة بمستوى الاستقلال التحريري. معرفة الجمهور بالجهات المالكة للمؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها والمصالح المرتبطة بها تساعد على تعزيز الشفافية وتقليص احتمالات تضارب المصالح. مكافحة الاحتكار الإعلامي والشفافية في الإعلانات والتمويل السياسي لا تنفصل عن حماية التعددية وحرية الصحافة.

 

المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة القانون على تحقيق الأهداف التي وُضع من أجلها. الأسئلة ستنتقل من النصوص إلى الممارسة: كيف سيتعامل القضاء مع المادة 104؟ هل ستُفسر القيود بصورة ضيقة تحمي حرية التعبير؟ هل ستتمتع الهيئة الوطنية للإعلام باستقلال فعلي؟ وهل يستطيع الصحافي مواجهة الضغوط السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية من دون أن يدفع ثمن ذلك مهنيًا؟

يبقى كذلك مستقبل النقابات وحقوق العاملين في الإعلام الرقمي وشفافية الملكية والتمويل من الملفات التي ستحدد طبيعة البيئة الإعلامية اللبنانية خلال السنوات المقبلة.

 

بعد أكثر من ستة عشر عامًا من العمل التشريعي، أصبح لدى لبنان قانون إعلام جديد. غير أن نجاحه لن يقاس بمجرد دخوله حيز التنفيذ، وإنما بقدرته على حماية الصحافي عندما يمارس دوره الرقابي، وعلى وضع حدود واضحة للمساءلة، ومنع استخدام القانون لتقييد العمل الإعلامي.

 

التشريع قد يكون خطوة متقدمة في تحديث القطاع، إلا أن حماية حرية الصحافة تحتاج إلى ممارسة قضائية مستقلة، وهيئة ناظمة مستقلة، ومؤسسات إعلامية تحترم الاستقلال التحريري، ونقابات قادرة على الدفاع عن العاملين فيها.

 

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن؛ فحرية الصحافة لا تصبح واقعًا لمجرد أن القانون نص عليها، وإنما عندما يستطيع الصحافي ممارسة عمله من دون خوف من السجن أو الفصل أو الضغط السياسي، مع تحمله في الوقت نفسه المسؤولية المهنية والقانونية عن الكلمة التي ينشرها.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9