من يحدد سقف التفاوض اللبناني مع إسرائيل؟

2026.09.01 - 22:30
Facebook Share
طباعة

يتصاعد النقاش داخل لبنان حول وجهة التفاوض مع إسرائيل وحدوده، في ظل تباين واضح بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان المسار الحالي يجب أن يبقى محصورًا في الملفات الأمنية والحدودية أم يتجه نحو صيغة سياسية أوسع.

اقرأ أيضاً:جلسة مفصلية في السراي.. ملفات ترسم المرحلة المقبلة

 

في أثينا، وضع عون الخيار الدبلوماسي في صدارة مقاربة لبنان، متحدثًا عن إنهاء حالة العداء والتزام تطبيق «اتفاق الإطار» من جانبَي لبنان وإسرائيل. وفي بيروت، تمسك بري برفض التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبرًا أن أي مسار تفاوضي لا يمكن فصله عن واقع الاعتداءات والاحتلال.

 

ويعود «اتفاق الإطار» إلى 26 حزيران، حين جرى وضع صيغة تقوم على خطوات متدرجة تشمل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وترتيبات التحقق والأمن. غير أن سبع جولات تفاوضية لم تنجح حتى الآن في إحداث اختراق يسمح بتوسيع الاتفاق، فيما بقيت العمليات الإسرائيلية عاملًا ضاغطًا على المسار برمته.

 

على الجانب الإسرائيلي، تبدو مسألة الانسحاب مرتبطة بحسابات أمنية وسياسية تتصل بالوضع اللبناني، وخصوصًا ملف السلاح. أما بيروت فتتعامل مع التزامات الطرفين باعتبارها متبادلة، وترى أن أي تقدم لا يمكن أن يقوم على تنازلات لبنانية منفردة في مقابل استمرار الضربات والتحركات العسكرية الإسرائيلية.

 

وسط هذه المعادلة، يكتسب موقف بري بعدًا يتصل أيضًا بمرجعية التفاوض وآلياته. فرفضه «الإطار» والتفاوض تحت النار يعكس تمسكًا بضرورة توفير أرضية مختلفة قبل الانتقال إلى تفاهمات جديدة، مع طرح مرجعية دولية للمرحلة التي تلي انتهاء مهمة «اليونيفيل».

اقرأ أيضاً:أوروبا تستعد لمرحلة ما بعد اليونيفيل في لبنان

 

أما عبارة «إنهاء حالة العداء» التي استخدمها عون، فتفتح بابًا مختلفًا للنقاش، من دون أن تعني تلقائيًا الوصول إلى سلام أو تطبيع. المصطلح يمكن أن يُفهم ضمن سياق إنهاء الوضع العدائي وتثبيت ترتيبات مستقرة، لكنه يترك في الوقت نفسه مساحة لتساؤلات حول شكل العلاقة التي قد تنشأ بعد معالجة الملفات الحدودية والأمنية.

 

تزداد أهمية هذه المسألة عند الانتقال من الترتيبات الميدانية إلى أي اتفاق سياسي طويل الأمد. فمعالجة الانسحاب والانتشار العسكري تختلف عن تقرير طبيعة العلاقة بين دولتين، وكل مستوى من هذه الملفات يحتاج إلى تفويض واضح وحدود محددة لصلاحيات الوفد اللبناني.

 

دستوريًا، لا يملك رئيس الجمهورية وحده حسم معاهدة نهائية مع إسرائيل. فالمادة 52 تمنحه دورًا أساسيًا في المفاوضة وإبرام المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، بينما يخضع إبرامها لمسار داخل مجلس الوزراء، وقد تتطلب بعض المعاهدات موافقة مجلس النواب وفق طبيعتها.

 

من هنا، يصبح تحديد «سقف التفاوض» مسألة داخلية بقدر ما هي مرتبطة بالمفاوضات مع إسرائيل. فالوفد اللبناني يحتاج إلى معرفة ما إذا كان مكلفًا فقط ببحث الانسحاب ووقف الاعتداءات والترتيبات الأمنية، أم أن لديه صلاحية مناقشة صيغة أوسع تتصل بالعلاقة المستقبلية بين الطرفين.

 

تتداخل هذه الحسابات مع الدور الأميركي، الذي يدفع باتجاه ترتيبات أكثر استقرارًا على الحدود، ومع المقاربة الإسرائيلية التي تربط الانسحاب بخطوات لبنانية تتعلق بالسلاح. وفي المقابل، يتمسك لبنان بمبدأ تلازم الالتزامات وضرورة أن يقابل أي إجراء لبناني خطوات إسرائيلية واضحة.

 

المسألة الأساسية المطروحة أمام بيروت ليست فقط كيفية استكمال الجولات المقبلة، وإنما إلى أين يريد لبنان الوصول أصلًا فإذا كان الهدف تثبيت الانسحاب وإنهاء الاعتداءات وترسيخ أمن الحدود، فإن مسار التفاوض يحتاج إلى محددات واضحة لهذا الغرض. أما إذا كان «إنهاء حالة العداء» يحمل أفقًا سياسيًا أبعد، فذلك يتطلب توافقًا داخليًا على طبيعة هذا الأفق ومن يملك صلاحية التفاوض بشأنه.

 

وبين مقاربة عون التي توسع مساحة الدبلوماسية، وموقف بري الذي يضع استمرار العمليات الإسرائيلية في صلب الاعتراض، يقف لبنان أمام ضرورة حسم وجهة المسار قبل الدخول في استحقاقات تفاوضية جديدة؛ لأن تحديد الهدف هو الذي سيحدد لاحقًا سقف التنازلات، وطبيعة الاتفاق الممكن، والجهة المخولة باتخاذ القرار النهائي.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4